00:00:00
توقيت بغداد
2026يونيو07
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: نيكو كلباكیاني – محلل شؤون إيران - ترجمة: المعهد العراقي للحوار

هل خسرت إيران الرهان؟ تقييم للتأثيرات الجيوسياسية لاتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان

في 8 أغسطس، وقع رئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، في حضور الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب، اتفاقية سلام تاريخية في واشنطن. الاتفاق أثار توقعات واسعة بأن روسيا، التي تعتبر القوقاز من مناطق نفوذها التقليدية، سترد برد فعل شديد، لكن الانتقادات الأكثر حدة جاءت من إيران.

تأتي هذه الانتقادات بعد تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة قد تحصل على حق تطوير ممر ترانزيت في جنوب أرمينيا لمدة 99 عامًا، وهو ما أُطلق عليه اسم "مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي" (TRIPP).

الممر المقترح، المعروف غالباً باسم ممر زانغزور، سيربط أذربيجان عبر محافظة سيونيك الجنوبية في أرمينيا إلى ناغورنو-كاراباخ ونخجوان، ويمتد على طول نهر أرس، الذي يشكل الحدود بين أرمينيا وإيران.

 أسباب معارضة إيران لممر زانغزور

إيران أعربت منذ البداية عن قلقها من أن الممر، إذا لم يظل تحت سيطرة يريفان، قد يقطع وصولها البري إلى أرمينيا وشمالها. كما أن طهران تخشى إقامة "ممر بان-تركي" على حدودها الشمالية يربط تركيا بحليفتها أذربيجان. إضافة لذلك، ترتبط مخاوفها بالاعتماد الجيوسياسي لأذربيجان وتركيا على قوى تعتبرها إيران خصوماً، مثل عضوية تركيا في الناتو والعلاقات الوثيقة بين أذربيجان وإسرائيل.

إيران طالبت مراراً بسحب القوات الأجنبية من المنطقة وحذرت يريفان وباكو من السماح بأي "تدخل أجنبي" في القوقاز.

 بنود الاتفاق وتأثيرها على إيران

بعض بنود الاتفاق تلبي احتياجات إيران، مثل ضمان سيطرة أرمينيا على الممر والحدود مع إيران، لكنها في الوقت نفسه تعيد الولايات المتحدة إلى المناطق الحدودية الإيرانية، وهو ما يشكل تحدياً استراتيجياً لطهران.

الرد الإيراني الرسمي

رحبت الحكومة الإيرانية رسمياً بالاتفاق في 9 أغسطس، مع التعبير عن قلقها من أي تدخل خارجي. لكن المواقف الأكثر حدة جاءت من كبار المسؤولين، مثل علي أكبر ولايتي، مستشار قائد الجمهورية الإسلامية، الذي أكد عزم إيران على منع إنشاء المسار الأمريكي "مع روسيا أو بدونها".

كما انتقد يدي الله جواني، نائب للشؤون السياسية في الحرس الثوري، قرار باشينيان وعلييف قائلاً إنهما "يكررون مسار زيلينسكي في أوكرانيا" بإدخال الناتو إلى القوقاز، مع تجاهل مصالح روسيا وإيران والهند والصين.

في المقابل، عملت الحكومة الإيرانية على تهدئة المخاوف الداخلية، حيث أكد الرئيس مسعود بزشکیان أن الاتفاق يحافظ على السيادة الإيرانية ووصولها إلى أوروبا وحدودها الشمالية، وأن القلق الوحيد المتبقي هو مشاركة الولايات المتحدة في إنشاء الممر.

 التحرك الدبلوماسي الإيراني

بعد الاتفاق، انخرطت طهران في دبلوماسية نشطة مع يريفان. فقد أجرى بزشکیان محادثات هاتفية مع باشينيان، وحذّر من أن الممر الجديد "لا يجب أن يقطع الوصول الإيراني إلى طرق الاتصال الأخرى". كما استضافت إيران نائب وزير خارجية أرمينيا واهان كوستانيان للتباحث حول الموضوع، ومن المتوقع أن يقوم بزشکیان بزيارة أرمينيا بين 18 و21 أغسطس.

 ردود الفعل الإعلامية

وسائل الإعلام الإيرانية شنت هجوماً حاداً على الاتفاق، ووصفت الممر بـ"مسار الشيطان". بعض الصحف التندروية اعتبرت أن الحكومة الحالية تتحمل مسؤولية الاتفاق بسبب "إهمال" الحكومة. وأعاد آخرون سرد أحداث تاريخية تتعلق بتنازلات أرضية في الماضي لتعزيز فكرة "انزواء إيران" وتحويل القوقاز إلى "لعبة" بين أمريكا والناتو.

ومع ذلك، حاولت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، تقديم الممر على أنه "جزء صغير فقط" من الحدود الإيرانية، بهدف تهدئة المخاوف، رغم أن هذا أسهم في زيادة جدل وسائل التواصل الاجتماعي.

 سيناريوهات الحفاظ على المصالح الإيرانية

خفض حدة المخاوف الرسمية يشير إلى قدرة محدودة لطهران على التأثير على الأحداث، خاصة مع غياب الرد الفاعل من روسيا، المتورطة في حرب أوكرانيا.

يمكن للحكومة الإيرانية متابعة عدة استراتيجيات، منها:

الحصول على ضمانات من يريفان بأن أي وجود أمريكي مستقبلي سيكون مدنياً أو غير عسكري.

الحفاظ على سيطرة كاملة على جميع الحدود.

استمرار الدبلوماسية النشطة لمنع تنفيذ الممر في شكله النهائي دون موافقة طهران.


وفي النهاية فاتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان يمثل اختباراً دقيقاً لموقع إيران الاستراتيجي في القوقاز. بينما تلبي بعض البنود مصالح طهران، فإن إشراك الولايات المتحدة في المنطقة ووجود ممر يربط تركيا بأذربيجان يشكل تحديات جيوسياسية كبيرة. وقد أظهرت هذه الأحداث محدودية قدرة إيران على التأثير المباشر، لكنها فتحت المجال لاستراتيجيات دبلوماسية جديدة لحماية مصالحها الحيوية.

Comments