المعهد العراقي للحوار
مؤسسة فكرية بحثية، تعنى بالدراسات والتخطيط الستراتيجي، تأسست بعد التغيير في عام 2003، لتقوم بمهمة صناعة القرارات وتحضير الخيارات وبدائلها من خلال الرصد المكثف للأحداث وتطوراتها وعرضها على المختصين ومناقشتها من خلال ندوات و ورش عمل وطاولات بحث مستمرة

بناء السلام والعدالة الانتقالية

المؤلفان جانين ناتاليا كلارك ومايكل أنغار
‏* جانين ناتاليا كلارك أستاذة الجندر والعدالة الانتقالية والقانون الجنائي الدولي بجامعة برمنجهام.
‏** مايكل أنغار معالج نفسي عائلي وأستاذ العمل الاجتماعي في جامعة دلهاوزي الكندية

بعد أن تضع الحرب أوزارها، ليس أمام المجتمعات سوى لملمة جراحها، والبحث عن سبل؛ لتعويض الخسائر الفادحة التي مُنيت بها. لا يمكن تحقيق أي شي في هذا الصدد إذا لم يتمتع المجتمع بأنظمة مرنة تساعده على التحرك في خطوط متعددة تمهد لبناء سلام حقيقي على أرض الواقع، ويضمن العدالة للجميع. هذا ما يناقشه كتاب «بناء السلام والعدالة الانتقالية» من خلال تجارب ثماني مناطق في العالم شهدت صراعات دموية.

بناء السلام والعدالة الانتقالية

يشير هذا الكتاب إلى أن الصمود أو التمتع بالمرونة الكافية وبناء السلام وتأسيس عمليات العدالة الانتقالية لإعادة الإعمار بعد الحرب والبدء بالمصالحة تدور جزئياً حول تعزيز الاستقرار والقدرة على التكيف عبر النظم الاجتماعية المختلفة، ومع ذلك، نادراً ما تمت مناقشة هذه العمليات صراحةً في إطار المرونة لاستيعاب المستجدات.

يقول المؤلفان إنه «على الرغم من أن أهداف العدالة الانتقالية التي تتجسّد في (إعادة) إرساء سيادة القانون، وتحقيق العدالة، والمساعدة في المصالحة، تشمل ضمنياً عنصر المرونة، لكنه لم يُنظَر صراحةً إليها كعملية لبناء المرونة في المجتمعات التي عانت العنف وانتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع».
تستكشف الفصول في هذا العمل من الناحية النظرية والتجريبية مفهوم المرونة في المجتمعات المتنوعة التي تعرضت للعنف الجماعي وانتهاكات حقوق الإنسان، وكيفية صمودها بعد الحروب والصراعات. يحلل الكتاب مدى مساهمة عمليات العدالة الانتقالية في تأسيس نوع من المرونة التي تمهد الأرضية لتعزيز بناء السلام.
يسعى الكتاب إلى إثبات أن التفكير في المرونة كمفهوم متعدد الأنظمة، يفتح مساحة لتطوير طرق جديدة للتنظير وتفعيل العدالة الانتقالية التي تكون أكثر استجابة للإيكولوجيات الاجتماعية الأوسع التي تربط الأفراد والمجتمعات ببيئاتهم.

تجاوز صدمات العنف
يهدي المؤلفان هذا العمل الصادر عن مطبعة جامعة كامبريدج في سبتمبر/أيلول 2021 إلى «جميع ضحايا جائحة كورونا العالمية»، ويقولان: «تغير العالم بشكل جذري في السنتين الأخيرتين. أثرت الصدمات والضغوط الناجمة عن جائحة كورونا في جميع جوانب الحياة وقلبت بقوة (الحياة الطبيعية) التي كانت موجودة في السابق. تعاني اليوم جميع الأسر إحساساً مستمراً تسوده الخسارة بسبب الوفيات المأساوية والتهديد بفقدان الأحبة، فضلاً عن فقدان التواصل مع أفراد الأسرة والاقتصار على مواقع الشبكات الاجتماعية، كما لا ننسى فقدان الوظائف والأمن المالي وسبل العيش، والتهديد بفقدان الآمال والأحلام في المستقبل؛ وفقدان الإحساس بالحياة الطبيعية حول حياتنا وعلاقاتنا بالعالم من حولنا. نظراً للتحديات الهائلة التي فرضها هذا الفيروس التاجي مع تأثيراته المتعددة، فقد عاينه بعض العلماء أيضاً من خلال عدسة المرونة، ووجدوا أن الانتشار السريع لكورونا يخلق فرصة فريدة لتقييم المرونة المجتمعية في مواجهة المحن العالمية.
يضيف المؤلفان: من اللافت للنظر أن روح الصمود أو المرونة لم تحظ سوى باهتمام محدود في سياق المجتمعات التي عانت الصراع والعنف، وقد تم إعطاء مفاهيم مثل المصالحة وإعادة الإعمار أهمية أكبر بكثير. ومع ذلك، ناقش بعض العلماء مرونة مجموعات معينة في حالات الحرب. شدد آخرون على مرونة مجموعات سكانية بأكملها تتعامل مع العديد من الضغوطات المرتبطة بالنزاع والعنف.

يتطرق المؤلفان إلى نماذج مثل عنف التنظيم الإرهابي «داعش» ضد الأقلية الإيزيدية في جبل سنجار بإقليم كردستان العراق، ويؤكدان أن عودة السكان إلى بيوتهم التقليدية، وإعادة بناء مواقعهم التراثية، أظهر أن الشعب الإيزيدي يمتلك روحاً مقاومة واضحة ومرونة كبيرة، والشيء ذاته ينطبق على الحرب السورية التي بدأت في عام 2011، وخاصة على مدينة حمص التي كانت تحت الحصار لمدة ثلاث سنوات من عام 2012، فعلى الرغم من الدمار الشامل والتهجير الهائل، فإن المواطنين في مناطق النزاع أظهروا مستويات غير عادية من المرونة والصمود في وجه الظروف الحاصلة لهم، وأنشأوا آليات واستراتيجيات لمواصلة حياتهم اليومية.
ويشيران إلى نماذج أخرى مثل حالة امرأتين باكستانيتين تعرضتا للاغتصاب، وهما: راحيلا وفينا اللتان وجدتا مصادر متعددة في بيئتهما المجتمعية المباشرة ساعدتهما على تمكين نفسيهما، والانخراط مع العائلات والأصدقاء، وإيجاد العزاء عبر الدين والسياسة، واتباع مسار عمل فردي هادف؛ للتغلب على الوحشية التي لا توصف. يقول المؤلفان: «النقطة الحاسمة هي أنه في المجتمعات التي تتغلب على صدمات وضغوط العنف، يمكن لخطاب المرونة المرتكز على الفرد أن ينحرف عن الأهمية الحيوية لبناء وتعزيز الأنظمة التي تحتاج إلى العمل على النحو الأمثل حتى يتمكن الناس من تجربة النمو النفسي والاجتماعي في ظل الشدائد. على عكس الانتقادات النيوليبرالية، فإن المرونة لا تتعلق بتشجيع الناس على الاستجابة بشكل فردي لحالات عدم الاستقرار والشكوك الجماعية؛ بل بالأحرى، حول تطوير وتعزيز عوامل الحماية الحيوية والموارد داخل الإيكولوجيا الاجتماعية للأفراد.
محاربة الانقسامات
يستكشف الكتاب مفهوم المرونة عبر مجموعة من المجتمعات المختلفة التي عانت – وفي بعض الحالات لا تزال تعاني – عنفاً جماعياً مرتبطاً بالحرب والصراع (والعنف الهيكلي المرتبط به). تضم فصول الكتاب مناقشة ثماني حالات؛ هي: البوسنة والهرسك، رواندا، أوغندا، بنجلاديش، كمبوديا، كولومبيا، جواتيمالا، وفلسطين. يقدم الكاتب تحليلات مفاهيمية وتجريبية غنية عن المرونة، وكيف تبدو وكيف يتم التعبير عنها. يمكن تعريف المرونة الآن على أنها: قدرة كل من الأفراد وبيئاتهم على التفاعل بطرق تعمل على تحسين العمليات التنموية، أو أن «المرونة البشرية تُفهم بشكل أفضل على أنها العلاقات المتبادلة بين الأفراد ومجتمعهم وبيئتهم ومؤسساتهم الاجتماعية» أو أن «المرونة هي كل شيء عن العلاقات».
يقول المؤلفان: «حتى في المجتمعات التي تمر بتحولات اجتماعية هائلة، كما حدث للمجتمعات التي تعتمد على الصناعات الاستخراجية، فإن الاستدامة هي انعكاس لقدرة كل مجتمع على توقع التغيير وبناء الاستجابات المؤسسية التي تسهل التكيف الفردي وسط تغيرات في الأوضاع الاقتصادية المرتبطة بإسعاد المستخرجات. مثل هذه الدراسات تقود قدراً أكبر من التخصصات المتعددة في مجال المرونة، وتوفر أدلة على الأسئلة التالية: (1) كيف يمكن لمرونة نظام واحد في مقياس واحد (على سبيل المثال: بيولوجي، ونفسي، واجتماعي، وسياسي، واقتصادي، وبيئي) أن يؤثر في مرونة النظم الأخرى؟ (2) هل توجد أوجه تشابه واختلاف في العمليات والآليات والأنماط المرتبطة بالمرونة عبر الأنظمة وعلى مستويات مختلفة؟ (3) كيف يمكن لفهم متعدد الأنظمة للمرونة أن يوجه التغييرات في السياسات والممارسات التي من شأنها تحسين رفاهية البشر والمجتمعات والنظم البيئية؟
يرى المؤلفان أن عمليات العدالة الانتقالية يمكن أن تقوض القدرة على التمتع بالمرونة والصمود عندما تستقطب المجتمعات وتسهم في ترسيخ الانقسامات العرقية والاجتماعية؛ وذلك لأن لجان تقصي الحقائق والمحاكم الجنائية تعاين التاريخ المثير للانقسام والعنف للغاية، فقد كان يُنظر إليها في الأغلب على أنها عقبات أمام المصالحة واتُهمت ب«فتح الجروح القديمة»، وتوليد عدم الاستقرار السياسي والتدخل في التغيير السياسي التطلعي. علاوة على ذلك، لم تولِ عمليات العدالة الانتقالية تقليدياً سوى القليل من الاهتمام للمظالم الاجتماعية والاقتصادية والهيكلية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالاستعمار.
المصالحات وإعادة البناء

ينقسم الكتاب إلى قسمين. يضع الجزء الأول، المفاهيم والعلاقات، الأسس المفاهيمية، ويحدد نهج الكتاب في المرونة ويناقش الروابط بين المجالات الأساسية الثلاثة للمرونة والعدالة الانتقالية وبناء السلام التكيفي. يستكشف الفصل الذي كتبه مايكل أنغار على نطاق واسع مفهوم المرونة المتعدد وارتباطه بمجال العدالة الانتقالية. يقول فيه: يُفهم مفهوم المرونة بشكل أفضل على أنه عملية يتفاعل من خلالها رأس المال الفردي ورأس المال الاجتماعي بطرق تخلق أفضل النتائج في البيئات المجهدة. كعملية، يوضح أنغار أن المرونة يمكن أن تبدو مختلفة جداً في سياقات متنوعة، مع أي نظام واحد (بما في ذلك الأنظمة التي تعزز العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وإنفاذ القوانين) يظهر أنماطاً من المثابرة أو المقاومة أو التعافي أو التكيف أو التحول اعتماداً على الموارد التي يوفرها كل نظام لدعم التغيير».
يستكشف الفصل هذه العمليات وكيف تؤثر في الأنظمة في الوقت نفسه على مستويات متعددة. يمكن أن يساعد هذا الفهم في شرح كيفية استجابة الأنظمة المتأثرة بالعدالة الانتقالية (القضائية وغير القضائية) للضغوط، ما يؤدي بدوره إلى تشكيل الاستجابات الفردية والمجتمعية والمؤسسية. يستخدم الكاتب أمثلة لإظهار كيف تتغير المرونة اعتماداً على تعرض السكان لأشكال متطرفة من الأحداث التي يحتمل أن تكون مؤلمة، مثل الحرب والهجرة القسرية والإبادة الجماعية والاضطراب الاقتصادي المزمن. من خلال القيام بذلك، يضع الكاتب القدرة على التمتع بالمرونة كمفهوم يمكن دمجه في مجال العدالة الانتقالية.
ويتطرق الفصل الذي يليه إلى مناقشة كيف أن عمليات العدالة الانتقالية الرئيسية – أي المحاكمات الجنائية ولجان تقصي الحقائق ودفع التعويضات – تساعد في مرونة المجتمع وصموده، وتدعم الهياكل الاجتماعية المرنة التي بدورها يمكن أن تحسن القدرات الفردية للتعامل مع آثار الصدمات الاجتماعية والعنف. يناقش الفصل أيضاً كيف أن بناء مجتمعات مرنة وصامدة هو نتيجة منطقية لعدالة وتشاركية أكثر شمولاً إلى جانب التعافي والمصالحة.
يبحث الجزء الثاني من الكتاب في المرونة والعدالة الانتقالية وبناء السلام من خلال عدسة ثماني دراسات قطرية مختلفة ذكرناها أعلاه. تتناول جميع الفصول الأسئلة الأربعة التالية: أولاً: كيف تبدو المرونة في المجتمعات التي شهدت فظائع جماعية وعنفاً جماعياً؟ ثانياً: ما العوامل والعمليات متعددة النظم التي ساعدت الأفراد والمجتمعات على إعادة البناء والتكيف بشكل إيجابي مع الصدمات والضغوط؟ ثالثاً: ما الدور – إن وجد – الذي لعبته عمليات العدالة الانتقالية المختلفة – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تعزيز المرونة في هذه المجتمعات؟ رابعاً: كيف يمكن للعدالة الانتقالية أن تساعد في بناء السلام التكيفي؟ يركز الفصل الذي كتبته جانين ناتاليا على البوسنة والهرسك، وبشكل أكثر تحديداً على قرية مختلطة عرقياً. ففي 16 إبريل/ نيسان 1993 حدثت مذبحة في هذه القرية خلال ذروة حرب البوسنة، أسفرت عن مقتل 116 بوسنياً. بالاعتماد على العمل الميداني الذي تم إجراؤه في يوليو/ تموز 2019، تستكشف كيف يُظهر الأفراد في القرية مرونتهم اليومية بشكل متكرر، على الرغم من تعرضهم لخسائر فادحة. ومع ذلك، فهي تؤكد أن القرية لا يمكن وصفها بدقة على أنها مجتمع مرن – مجموع أجزائها – لأنها لم تتعامل مع ما حدث في عام 1993 كمجتمع. أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن العديد من العوامل النظامية، بما في ذلك استمرار الانقسامات العرقية في البوسنة والهرسك والمطالب ذات الصلة ب«التماسك المتشابك» لم تسمح للمجتمع بأن يجتمع بشكل موحد ويعيد بناء الروابط الاجتماعية. ومن خلال استكشاف عمل المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، تظهر الكاتبة أن محاكماتها قد زادت من ترسيخ الانقسامات العرقية؛ وبهذه الطريقة، تم تقويض وظيفة كل من المجتمع وأنظمة العدالة كمصادر محتملة للمرونة. في نهاية الفصل، تدعو إلى إعادة تأطير اجتماعي للعدالة الانتقالية التي تولي اهتماماً أكبر للأنظمة المعقدة التي تشكل بالضرورة ما يمكن أن تحققه عمليات العدالة الانتقالية على أرض الواقع؛ وفي هذا الصدد، تستكشف العلاقة الحاسمة بين العدالة الانتقالية وبناء السلام التكيفي.
وفي فصل آخر يليه أعدته جيني إي بورنت عن دراسة الحالة الإفريقية، ركزت فيه على الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 وما تلاها. تؤكد بورنت بقوة، التوترات بين النماذج المرنة للتعافي وبناء السلام التكيفي والعدالة الانتقالية. فمن ناحية، تكيف الروانديون العاديون وقادة المجتمع المدني مع الصدمات الناجمة عن الإبادة الجماعية في رواندا من خلال الاعتماد على الموارد الثقافية، بما في ذلك المعتقدات الدينية والعادات الاجتماعية. تعلق على ذلك بقولها: «يتكيف الناس مع الظروف الجديدة بدافع الضرورة وليس من خلال التدخل الرسمي للدولة أو المنظمات غير الحكومية».
يشير المؤلفان هنا إلى أنه «من ناحية أخرى، قوضت بعض جهود بناء السلام والمصالحة الوطنية في رواندا جهود بناء السلام التكيفي على المستوى الشعبي وعملت ضدها. وبهذه الطريقة، فإن العمليات السياسية التي خلقت مظهر الاستقرار والمرونة قد زرعت في الواقع بذور عدم الاستقرار في المستقبل والانقسامات الجديدة.
هذه العوامل السياسية نفسها تغلغلت أيضاً في عمل العدالة الانتقالية في رواندا، بما في ذلك محاكم جاكاكا. إذا عملت هذه المحاكم، على المدى الطويل، على زيادة الاستقرار في نهاية المطاف (وبالتالي المرونة)، فقد فعلت ذلك من خلال تعزيز وتقوية الهيمنة السياسية للجبهة الوطنية الرواندية».
اطبع المقال

ترجمة : #نضال_إبراهيم

اترك تعليقا