المعهد العراقي للحوار
مؤسسة فكرية بحثية، تعنى بالدراسات والتخطيط الستراتيجي، تأسست بعد التغيير في عام 2003، لتقوم بمهمة صناعة القرارات وتحضير الخيارات وبدائلها من خلال الرصد المكثف للأحداث وتطوراتها وعرضها على المختصين ومناقشتها من خلال ندوات و ورش عمل وطاولات بحث مستمرة

جورج فريدمان: هل يمكن أن تقوم حرب بين ألمانيا وروسيا؟

اوروبا “لن تتجزأ” مجددا

ترجمة : عبدالرحمن النجار

استعرض #جورجفريدمان في مقال على موقع #جيوبوليتيكالفيوتشرز شكل العلاقة بين ألمانيا وروسيا؛ إذ إنه يبدو أن لروسيا هدفين مختلفين لكن متداخلين في الحرب الروسية على أوكرانيا. الأول هو السيطرة على حدودها الغربية، وهي منطقة تمنحها عمقًا إستراتيجيًّا وتعتقد موسكو أنها تقع في مجال نفوذها. والثاني هو تأليب أعضاء الناتو بعضهم على بعض، وكسر الفصائل التي تعارض أي شكل من أشكال التدخل، أما ما يقال عن شخصية الرئيس فلاديمير بوتين ومزاجه لا علاقة له بالموضوع، فبالنسبة لروسيا، هناك منطق لهذه الإستراتيجية: الدفاع عن الوطن مهمة قاسية.

العلاقات بين ألمانيا وروسيا
وأوضح فريدمان أنه من وجهة نظر روسيا، لا ينبغي أن تهم أوكرانيا أي دولة ما لم تكن تلك الدولة تريد خنق روسيا – وهو الأمر الذي لم يكن ليحدث لو لم يكن الناتو موجودًا، إذا لم تكن أوروبا قاعدة عمليات للولايات المتحدة، الخصم الأساسي لروسيا، فلن تشكل الولايات المتحدة تهديدًا.

وبحسب تعبير فريدمان: تعد ألمانيا مركزًا لجميع الحسابات المتعلقة بالقوة الأوروبية، ولقد تجاهلت برلين بناء قدرات عسكرية لبعض الوقت، ومنذ عام 1991 كان تركيزها الأساسي ينصب على النمو الاقتصادي، لديها اقتصاد هائل موجه للتصدير ويتطلب قدرًا هائلًا من الطاقة، التي يأتي جزء كبير منها من روسيا، وقد خطط الروس لهذه الأزمة مع وضع ذلك في الاعتبار

ويضيف الكاتب: مثل جميع البلدان تقريبًا، كانت ألمانيا تعاني من التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا عندما بدأت الحرب في أوكرانيا، ولن تؤدي خسارة الطاقة الروسية إلا إلى جعل الأمور أسوأ، ولما كانت العلاقة بين ألمانيا وروسيا تميل إلى التعاون في الأمور الاقتصادية، وتجنبت ألمانيا إعادة التسلح العسكري والمواجهات مع روسيا، افترضت موسكو أن أيًّا ما ستفعله في أوكرانيا لن يكون له أي تأثير في برلين.

أثبتت الأيام الأولى من الحرب على أوكرانيا صحة اعتقاد روسيا، فقد شددت برلين في البداية على عدم تزويد كييف بالسلاح، وتأكيدًا على ذلك، اضطرت طائرة عسكرية بريطانية تحمل إمدادات لأوكرانيا إلى تجنب الأجواء الألمانية.

في غضون ذلك، التقى بوتين برئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، لترتيب اتفاق للغاز الطبيعي، لكن أوربان قال إنه غير مستعد لاتخاذ موقف عدائي تجاه ألمانيا، وقد أثار هذا الأمل في الكرملين بإمكانية تقسيم التحالف بحسب ما يرى فريدمان؛ إذا كانت دولة صغيرة مثل المجر، وهي دولة تابعة للاتحاد السوفيتي السابق، مستعدة للانسحاب من حلف الناتو، فإن أساس القوة الأمريكية في أوروبا يتلاشى، بحسب تعبير فريدمان.

بوتين لا يفهم مخاوف ألمانيا
يرى فريدمان أنه يمكن لروسيا وألمانيا العمل بشكل وثيق في إطار عضوية الأخيرة في حلف الناتو، ولكن إذا ذاب هذا الإطار وسقطت أوكرانيا، فإن الشيء الوحيد الذي يقف بين ألمانيا وروسيا هو بولندا. قد يبدو هذا خوفًا مرضيًّا (بارانويا) – بحسب وصف فريدمان- لكن حقيقة أن روسيا استولت على بيلاروسيا العام الماضي في انقلاب (أبيض) وتحاول السيطرة على أوكرانيا الآن، تشير إلى أن البارانويا لها بعض المزايا.

وقبل الحرب على أوكرانيا كان الموقف الإستراتيجي الألماني ينهار، ودخلت برلين في خلاف مع زملائها بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وبرزت فرنسا محاورًا أوروبيًّا رئيسيًّا، ونفد صبر الولايات المتحدة، وأملت الحكومة الألمانية أنه على الرغم من كل التذمر الأوروبي بشأن أوكرانيا، يمكن أن تستمر الأعمال التجارية مع روسيا، في حين ستتعامل الولايات المتحدة مع أي مواجهة عسكرية خطيرة.

بيد أن هذا لم يحدث؛ إذ لم تقم واشنطن بعمل عسكري بالطبع، لكنها فرضت عقوبات اقتصادية هائلة على روسيا من شأنها أن توقف تدفق الطاقة إلى أوروبا. وسينتهي حلم ألمانيا – بصفتها عضوًا في الناتو- بإقامة علاقات تجارية قوية مع روسيا؛ فقد جعلت روسيا ذلك مستحيلًا، واضطرت برلين إلى أن تفعل ما لم ترغب في فعله: الاختيار، ولكن يبدو أنه لم يكن هناك خيار على الإطلاق، فعلى الرغم من حاجتها الماسة للغاز الروسي، قالت ألمانيا إنها ستسلح أوكرانيا، والأهم من ذلك أنها ستعيد تسليح نفسها بموجب ميزانية دفاعية معززة بشكل كبير.

ويضيف الكاتب أنه بصرف النظر عن إعادة تنشيط الناتو، قد تكون هذه أهم نتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا؛ لطالما كانت ألمانيا القوية ذات الطابع العسكري تاريخيًّا قوة مزعزعة للاستقرار في أوروبا، فعندما توحدت ألمانيا في عام 1871، ظهرت بسرعة بصفتها قوة اقتصادية رئيسية ولكنها غير آمنة من هجمات متزامنة من روسيا وفرنسا، الأمور مختلفة الآن بالطبع فعالم 2022 مختلف عن عالم عامي 1914 و1939، ولكن بالرغم من ذلك، فإن النعمة في نظر العديد من الدول الأوروبية هي ضعف ألمانيا العسكري الحالي، ففي الجغرافيا السياسية، يمكن أن تولِّد حلول مشكلة واحدة مشكلات جديدة.

لقد وضعت روسيا نفسها في موقف سيئ، لم يعد تجزئة أوروبا ممكنًا. وحتى لو هزمت روسيا أوكرانيا، فستكون أقرب إلى معاداة أوروبا، بقيادة ألمانيا المعاد تسليحها حديثًا بحسب ما يختم فريدمان مقاله.

جورج فريدمان: هل يمكن أن تقوم حرب بين ألمانيا وروسيا؟
اترك تعليقا