المعهد العراقي للحوار
مؤسسة فكرية بحثية، تعنى بالدراسات والتخطيط الستراتيجي، تأسست بعد التغيير في عام 2003، لتقوم بمهمة صناعة القرارات وتحضير الخيارات وبدائلها من خلال الرصد المكثف للأحداث وتطوراتها وعرضها على المختصين ومناقشتها من خلال ندوات و ورش عمل وطاولات بحث مستمرة

الليبرالية الجديدة و خصخصة العدالة

ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

ويندي فيتزجيبون وجون ليا

  • ويندي فيتزجيبون محاضرة في علم الجريمة بجامعة ليستر. عملت سابقاً كضابط مراقبة، وهي مؤلفة لعدد من الأعمال منها: «التجريم الوقائي: التحكم في المخاطر والمستقبل البديل».

** جون ليا، أستاذ زائر في كلية غولدسميث بجامعة لندن، ومؤلف لعدد من الكتب، من بينها:«ما العمل بشأن القانون والنظام؟»(1993) و«الجريمة والحداثة» (2020).

خصخصة العدالة

تصاعد الجدل كثيراً في السنوات الأخيرة حول خصخصة المهام التي كانت تؤديها الدول فيما مضى، خاصة على الصعيدين الأمني والعسكري. يلقي الكتاب نظرة تاريخية على دور الشركات الأمنية الخاصة في بريطانيا، من القرن الثامن عشر إلى الصعود الحديث للصناعة الأمنية الخاصة في النزاعات المسلحة والشرطة وتنفيذ العقوبات.

يرى مؤلفا هذا العمل أن نمو الأنظمة العسكرية والشرطية والعقابية الخاصة يأتي ضمن سياق التغيرات العالمية الأوسع التي أحدثتها الليبرالية الجديدة والمستقبل البائس الذي تنذر به.

يشكل الكتاب دعوة قوية إلى تغيير مسار الخصخصة المتزايدة للدولة والليبرالية الجديدة التي تقف وراءها. يشير المؤلفان إلى أنه «في العديد من دول الشمال العالمي، وفي المملكة المتحدة على وجه الخصوص، يُنظر إلى الخصخصة على أنها معنية بتقليص أو القضاء على دولة الرفاه الكينزية من خلال التحول إلى الشركات الخاصة الساعية للربح من المرافق العامة وخدمات الرفاه مثل المياه، الغاز والكهرباء والسكك الحديدية والنقل العام والكثير من الرعاية الصحية والتعليم. يقول المؤلفان: ما قدمته دولة الرفاه كحق اجتماعي، بتمويل أو دعم من الضرائب العامة، يوفره السوق الخاص الآن كسلعة يشتريها من يستطيع الدفع.

الخصخصة بين اليمين واليسار

يتزايد الجدل منذ عدة سنوات حول خصخصة الأنشطة التي كانت تقوم بها الدولة سابقاً، وفي هذا السياق يذكر المؤلفان، بالنسبة لليمين السياسي، كانت الخصخصة تدور حول شيئين: أولاً، (تحرير الشعب) – على حد تعبير مارجريت تاتشر – من عبء ذلك الجزء من الضرائب الذي يمول الخدمات؛ وثانياً، السماح لرياح المنافسة القوية بزيادة كفاءة الخدمات التي كانت تديرها في السابق احتكارات عامة متصلبة تحت سيطرة البيروقراطيين وموظفي الخدمة المدنية.

ويذكر أنه بالنسبة لليسار السياسي، من ناحية أخرى، كانت الخصخصة تتعلق بالحفاظ على الربحية الرأسمالية من خلال تفكيك مكاسب دولة الرفاه وتحويل مبالغ كبيرة من أموال الضرائب إلى رأس المال الخاص من خلال الإعانات المقدمة للقطاع الخاص الذي يقدم الخدمات التي كانت تقدمها الدولة حتى الآن. كان الأمر يتعلق أيضاً بإنهاء السيطرة الديمقراطية على خدمات الرفاه والمرافق العامة من خلال المساءلة أمام البرلمان واستبدالها بتراكم الأرباح الخاصة والسلطة من قبل الشركات الكبيرة غير الخاضعة للمساءلة أمام العملية الديمقراطية، ما أدى إلى إنشاء (دولة الظل) الخاصة.

هناك الآن رد فعل شعبي متزايد ضد هذا الشكل من الخصخصة، لا سيما تلك الجوانب التي تؤثر بشكل مباشر في الطبقة الوسطى، بحسب المؤلفين، ويوضحان ذلك بالقول: من المفارقات أن مشهد الركاب الغاضبين على أرصفة السكك الحديدية وهم ينتقدون عدم كفاءة الاستيلاء على أموال شركات السكك الحديدية الخاصة يعيد تمثيل الغضب المماثل من آبائهم تجاه عدم الكفاءة البيروقراطية المزعومة للسكك الحديدية المملوكة للدولة. هناك أيضاً غضب بسبب تراجع مستوى الخدمة جراء نقص التمويل وربح الشركات الخاصة التي تستفيد من التعاقد من الباطن من قبل المنظمات التي لا تزال تديرها الدولة، مثل الخدمة الصحية الوطنية. من وقت لآخر، تتعرض الشركات الخاصة التي يمكنها تحويل الحاجة العامة إلى أعمال مربحة لضربة مباشرة من حيث الإضرار بالسمعة، على سبيل المثال، عندما فشلت شركة «جي فور إس» العملاقة متعددة الجنسيات في الوفاء بعقدها لتوفير عناصر الأمن لأولمبياد لندن في عام 2012.

يركز الكتاب على دور القطاع الخاص في مجال معين من نشاط الدولة، ذلك النشاط المرتبط بممارسة القوة القسرية. فمن الواضح أن معظم هذا يتعلق بأنشطة العدالة العسكرية والجنائية للدولة. يعلق المؤلفان: من المهم هنا التمييز بين نوعين من الخصخصة. أولاً: الخصخصة الكاملة، وتعني تسليم النشاط بالكامل إلى الشركات أو الهيئات الخاصة لبيعها كسلعة في السوق. إذا اتبعنا وجهة النظر التقليدية للدولة باعتبارها المؤسسة التي تحتكر الإجبار الشرعي داخل أراضيها، فمن الواضح أنه لا يمكن خصخصة أشياء مثل القوة العسكرية أو العدالة الجنائية بهذا المعنى دون تفكيك الدولة نفسها. لا يمكن لأية دولة أن تسمح بخصخصة محاكمها وشرطتها وجيشها إلا إذا كانت غير متماسكة. فالقرارات المتعلقة بالانخراط في الحرب أو الأحكام الجنائية والسجن التي تتخذها هيئات خاصة خارج سيطرة الدولة ستكون أقرب إلى قرارات أمراء الحرب والمافيات. أما النوع الثاني من الخصخصة فهو الاستعانة بمصادر خارجية، وهو على النقيض من النوع الأول حيث تحتفظ الدولة بالسيطرة التامة لكنها تفوض بعض المهام للشركات الخاصة. على سبيل المثال، قد تحتفظ دولة ما بالسيطرة الكاملة على قواتها العسكرية وقراراتها بشأن الانخراط في نزاع مسلح والقوات التي يجب نشرها، ولكن مع ذلك، تقوم بتعهيد مهام معينة مثل اللوجستيات أو الحراسة أو حتى القتال إلى جهات خاصة. يفكر المرء على الفور في أن هؤلاء مرتزقة، لكن في الوقت الحاضر لديهم اسم أكثر احتراماً وهو «الشركات العسكرية الخاصة». مهما كانت المهام التي يؤدونها، ستكون بأوامر وسيطرة الحكومة والجيش الرسمي للدولة. وبطريقة مماثلة، قد يتولى القطاع الخاص مهام العدالة الجنائية مثل بناء السجون وإدارتها. لكن محاكم الدولة فقط هي التي ستقرر من يذهب إلى السجن وإلى متى، وستراقب مفتشيات الدولة التزام إدارة السجون الخاصة بشروط عقود التعهيد مع الدولة. قد يبدو أن هذا يحل المسائل المتعلقة بشرعية ممارسة القوة القسرية من قبل هيئات غير حكومية. تحتفظ الدولة بالسلطة النهائية وتعمل منظمات القطاع الخاص كوكلاء للدولة. هذا بأي حال من الأحوال هو الجانب النظري. لكن في الواقع هنا بالضبط تبدأ المشكلات.

شركات مؤثرة في السياسات

يشير المؤلفان إلى أن هناك اعتباراً آخر مهم يتجسد في أن شركات الأمن الخاصة التي توظفها الحكومات أو أصحاب الممتلكات الخاصة أنفسهم تتمتع بسلطة وتأثير كبيرين. في حين أن بعضها صغير ومحلي، نجد البعض الآخر عبارة عن شركات ضخمة تتجاوز الحدود الوطنية. تعمل شركات مثل «جي فور إس» في جميع أنحاء العالم ولها دور أقوى من الحكومات في بعض الدول في خصخصة عالم العدالة. حتى في الدول القوية والمنظمة جيداً في شمال العالم، قد تكون هذه الشركات الخاصة قوية بما يكفي للتأثير في تشكيل وتنفيذ السياسة. قد تؤثر الشركات العسكرية الخاصة في سلوك ومدة النزاع المسلح على الرغم من أن الحكومات هي المسؤولة من الناحية النظرية، في حين أن صناعة السجون الخاصة قد تضغط بشكل غير رسمي لزيادة استخدام المحاكم الجنائية لأحكام السجن.

هناك قضية أخيرة، تشكل التنظيم الكامل للكتاب ومناقشته، وهي أن هذه الأمور تتغير وتتطور بمرور الوقت. فالنشاط الذي قد يبدو في فترة تاريخية ما على أنه جزء من احتكار الدولة للإجبار الشرعي، أو حكومي بطبيعته، يمكن في فترة تاريخية أخرى أن تقوم به هيئات خاصة إلى حد كبير. على سبيل المثال، يُنظر اليوم في إنجلترا وويلز بشكل عام إلى الكشف عن مرتكبي الجرائم الجنائية ومحاكمتهم على أنه احتكار طبيعي لشرطة الدولة والمدعين العامين. لكن في فترة سابقة، تحديداً خلال القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، تم تنفيذ الكثير من ذلك من قبل ما يُطلق عليه اليوم شركات الأمن الخاصة التي تعمل نيابة عن مجموعات ثرية من المواطنين أو من قبل هيئات حكومية محلية بحتة. في الوقت نفسه، كان جزء كبير من ممتلكات السجن يُدار بشكل خاص، بينما لعبت الجيوش الخاصة – المرتزقة – أو القوات المستخدمة في الشركات التجارية الخاصة دوراً رائداً في عملية التوسع الاستعماري.

إن فهم كيفية كشف الحدود بين القسر الحكومي والخاص للتغيير التاريخي هو أحد اهتمامات الكتاب الرئيسية. ويقول المؤلفان عن ذلك: تتغير هذه الحدود بطرق معينة. ما يثير اهتمامنا على وجه الخصوص هو أنه لفترة طويلة، معظم القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، واجه القطاع الأمني الخاص انحساراً مقابل توسع الدولة والذي اُعتبر كجزء من عملية التحديث: بسط سيادة القانون والمساءلة الديمقراطية والأفكار الحديثة للمواطنة. على الصعيد الدولي، ارتبط تراجع القوات العسكرية الخاصة بتطور المجتمع الحديث للدول والأشكال الحديثة للحرب.

تغير الحروب والنزاعات

شهدت الطبيعة المتغيرة للحرب والنزاع المسلح في الفترة الأخيرة، منذ منتصف السبعينات تقريباً، عودة كبيرة للقوات العسكرية الخاصة، بينما يبدو على المستوى المحلي أن الدور المتزايد للسجون الخاصة والأشكال المختلفة للشرطة الخاصة لا يمكن وقفه. يتساءل المؤلفان هنا: ما هي التغييرات التي جرت في النظام الدولي للدول وفي بنية المجتمعات الرأسمالية الصناعية الحديثة التي قامت عليها هذه التغيرات؟ إلى أي مدى يمكن لمصطلحات مثل «الليبرالية الجديدة» استيعاب الديناميكيات؟.

يحاول المؤلفان في فصول الكتاب الستة (الخصخصة القديمة، توطيد سلطة الدولة وشرعيتها، عودة ظهور الحرب الخاصة، الأمن الخاص والشرطة، القطاع الخاص في نظام العقوبات، نحو دولة خاصة) إلقاء نظرة عامة على هذه التطورات. يحاول الفصل الأول تحديد بعض الخطوط العريضة لما يطلق عليه المؤلفان «الخصخصة القديمة» كما كانت موجودة خلال القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، من الشركات التجارية المسلحة إلى الشرطة الخاصة والسجون. يتتبع المؤلفان في الفصل الثاني التدهور المستمر للخصخصة القديمة، حيث أصبحت سلطة الدولة العامة موحّدة وموسّعة وتم استبدال الشرطة المأجورة من قبل القوات العامة، ويقولان: في هذه الأثناء، أعيد تنظيم نظام السجون القديم الذي يديره القطاع الخاص والمحلي وأنظمة المراقبة الخاصة التي تديرها المؤسسات الخيرية واستوعبتها الدولة. بلغت هذه التطورات ذروتها في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية: فترة دولة الرفاه والحرب الباردة.

توثق الفصول الثلاثة التالية حول الجيش الخاص، والشرطة والأمن الخاص، والسجون والمراقبة، السمات الرئيسية لعودة القطاع الخاص في هذه المناطق. في الوقت نفسه، يحاول المؤلفان ربط هذا الانبعاث بالتغيرات الاجتماعية المعروفة التي تجري في العقود الأخيرة، لكن مع التركيز بشكل خاص على تغيير مفاهيم المواطنة التي تجعل ممارسة السلطة الخاصة ممكنة وتبدو مشروعة من وجهة نظرهما.

في الفصل السادس، يجمع المؤلفان الخيوط معاً ويحاولان إجراء تقييم عام للاعتماد الحكومي المتزايد على شركات الأمن الخاصة القوية (أو المجمع الصناعي الأمني) في المجالات الرئيسية. ويؤكدان أن سلطة الشركات الخاصة تغير طابع الدولة نفسها وتؤدي إلى ظهور نوع جديد من (الدولة الأمنية) بقدم واحدة. ويضيفان: لاى يظهر هنا وجهان للقوة المتزايدة لصناعة الأمن الخاص، الأول هو تقلص الدولة واعتمادها المتزايد على الصناعة الأمنية لتنفيذ ما كان يعتبر في السابق وظائف حكومية، والآخر هو هيمنة الشركات الخاصة الكبرى مثل «فور جي إس»، و«سيركو» (في المملكة المتحدة) إلى الحد الذي يبدأون فيه بممارسة سلطة الاحتكار في العلاقات التعاقدية مع الدولة. أدى الميل الليبرالي الجديد العام، والذي يركز بشكل أكثر وضوحاً على الإكراه بدلاً من التضامن والتماسك الاجتماعي، إلى إحداث تغيير عميق في طبيعة بيروقراطية الدولة والخدمة المدنية.

Wendy Fitzgibbon and John Leah

الليبرالية الجديدة و خصخصة العدالة
اترك تعليقا