المعهد العراقي للحوار
مؤسسة فكرية بحثية، تعنى بالدراسات والتخطيط الستراتيجي، تأسست بعد التغيير في عام 2003، لتقوم بمهمة صناعة القرارات وتحضير الخيارات وبدائلها من خلال الرصد المكثف للأحداث وتطوراتها وعرضها على المختصين ومناقشتها من خلال ندوات و ورش عمل وطاولات بحث مستمرة

الإمبريالية والعالم الناميكيف شكلت بريطانيا وأمريكا المحيط العالمي؟

الإمبريالية والعالم النامي
كيف شكلت بريطانيا وأمريكا المحيط العالمي؟

الإمبريالية والعالم الناميكيف شكلت بريطانيا وأمريكا المحيط العالمي؟

في السياسات الإمبريالية لبريطانيا والولايات المتحدة خلال الحروب التي شنتها الدولتان في العالم النامي، لا يمكن توقع نتيجة الخطط المرسومة، فيمكن أن يجد جنود هاتين الدولتين أنفسهم في مستنقعات تولّد متطرفين وإرهابيين يقضون على كل آمال الديمقراطية والأمان والاستقرار في البلدان المستهدفة. يناقش الكتاب تأثير السياسات الإمبريالية في الدول التي تقع في الهامش.

كيف شكلت الإمبريالية الغربية العالم النامي؟ يعالج أستاذ السياسة والشؤون الدولية في كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون# أتول_كوهلي هذا السؤال من خلال تحليل التأثير البريطاني والأمريكي في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية من عصر شركة الهند الشرقية البريطانية إلى الحرب الأمريكية الأخيرة في العراق.

ويجادل بأن كلاً من بريطانيا والولايات المتحدة توسعتا لتعزيز ازدهارهما الاقتصادي الوطني، ويظهر كيف أن التوسع الأنجلو-أمريكي يضر بالتنمية الاقتصادية في الأجزاء الفقيرة من العالم.

لتوضيح أسباب وعواقب الإمبريالية الحديثة، يشير كوهلي أولاً إلى أن هناك نوعين من الإمبراطوريات ويحلل ديناميات كل منهما. يمكن أن تشير الإمبريالية إلى إمبراطورية استعمارية رسمية مثل بريطانيا في القرن التاسع عشر أو إمبراطورية غير رسمية، تتمتع بنفوذ كبير ولكن لا سيطرة إقليمية، مثل الولايات المتحدة في القرن العشرين. يؤكد كوهلي أن كلاهما قوض مراراً وتكراراً احتمالات التقدم الاقتصادي المطرد في المحيط العالمي، وإن كان بدرجات متفاوتة.

غالباً ما أدى السعي وراء الازدهار الاقتصادي الوطني الخاص ببريطانيا والولايات المتحدة إلى التوسع في المناطق الواقعة على الأطراف من العالم. كان الحد من سيادة الدول الأخرى – والدول الفقيرة والضعيفة على الهامش على وجه الخصوص – هو الأسلوب الرئيس للإمبريالية. بالنسبة للبريطانيين والأمريكيين، يضمن هذا التكتيك بقاء الاقتصادات الطرفية منفتحة وفي متناول المصالح الاقتصادية الأنجلو-أمريكية.

لكن فقدان السيادة أضر بشكل كبير بفرص الحياة للأشخاص الذين يعيشون في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. كما يوضح كوهلي أن السيادة هي أصول اقتصادية، وهي شرط مسبق لظهور الدول التي يمكنها رعاية مجتمعات صناعية مزدهرة وشاملة.

الوجود الإمبريالي في العراق

يشير المؤلف في مقدمته إلى أنه «عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، توقع صناع القرار الأمريكيون الإطاحة بصدام حسين بسرعة وتثبيت نظام صديق والمغادرة. لكن حرب العراق لم تتبع هذا السيناريو. وبدلاً من ذلك، واجهت الولايات المتحدة مقاومة متعددة الأشكال في الداخل العراقي. تبع ذلك احتلال مطول. على الرغم من مغادرة معظم القوات الأمريكية في عام 2011، إلا أن الجهود الأمريكية في العراق لا تزال مستمرة».

ويضيف: «أثناء الاحتلال، قارن منتقدو التدخل الأمريكي في العراق ما حدث للجيش الأمريكي في فيتنام. وأشار السيناتور إدوارد كينيدي إلى أن العراق كان «مستنقعاً» آخر، وهو مصطلح يستخدم غالباً أثناء الحرب الأمريكية في فيتنام. في الوقت الذي كانت فيه هذه المقارنات جادة، لكن تم تجاهل أوجه تشابه تاريخية أعمق.

أنشأت بريطانيا العظمى العراق بعد الحرب العالمية الأولى من خلال تجميع المقاطعات النائية للإمبراطورية العثمانية السابقة. ثم واجهت الجهود البريطانية لتحويل العراق إلى مستعمرة – على غرار الهند – مقاومة سريعة من القوميين العرب، منذ ما يقرب من قرن من الزمان. يبدو أنه كان على لندن أن تأمر بقصف العراق عام 1920 لهزيمة هذه المعارضة المحلية. بدلاً من تحويل العراق إلى مستعمرة رسمية، نصبت بريطانيا ملكاً عربياً مرناً سمح للقوات البريطانية والمستشارين بالبقاء واتبعوا سياسات موالية لبريطانيا. استمرت إمبراطورية بريطانيا غير الرسمية في العراق حتى الخمسينات من القرن الماضي. إن أوجه التشابه بين التجربتين الأمريكية والبريطانية في العراق أعمق بكثير: كان من المتوقع أن يتم الترحيب بكليهما كمحررين للعراق، لكن الأمر لم ينته كذلك؛ كلاهما نفى أن يكون لديهما أي مصلحة في النفط العراقي، لكن تلك كانت كذبة. وبينما كانا يعدان بإحراز تقدم، تسببا معاً في إحداث فوضى في العراق..».

من دفاتر الإمبريالية

يحلل المؤلف في الفصل الأول من الكتاب بعنوان «شركة الهند الشرقية» الدوافع والآليات وتأثير حكم شركة الهند الشرقية في الهند (من منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر)، ويقول: «كان الدافع الرئيس وراء عمليات شركة الهند الشرقية في الهند هو استخراج الموارد الاقتصادية. كانت الآلية المركزية لتأسيس الحكم هي الإكراه المستخدم لهزيمة المقاومة من قبل النخبة الهندية التقليدية. أما في ما يتعلق بالتأثير، فالدليل قاطع على أن أنشطة شركة الهند الشرقية في الهند أفادت بريطانيا على حساب الهند. استفاد البريطانيون من شركة الهند الشرقية عن طريق نقل الموارد الهندية للاستخدامات الخاصة والعامة. ساعدت شركة الهند الشرقية أيضاً في إنشاء نمط استعماري للتجارة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. تم نقل التأثير السلبي في الهند بشكل خاص عن طريق إساءة استخدام المدخرات الهندية – المدخرات التي ربما تم استثمارها بشكل أكثر إنتاجية داخل الهند – وعبر تدمير التصنيع المحلي».

يتناول في الفصل الثاني إمبراطورية بريطانيا غير الرسمية في الأرجنتين ومصر والصين خلال القرن التاسع عشر، ويجد أن الدليل قاطع على أن اهتمام بريطانيا الأساسي في هذه المناطق كان بغرض تحقيق مكاسب اقتصادية، بدون قوة إن أمكن، ولكن بالقوة إذا لزم الأمر. كانت الآلية الرئيسية للتأثير هي إنشاء ودعم حكومات مستقرة لكنها تابعة في البلدان المحيطية أو التي تقع على الأطراف. بمجرد إنشاء مثل هذه الأنظمة في الدول العميلة، تم الحفاظ على الإمبراطورية غير الرسمية من خلال درجة من التعاون بين النخبة الحضرية والنخبة المحيطية. استفاد البريطانيون كثيراً من مثل هذه الترتيبات، خاصةً لأنها سهلت التجارة المربحة والاستثمارات والقروض.

شهدت البلدان المحيطية بدورها بعض النمو الاقتصادي ولكن نمط التنمية كان منحازاً فقد أصبحت هذه البلدان مصدّرة للسلع الأساسية دون أن تخضع للكثير من التصنيع.

كان الاستعمار البريطاني في الهند طويل الأمد وعميقاً. على النقيض من ذلك، كان الحكم البريطاني في إفريقيا، بما في ذلك في نيجيريا، قصيراً وسطحياً نسبياً. يحلل الفصل الثالث تحت عنوان «أصناف الاستعمار: الهند ونيجيريا» دوافع وآليات وتأثير الاستعمار البريطاني من خلال مقارنة هاتين التجربتين. يعلق المؤلف على ذلك بقوله: «كانت الأهمية الاقتصادية للهند بالنسبة لبريطانيا أكبر بكثير من أهمية نيجيريا. تأسس حكم التاج على الهند بقوة وحشية واستمر من خلال مؤسسات الحكم الاستبدادية. بدأ التدافع من أجل إفريقيا بسبب المنافسة المتزايدة بين القوى الأوروبية، لكن السياق الاقتصادي كان مهماً أيضاً. ترك البريطانيون وراءهم مؤسسات حكومية تعمل بشكل جيد في الهند، لكنهم تركوا وراءهم اقتصاداً فقيراً، حيث كان متوسط العمر المتوقع للهندي العادي اثنين وثلاثين عاماً. في نيجيريا، كانت الدولة والاقتصاد الذي تركه البريطانيون وراءهم متخلفين بشكل خطير».

السعي وراء النفوذ في الخارج

يشير المؤلف إلى أن الولايات المتحدة ولدت كدولة مناهضة للاستعمار، وظهرت على الساحة العالمية كقوة إمبريالية في نهاية القرن التاسع عشر. يحلل الفصل الرابع تحت عنوان «السعي وراء النفوذ في الخارج» التوسع الأمريكي في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى وآسيا والمحيط الهادئ. يقول المؤلف: «عندما أصبحت الولايات المتحدة قوة صناعية كبرى في أواخر القرن التاسع عشر، سعت وراء الربح والقوة في الخارج، وخاصة الفرص الاقتصادية الجديدة. جربت الولايات المتحدة الاستعمار ولكنها استقرت على إنشاء أنظمة مستقرة ولكن تابعة لها في البلدان المحيطية كآلية رئيسية للسيطرة. وشملت الفوائد التي تعود على الولايات المتحدة مكاسب في التجارة، وفرصاً للاستثمارات الأجنبية، وقروضاً مربحة. شهدت البلدان الواقعة تحت نفوذ الولايات المتحدة، بما في ذلك الفلبين وكوبا ونيكاراغوا، بعض النمو الاقتصادي ولكنها أصبحت مُصدرة للسلع الأساسية مع تفاوتات حادة وحكومات ذات جودة رديئة».

يتوقف الفصل الخامس بعنوان «محاربة قوميات العالم الثالث» على التدخلات الأمريكية في العالم النامي خلال الحرب الباردة. يذكر في هذا الصدد: «بينما قدم الصراع ضد الشيوعية سياقاً للتدخلات في إيران وفيتنام وتشيلي، كان الدافع الأعمق هو طرد القوميين الذين تحدوا التصميم الأمريكي لإنشاء نظام اقتصادي عالمي مفتوح. تباينت الآليات، من انقلابات سرية في إيران وتشيلي إلى النموذج العسكري الصارم في فيتنام. كما تباينت الفوائد التي تعود على الولايات المتحدة. لقد حققت نجاحاً رمزياً في تشيلي ولكنها هزمت في فيتنام. خرجت الديمقراطية في كل من إيران وتشيلي عن مسارها، وظل كلا البلدين مصدرين للسلع الأساسية تحت الوصاية الأمريكية. على النقيض من ذلك، جاء النظام الشيوعي القمعي للسيطرة على فيتنام التي اتبعت بنجاح برنامجاً اقتصادياً للتصنيع والتخفيف من حدة الفقر».

يركز المؤلف في الفصل السادس بعنوان «تأكيد عالمي، ناعم وصعب» التأثير العالمي لأمريكا في فترة ما بعد الحرب الباردة. وقد اتبع هذا الحضور مسارات اقتصادية وعسكرية. يقول: «إن فرض إجماع واشنطن على دول أمريكا اللاتينية هو مثال على التأكيد الاقتصادي. تحركت الولايات المتحدة في هذا الاتجاه أولاً لإنقاذ البنوك الأمريكية المثقلة بالديون ثم لدحر النماذج الدولية للتنمية الاقتصادية في المنطقة. كانت الفوائد الاقتصادية للولايات المتحدة كبيرة. شهدت بلدان أمريكا اللاتينية عقداً ضائعاً من النمو، تلاه بعض من استئناف النمو، لكنها لا تزال تعتمد بشكل رئيس على صادرات السلع الأساسية». ويضيف:«كانت النزعة العسكرية الصارمة في الشرق الأوسط مدفوعة بأهداف أكثر غموضاً، لكنها تضمنت فرض السيادة على منطقة غنية بالنفط. كانت النتائج مختلطة في أحسن الأحوال. فالحرب في العراق كانت مكلفة للغاية. مات نصف مليون عراقي. أما الفوائد التي جنتها الولايات المتحدة ليست واضحة والعراق يكافح ليكون دولة فاعلة تحت النفوذ الأمريكي».

يلخص المؤلف في خاتمة هذا العمل النتائج الرئيسية للدراسة في ما يتعلق بالدوافع التي دفعت الإمبريالية البريطانية والأمريكية، وآليات حكم كل منهما، وتأثير توسعهما العالمي، خاصة على الأطراف العالمية. كان الدافع الرئيس الذي دفع كلاً من القوى المهيمنة في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى التوسع في الخارج هو تعزيز الرخاء الوطني لكل منهما. بينما سعت بريطانيا إلى إمبراطورية رسمية وغير رسمية، استقرت الولايات المتحدة بشكل أساسي على الأخيرة. اتبعت بريطانيا والولايات المتحدة إمبراطورية رسمية عندما كان بإمكانهما قبول السيطرة غير الرسمية عندما واجهتا المقاومة. كان تأثير الاستعمار أكثر ضرراً من تأثير الإمبراطورية غير الرسمية. تم استغلال المستعمرات من قبل الدول الحضرية لمصلحتها الخاصة ونادراً ما شهدت نمواً اقتصادياً. شهدت البلدان الواقعة تحت سيطرة غير رسمية مزيداً من النمو، لكنها فشلت في إنشاء اقتصادات متنوعة. في النهاية، تم استكشاف ما إذا كانت الصين الناشئة تقوم أيضاً بتطوير إمبراطورية غير رسمية».

ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

أتول كوهلي: أستاذ السياسة والشؤون الدولية في كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون.وهو رئيس تحرير «مجلة الساسة الدولية». تركز اهتماماته البحثية في مجالات الاقتصاد السياسي المقارن مع التركيز على الدول النامية وله العديد من الكتب، منها «التنمية الموجهة من الدولة»، و«الديمقراطية والتنمية في الهند».

اترك تعليقا