المعهد العراقي للحوار
مؤسسة فكرية بحثية، تعنى بالدراسات والتخطيط الستراتيجي، تأسست بعد التغيير في عام 2003، لتقوم بمهمة صناعة القرارات وتحضير الخيارات وبدائلها من خلال الرصد المكثف للأحداث وتطوراتها وعرضها على المختصين ومناقشتها من خلال ندوات و ورش عمل وطاولات بحث مستمرة

المدينة الفاضلة والحداثة في الصين

تشهد الصين تناقضات التحديث عبر ثورتها الصناعية التي أسست لرؤية رأسمالية لا تتوافق مع القيم الصينية التقليدية، وتتعارض مع الاشتراكية التي كانت حجر الأساس للمجتمع الصيني منذ تأسيس الجمهورية الشعبية في عام 1949. يعاين الكتاب الصراعات المتأصلة في محاولة الصين تحقيق «المدينة الفاضلة» من خلال تطوير الإنتاج والتكنولوجيا، ويناقش التحديات التي يواجهها المجتمع عبر هذه المرحلة الانتقالية.

المدينة الفاضلة والحداثة في الصين

تعد الصين اليوم أكثر أهمية للعالم من أي وقت مضى، وفي العقد الماضي تزايد الاهتمام الغربي بالصين بوتيرة متزايدة. تميزت الصين بالقدرة على إكمال مشاريع البناء الضخمة بسرعة لا مثيل لها. امتد انتشارها العالمي إلى حد جعل الغرب مضطرباً من قروض البنية التحتية إلى البلدان الإفريقية وأمريكا الجنوبية إلى قاعدة أنتاركتيكا ومحاولة تجديد المطارات في غرينلاند. تنخرط الولايات المتحدة فيما يُسمى بالحرب الباردة الجديدة ضد الصين، التي انضمت إليها المملكة المتحدة (وإن كانت فاترة).

يقول المؤلفان في مقدمة الكتاب: «كانت إدارة الصين لأزمة «كورونا» هي الأكثر نجاحاً من بين الدول الكبرى، في حين فشلت الحكومات في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بشكل واضح في التعامل معها بشكل مناسب. ومع ذلك، فإن إعجابهم بنجاح الصين في هذا الصدد، يُخفف من خلال التحيزات المتعلقة بسيطرة الدولة على حياة الناس: في الأغلب يُعزى نجاح الصين في السيطرة على الوباء إلى السيطرة القمعية، أو خوف شعبها منها. هذا الاهتمام بالصين لا يقابله التفاهم. على المستويات المهنية، قد يعرف الغرب الكثير عن الصين، لكن بين عامة الناس، يبدو أن التحيزات التي تحركها الصحف الشعبية والتلفزيون هي التي تحكم. تعد الصين أقدم حضارة مستمرة في العالم. تشير هذه الاستمرارية إلى إيحاءات من السلام والهدوء، لكن القرن الماضي لم يكن هادئاً، فقد كان قرن ثورة. أنشأت ثورة شينهاي في عام 1911 جمهورية ووضعت حداً لهياكل السلالات.

‏ بعد هزيمة اليابانيين في الحرب العالمية الثانية، قاد الرئيس ماو تسي تونغ الحزب الشيوعي الصيني في حرب التحرير التي أدت إلى إعلان جمهورية الصين الشعبية في عام 1949».

يضيف المؤلفان: «بعد أقل من عقدين، في عام 1966، أطلق ماو الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى التي أنتجت عقداً من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية. في عام 1978، أصبح دينغ شياو بينغ زعيماً، وبدأ برنامج التحديث الاقتصادي الذي فتح البلاد أمام الليبرالية الجديدة تحت العين الساهرة للدولة الاشتراكية. من المهم أن يكون لدينا بعض الفهم لهذه التحولات، ليس فقط لأن الصين قوة عظمى، ولكن لأننا جميعاً نعيش الآن في خضم تحولات مماثلة: صراعات القيم الأساسية، والأنظمة الاقتصادية التي تخذل عموم السكان، والتنظيم الاجتماعي الذي يقوم على اللامساواة. يجب أن يكون فهم بعض الصراعات التي تنطوي عليها عملية التحديث في الصين مفيداً في وضعنا».

تناقضات في التجربة الصينية

يوضح المؤلفان أنه في أقل من عام دخلت ثلاث أزمات في الوعي العام الغربي. الأكثر وضوحاً بالطبع هو جائحة كورونا. ولأنها كانت تهدد حياة معظم السكان، فقد اخترقت أهميتها حاجز اللامبالاة وأثارت أسئلة أساسية حول الأولويات فيما يتعلق برفاهية السكان والحياة الاقتصادية للبلد. كما أثارت أسئلة ذات صلة حول مسؤولية الحكومة في مسائل الصحة، ورعاية المسنين، والأطفال وتعليمهم، وأنماط العمل والتوظيف، وظروف السكن، والعلاقة بين الصحة والبيئة. بعد ذلك، أشعل مقتل جورج فلويد على يد الشرطة شرارة صعود حركة «حياة السود مهمة». أثار ذلك سلسلة أخرى من الأسئلة، بعضها يتعلق بالقضايا التي أثارها الوباء، قضايا شعر الناس أنه يمكنهم فعل شيء حيالها. أدت الاستجابة الهائلة إلى الاعتراف الصريح بين المؤسسات العامة والخاصة بأن التمييز الهيكلي كان بالفعل أزمة. المناخ والبيئة هما الأزمة الثالثة.

يعلق المؤلفان: «على الرغم من أن العديد من الكتّاب رفعوا أصواتهم بشأن تدمير البيئة والعواقب الوخيمة على حياة الإنسان، منذ صدور كتاب راشيل كارسون عام 1962، فإن هذه القضايا كانت بطيئة في الوصول إلى الوعي العام. ساعدت احتجاجات السويدية غريتا تونبرغ البارزة وحركة «تمرّد ضد الانقراض»، على زيادة الوعي البيئي والمناخي، كما أظهرت حرائق الغابات والفيضانات في عام 2021 أن الأزمة حقيقية وعالمية. ومع ذلك، لم نشهد بعد أي تغيير جاد في الممارسة من الحكومات. لكن الاستعداد الجديد للناس للتشكيك في المواقف، وحتى التفكير في طرق مختلفة لتنظيم المجتمع هو تغيير مهم للغاية».

يرى المؤلفان أن «الأسئلة حول القيم الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي التي تثيرها مثل هذه الاضطرابات الوطنية والدولية هي أسئلة أساسية. لقد كانت دائماً مفصيلة، لكن الأزمات الحالية وضعت في الاعتبار عبر قضايا المجتمع بأسره التي كان يمكن اعتبارها قبل بضعة أشهر مثالية مجردة. ربما توجد بدائل لترك حياتنا تحت سيطرة محرك الاحتراق الداخلي والنقل الشخصي بالسيارات؛ ربما لا ينبغي أن يكون الانتقال إلى العمل فرضاً ضرورياً لكسب الرزق. هل يجب أن يكون كل فرد مصدر دخل للتمتع بفوائد المجتمع؟ ما القيمة التي نحن على استعداد لإعطائها لننظف السماء من الملوثات ونعيد أصوات العصافير؟ لقد غيّر الإغلاق وعينا بمركزية العلاقات الإنسانية.

لقد ألقت التبريرات الذاتية لحكومة المملكة المتحدة لفشلها في التعامل بفاعلية مع كورونا موضع تساؤل حول الأولويات الاجتماعية، ليس فقط الصحة مقابل الاقتصاد لكن المبادئ الأساسية التي يجب أن ينظم المجتمع على أساسها. لم تكن إدارة الصين الناجحة للإغلاق مجرد مسألة إنفاذ: فالصين، الآن وكذلك تقليدياً، لديها وعي اجتماعي أكثر تطوراً؛ حيث يتحمل الأفراد عن طيب خاطر انزعاجهم عندما يكون ذلك ضرورياً لرفاهية السكان الأوسع».

صراع الحداثة والقديم

قد تبدو معارضة اليوتوبيا (المدينة الفاضلة) والحداثة ذات أهمية محدودة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ حيث يتم تطبيق «اليوتوبيا» عادةً على الظروف المثالية غير القابلة للتحقيق، وتشير «الحداثة» في المقام الأول إلى كونها حديثة (على عكس الطراز «القديم»)، الحالة المتوقعة في المجتمع الحديث. يقول المؤلفان: «التغيير والتطوير هما نمط الوجود؛ الحداثة هي جانب رئيس من جوانب المجتمع الاستهلاكي. فيما يتعلق بالصين، فإن المعارضة أكثر تعقيداً. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الحداثة لم تكن ترحيباً بالتقدم بقدر ما كانت شرطاً ضرورياً للدفاع عن وحدة الدولة. أظهرت حروب الأفيون في القرن التاسع عشر أن آلاف السنين من الثقافة لم تكن دفاعاً ضد أحدث التقنيات العسكرية، وكانت الهزيمة النهائية للصين على يد اليابان في الحرب الصينية اليابانية الأولى (1894-1895) صدمة وإهانة في الوقت نفسه. في تلك المرحلة، كان التحديث ضرورياً بوضوح ولا يمكن أن يكون مجرد إضافة.

كان على التجديد أن يشمل الثقافة الاجتماعية، كما أن الثقافة الحالية تضمنت الثقافة القديمة، والتي أعطت قيمة عالية للاستمرارية وتجنب المواجهة. وبالتالي، فإن عملية التحديث تنطوي بالضرورة على صراعات القيم على المستوى الأعمق. لقد تأثر الغرب، النموذج الواضح للحداثة، بالنموذج الأفلاطوني للنظام الاجتماعي (لكن من دون تحذير أفلاطون من المصلحة الذاتية). تبنت الصين وجهة النظر الكونفوشيوسية للتسلسل الهرمي الاجتماعي: في القمة العلماء، ثم يأتي المزارعون، والحرفيون، والتجار. لم تكن القوة جانباً من هذا النظام؛ وبقدر ما قد تختلف الممارسة عن النظرية، يظل التناغم أساسياً لنظام القيم الصيني. هذا هو عكس وجهة نظر الغرب: بالنسبة للصين، فإن المدينة الفاضلة (في جانب الانسجام) هي التوقع، والشيء الطبيعي المرغوب، بينما الحداثة هي المسبب للاضطراب. قد يساعد هذا في تفسير أهمية «اليوتوبيا الحنينية» التي تحدث في العديد من فصول هذا الكتاب، الشوق إلى عالم سابق من التكامل والانسجام. توفر مناقشة اليوتوبيا والحداثة إطاراً واسعاً لتقييم التغيير لأنه يجمع وجهات نظر كل من القيم الاجتماعية والعملية. كما أنه يأخذ المناقشة إلى ما وراء الحدود التأديبية للأوساط الأكاديمية، والتي أصبحت ضيقة بشكل محبط».

ويضيف المؤلفان: «قدمت الكونفوشيوسية نموذجاً للعلاقات الشخصية مع التركيز على الانسجام. عززت الطاوية احترام الطبيعة، أو «الطريق» الكوني، كدليل لبقاء الإنسان؛ وشددت البوذية على أن تنظيم الرغبات البشرية كان شرطاً للحياة. ومع ذلك، حلت ثورات القرن العشرين مكان هذه المنظورات. منذ ثورة شينهاي عام 1911 وحتى حركة الرابع من مايو عام 1919، وحتى ثورة 1949 الشيوعية، فقدوا موقعهم المركزي تدريجياً. تم إنتاج فراغ روحي وأزمة هوية، وهو ما يمثل نظيراً لدافع الصين الأحادي التفكير نحو التصنيع وتحقيق النهضة الوطنية»، ويجدان أن «البحث عن القيم لملء الفراغ سمح للصين بأن تصبح ساحة واسعة للتجارب مع الأفكار والأيديولوجيات الغربية، الداروينية الاجتماعية، العلموية والفوضوية، الليبرالية والديمقراطية، وكذلك الاشتراكية والشيوعية. وجد جميعهم دعاة، لكن الاشتراكية أثبتت أنها الأكثر ديمومة وأصبحت الأيديولوجية الرسمية لجمهورية الصين الشعبية بعد عام 1949. ومع ذلك، لم يكن هذا من دون نزاع. كما يلخص الناقد الثقافي بجامعة تسينغهوا جان يانغ الوضع: توجد ثلاثة مسارات رئيسية لنظام القيم في الصين المعاصرة: المساواة الماوية (الاشتراكية الأرثوذكسية)، الليبرالية القائمة على السوق بعد الإصلاح في ظل الدولة الاشتراكية (الاشتراكية ذات الخصائص الصينية)، والقيم القائمة على الثقافة التقليدية. على الرغم من الجهود التي بذلها الكثيرون للتوفيق بينها، فإن الأنظمة المتنافسة لا تزال قائمة وأنتجت نظام القيم المختلط الذي يوجه السياسات الحالية. لقد استلزم التحول من الدولة الكونية التقليدية «تيانشيا» (الكل تحت الجنة) إلى دولة قومية حديثة، تحولاً جوهرياً من الصين الثقافية إلى الصين السياسية؛ حيث لا يتم تعريف الروابط بين الناس من خلال التراث الثقافي المشترك بقدر ما يتم تعريفه من خلال التماهي مع المجتمع السياسي للجمهورية الحديثة. ما يعنيه أن تكون صينياً يتغير. كما يشير الفيلسوف تو ويمينغ، فإن «الصين التي تستحضر الوعي التاريخي، والاستمرارية الثقافية، والوئام الاجتماعي، ناهيك عن المركزية والتجذر، تبدو بالفعل صدى بعيد المنال». تتلاءم بسهولة مع قيم وأنماط الحياة في الصين الحديثة؛ وهناك عدد متزايد من علماء السياسة الذين يعتقدون أن القيم التقليدية للصين قد تؤدي حتى الآن إلى «حداثة متنازع عليها» أو «حداثات متعددة». ولا يقبل الصينيون وجهة نظر هوبز القائلة إن الدولة شر لا بد منه. بدلاً من ذلك، لا تزال الآراء الكونفوشيوسية سارية؛ حيث يُنظر إلى الدولة على أنها امتداد للأسرة ويُنظر إلى شرعيتها على أنها تعتمد على السلطة الأخلاقية للدولة. إن هذا الصراع في القيم الناجم عن انتقال الصين إلى الدولة الحديثة هو ما تستكشفه فصول هذا الكتاب في مظاهر متنوعة.

بنية الكتاب

يشرح الفصل الأول بعنوان «إغراء المدينة الفاضلة: إعادة تفسير شينمين شو ليانغ تشيتشاو، 1902-1906»، السياق الاجتماعي والسياسي للصين في أوائل القرن العشرين. يناقش التحول في المثل العليا اليوتوبية من العصر الكلاسيكي للصين إلى الغرب الحديث. يشير الفصل إلى أن هزيمة الصين عام 1895 في الحرب الصينية اليابانية الأولى لم تكن مجرد كارثة عسكرية وإهانة وطنية؛ لقد كشفت أيضاً عن الصدام بين نظامي معرفة ووجهتي نظر للعالم. وأصبح موضوع الإصلاح الوطني محل نزاع حاد.

يركز الفصل الثاني بعنوان: المستقبل الطوباوي في الشعر الصيني: بيان تشيلين في جمهورية الصين، على معاناة المثقفين الصينيين الممزقين بين التوق إلى التغييرات الحديثة وحنينهم إلى وطنهم الروحي للماضي الكلاسيكي.

ينتقل الفصل الثالث إلى القضايا المعاصرة تحت عنوان: حلم الصين: الجدل المتناغم والقانون الدولي، ويحلل اختلال توازن القوة والعدالة الذي صاغته اليوتوبيا والحداثة في الصين والتناقضات التي لم تتمكن الصين من حلها لتصبح قوة عالمية. يناقش الفصل الرابع بعنوان: الحنين إلى المدينة الفاضلة في الحداثة الجمالية الصينية، فيلماً سينمائياً له طابع سياسي يظهر اللامبالاة القاسية والمصلحة الذاتية الشريرة ضمن المجتمع الاستهلاكي. ويناقش الفصل الخامس بعنوان: الأحلام الأمريكية في الصين، وكيفية وجود تضارب بين القيم الشخصية والتجارية بشأن نجاح الصين.

ويركز الفصل السادس بعنوان: بين الواقع واليوتوبيا: أدب الطبقة الدنيا الصينية منذ التسعينات، كيفية تعامل العديد من الروايات مع المحفّزات التي تدفع الناس من القرى إلى المدن، وكيف تصور الواقع الذي يواجهه المهاجرون. أصبحت الهجرة مشكلة كبيرة في فترة التحرر الاقتصادي، وهي مظهر مادي للغاية للتناقضات بين الحياة الواقعية والقيم الاجتماعية.

ترجمة : نضال إبراهيم

عن الكتاب

ديفيد مارجوليس وتشينغ كاو
* ديفيد مارغوليس أستاذ فخري للغة الإنجليزية في غولدسميث (جامعة لندن)، وهو مؤلف لعدد من الكتب.
* ‏* تشينغ كاو أستاذ مشارك في كلية اللغات والثقافات الحديثة بجامعة دورهام، وهو مؤلف كتاب: الصين تحت النظرة الغربية، ومؤلف مشارك في: الخطاب والسياسة والإعلام في الصين المعاصرة والصين التجارية في وسائل الإعلام.

اترك تعليقا