نحو نظرة قرآنية متكاملة لقضايا السياسة والمجتمع
المصطلحات السياسية والاجتماعية في القران الكريم
1 – الامة
المقدمة :
كلمات القران الكريم ليست كالكلمات المتداولة في سواه من الكتب والاحاديث ففي القران يكون لكل كلمة موضعها الذي لا تتخلف عنه , وجرسها الذي يستدعي ظلالها وايحاءاتها ليرسم جوها الخاص , وزنتها التي تجعلها راجحة على الدوام في ميزان العقل والمنطق والشعور والاخلاق .
فهي وان شابهت كلمات الاخرين في حروفها , الا ان نظمها وجريانها في سياق الأيات الكريمة يحيلها كائنا اخرا فريدا في سماته , متسعا في شبكة علاقاته مع غيره من كلمات السياق , تلك العلاقات المنظورة التي سبق للمفسرين معرفتها والقول فيها , وغير المنظورة التي سيكشف عنها الزمن ويفسرها , انها و باختصار شديد كلمات الله .
ومن تلك الكلمات التي وردت في القران الكريم وتكررت فيه , وحتى ليمكن اطلاق صفة المصطلح عليها كلمتا ( الامة ) و ( القرية ) .
وهذا البحث سوف يتجه الى تجلية معاني مصطلح ( الامة ) وما يرتبط به من مواضيع وقضايا , وصولا الى رسم ملامح الاساس لنظرية القران الكريم الاجتماعية , وبلوغا الى تاشير الخطوط العامة لتلك النظرية وكانت عدتي لتحقيق ذلك الهدف :
1 – جمع الايات بحسب دلالاتها .
2 – تصنيف تلك الايات بحسب دلالاتها .
3 - استخلاص نظرة كلية من ذلك التصنيف , و محاولة اكتشاف الرباط الجامع بين فئاتها
4 – الافادة من معطيات الدراسات الاجتماعية في النظر الى تلك الايات الكريمات .
5 – الانتقال الى تفريعات مرتبطة بالمصطلح الاساس موضوع البحث مثل الاختلاف بين الامم وكيفية طرح القران , وهلاك القرى .
6 – الرجوع الى بعض المعاجم اللغوية المختصة بالمعاني كمعجم مفردات غريب القران للراغب , ولسان العرب لابن منظور , ولتحديد معنى المصطلح ودلالاته .
7 – مراجعة قسم من التفاسير الموسعة كتفسير الميزان , والموجزة كتفسير شبر , والافادة من ذلك في استكمال الصورة المستفادة من معاجم اللغة المذكورة انفا .
8 – الخروج من ذلك كله بنتائج منطقية مرتبة تقارب واقع الحال , او تمثله .
وقد سبق مني القول والمحاضرة في بعض افكار هذا المبحث ونتائجه ضمن لقاءات اذاعية حول التفسير الموضوعي للقران الكريم .
و رأيت ان تخرج تلك المقولات في كتاب مستقل لاهمية ذلك المبحث تاريخا واجتماعيا .
وكان لانشغالي كبير الاثر لتراخي مدة البحث وطولها , اذ بلغت تلك المدة سنوات وصلت بين نهايتيه المتباعدتين .
واملي ان يكون هذا المسعى خطوة في هذا الطريق , عسى ان تعقبها خطوات تكمل تلك البداية او تحفز الاخرين للأضافة المؤمنة الجادة , وما توفيقي الا بالله .
التمهيد :
تكرر مصطلح ( الامة ) في القران الكريم نيفا وخمسين مرة , بأستخدامات متعددة . كما وردت في القران الكريم مصطلحات اخرى تشير الى " المجتمع " منها :
النايس , القوم , العشيرة , القبائل , الشعوب , البلد , القرية , الانسان " البشرية " , القرون ..... وهي تدل على مجموعة من الافراد بشكل عام.
ويلاحظ ان هناك مفردات تشير الى مجموعة من الافراد ولكن ضمن منظور عقائدي , او موقف سياسي , او صفة اخلاقية، او اعتبار اقتصادي، كأمثال: الذين امنو، المؤمنون، الذين كفرو، الكافرون، المنافقون، المسرفون، الكاذبون , الذين استضعفو، الملأ، السابقون، أصحاب اليمين، أصحاب الشمال ....
والتقسيمات التي تستند الى المقايس العقائدية والسياسية والاقتصادية لا ترتبط بموضوع بحثنا بشكل جوهري , اذ ان البحث هو في الاطار العام للنظرية الاجتماعية في القرأن الكريم , الا انني قد اعرض لتلك المفردات عند الحديث عن الابحاث الثانوية المتفرعة من المصطلحات الاساس "موضوع البحث" .
ويتبين لنا من خلال مرجعة تلك المفردات "الناس" "القبائل" "القوم" ... ان اكثرها اهمية هي الأمة و القرية , اما المصطلحات الاخر فانها لا ترقى الى مصطلحي "الأمة " "القرية " من حيث دلالتها و طريقة تناول القران اياها .
و لأهمية مصطلح الامة ولخصوصية طرح القران لهذا المصطلح فسوف نبدأ ببحثه .
وقبل ذلك سوف نستعرض بأيجاز بعض معطيات الابحاث في المجتمع حديثا .
حقيقة المجتمع نظرياً:
ان الابحاث بخصوص المجتمع لم تنته الى قول حاسم , ولا تزال موضع اخذ ورد , فهناك نظريات مختلفة في الاوساط الحوزوية العلمية وخارجها , ومدارس متعددة .
فمن ذلك ما نجده واضحاً في كتاب الشيخ مطهري " المجتمع والتاريخ " وفي كتاب الشيخ مصباح "المجتمع في القرآن الكريم " وفي غيرهما من الكتب ، حيث تدور الأحداث حول معرفة حقيقة المجتمع وصفاته الذاتية . والعرضية ، وحول نوع التركيب الاجتماعي ، وهل وجود المجتمع حقيقي أو اعتباري ؟ و وحول النظريات المطروحة في تكون المجتمع .
وتأتي اهمية هذه الابحاث الفلسـفية والتاريخية من أنها تشكل الاساس النظري لفهم الظاهرة الاجتماعية ، ومن وصفها في سياق قوانينها الملازمة لها ، ثم من تفسير لنتائج والظواهر والتوقعات المرتبطة بها
ولتوضيح أهمية تلك الابحاث وقيمتها العلمية وآثارها النظرية ، نضرب مثلا. في بحث حقيقة المجتمع ، هل هو حقيقي واصيل او اعتباري وغير اصيل؟ فإذا اعتبرنا اصالة المجتمع كما يقول صاحب تفسير الميزان ، فسيكون له شيء من الوجود الحقيقي الذي تنطبق عليه احكام الوجود ، ومنها الحركة الجوهرية اذا قلنا بها ، وبذلك يكون المجتمع في صيرورة تكاملية ، وفي حركة تصاعدية نحو الافضل في محصلته العامة .
الفصل الأول: الأمة
سوف نركز في بحثنا على مصطلح الامة في بعده الاجتماعي فقد ورد في القرآن الكريم تارة بمعنى فترة ومدة وزمن { واذكر بعد أمة } ، يوسف / ٤٥ وورد بمعنى طريقة ومنهج تارة اخرى { إنا وجدنا آباءنا على أمة } الزخرف / 22.
وعندما نريد ان نحلل هذا المصطلح " الامة يستحسن ان نرجع الى معجم مفردات غريب القرآن للراغب ـ كمعجم لغوي مختص- لنجد فيه ما يعيننا في بحثنا اللغوي ، لتنتقل منه الى بحث مضامين . المصطلح قرآنيا ، وقد يتفق البحثان اللغوي والاصطلاحي القرآني ، وقد يختلفان ، كما سيتبين في نهاية البحث .
فالراغب الاصفهاني يعرف " الامة " التي تكررت في القرآن اكثر من خمسين مرة بأنها
(كل جماعة يجمعهم امر او دين واحد أو زمان واحد او مكان واحد سواء أكان ذلك الامر الجامع تسخيرا ام اختيارا ، وجمعها أمم) انتهى.
ونجد في هذا التعريف ان تعريف الامة يشمل امورا هي :
الجماعة التي تشترك في دين أو مكان أو زمان , وهذا الاشتراك قد يكون بالاختيار كما هو الحال في الدين او بالمهمة أو الطريقة كما هو الحال في الاحزاب والجمعيات والتيارات او يكون الاجتماع غير اختياري في الزمان أو المكان او الدم أو اللغة كما هو الحال في الشعوب والقوميات .
ويتفق علم الاجتماع في تعريفه للامة مع تعريف الراغب في عمومه واصوله بوجود امور جامعة مشتركة بين هذه الجماعة من الأفراد ، الا ان علم الاجتماع يختلف عن ذلك في تساؤله عن الامر الاكثر اهمية وفاعلية في لم هذه الجماعة وشدها ليشكل منهم وجود مترابطا ، هل هو الدين أو اللغة أو الدم او التاريخ المشترك أو المصالح المشتركة ؟
وقد يكون لكل امة "أمر" جامع كان سببا خاصاً في اجتماعها وتوحدها ، مشكلاً منهما نسيجا خاصاً ووجوداً متماسكا يختلف عن غيره من التجمعات .
والمهم في بحثنا ان نعرف الى أي امر جامع يشير القرآن الكريم ؟ وهل يجعل الزمان او المكان الواحد هو ركن تكون الامة وشرطها؟ أو انه يلحظ في طرحه مصطلح الامة الدين الطريقة أو الهدف كأمر جامع يميزها عن بقية الامم ويكون الزمان والمكان والعنصر وجود ثانويا باعتباره محل هذا التجمع .
نلاحظ ان القرآن الكريم يرفض المكان والزمان كعنصر محدد للامة ، كما في قوله تعالى ( ان هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون ) الانبياء / ٩٢ ، وسوف يتضـح هـذا المعنى اكثر خلال البحث .
والبعد الاخر في هذه الجماعة المتفقة والمجتمعة على أمر واحد ، انها بس بب هذا الامر الجامع بينها والذي كان سبباً للاجتماع وللترابط بين افراد الامة الواحدة ، هذا الترابط الذي يجعل هذه المجموعة ليست مجموعة افراد فحسب ( يعني ليست هي زيد + عمر + اسامة ) ، أي ليست جمعا عدديا فقط ، أنها بسبب هذا الامر الجامع بينها ظهر أمر أخر غير هذه الاضافة البسيطة التي بين الاعداد او الوجودات المحددة ، ذلك الامر هو التجمع الذي يتشكل منه وجود له اعتبار آخر يجعل منه وجودا اجتماعيا له كيانه وطبيعته الخاصة , وله سماته وله شخصيته الخاصة التي تحدد سلوكه وعاداته وردود افعاله وطريقة تعامله فهو منظومة ثقافية ، ومنظومة سلوكية تميزه عن غيره ، بحيث لو اخذنا أي فرد من هذه الامة او الجماعة المجتمعة على هذا الامر الجامع , بصورة عشوائية فاننا سوف نلتمس بوضوح هوية ولون هذه المنظومة الفكرية والثقافية والاخلاقية للامة في هؤلاء الافراد فردا فردا , وان تفاوت في الشدة بحسب اختلاف الافراد في اشتدادهم وتفاعلهم مع هذا الامر الجامع .
فيمكننا اذن ان نجد هوية الامة وشخصيتها في هوية هذا الفرد او ذاك من هذه الامة ونتلمس ملامح "الامر الجامع" في سلوك الافراد وفكرهم وثقافتهم واهدافهم بل حتى في سماتهم الاجتماعية .
فالامر الجامع الذي يجمع الافراد ضمن كيان الامة يمكن تحديده ضمن النظام السياسي والقيم الاجتماعية السائدة ، وبالتعبير الاشمل, الدين والمثل الاعلى للامة الذي يتضامن كسل هذه المعاني .
وهذا "الامر الجامع " على حد تعبير الراغـب يوحد الافراد ويحولهم الى وجود أخر هو الامة ويلون هذه الامة ويحيلها نسيجا خاصا , ويميزها عن باقي الامم التي قد تشترك معها في الزمان والمكان ، وقد تشترك معها احيانا تجمع سكانى واحد .
فليس العنصر المهم في هذا "الامر الجامع" الظرف الزماني والمكاني ، بقدر ما هو الهدف والغاية ، والمثل الاعلى الذي يميز افراد هذه الامة عن تلك الامة .
كذلك ترى ان "الامر الجامع" يصبغ كل فرد في هذه الامة بلونه وصبغته وحقيقته , فيكون كل فرد فيها معبرا بشكل أو باخر بلونه هذا "الامر الجامع" . . .
والسؤال الذي يختلف في الاجابة عنه العلماء : هل صهر الافراد في هذا الوجود الاجتماعى الذي يتكون منهم بحيث يكون الناتج مركبا جديدا يختلف في خصائصه عن خصائص عناصره المكونة منه في سماته وطبيعته وحقيقته عن طبيعة وصفات افراد الذين تركب منهم ؟ .
كما هو الحال في المركب الحقيقي كالماء الذي يختلف في صفاته عن صفات عنصريه الاوكسجين والهيدروجين.
أو ان الامة ليست الا خليطا لهذا الجمع من الافراد بصفاتهم وخصوصياتهم الفكرية والنفسية والسلوكية ، والناتج من هذا المجموع خليط من مجموع هذه الصفات والسمات الثقافية والسلوكية للمجموع ، فلاوجود حقيقيا للامة وللمجتمع خارج عن وجود الافراد وصفاتهم وخصوصياتهم ، فالامة والمجتمع كالخليط من التراب والماء ، الذي يمكن ان نجد فيه صفة التراب وصفة الماء ، ويمكن عزلهما وليس الحال كالمركب الذي تنصهر عناصره وتندمج لتشكل مركباً آخر مختلفا عن مكوناته .
يختلف العلماء المسلمون المعاصرون اجابتهم عن هذا الشان ، فترى بعضهم يميل الى ان الامة او المجتمـع مركب حقيقي كصاحب تفسير الميزان ، ويرى آخرون العكس كالشيخ مصباح ، اما الشهيد الصدر فله راي وسط في الموضوع ويمكن ملاحظة ذلك في تفسيره الموضوعي.
والمهم في بحثنا أن نتلمس التصور القرآني وما يحدده من أوصاف او شروط او اركان لهذا المصطلح او لهذا الوجود ( الامة ) ان نتبين مراحل هذا الوجود والاوضاع التي يمكن ان يمر عليها او يتلبس بها .
قد نستنتج من مجموع الآيات وما تكشف عنه ما يقربنا من هذا الرأي أو ذاك من اراء العلماء ، لكننا حريصون على فهم الرسم القرآني لهذا المصطلح والحدود التي يحدده بها ، كهدف رئيس للبحث ، من اجل ان نرسم ونحدد اهم ملامح النظرية الاجتماعية في القرآن الكريم ومعالمها ، ومنها نصل الى الاجابة عن السؤال : هل أن المصطلح القراني ( الامة ) مرادف لمصطلح المجتمع بالتعبير العلمي الاجتماعي؟ او ان هناك فروقا بينهما ؟
في القرآن تعبيرات متعددة لمجموع الافراد ، وللافراد الذين بينهم امر مشترك ويشكلون وجودا اجتماعياً مشتركا ، ويطلق عليهم عنوانا واحدا كما هو الحال في الشعوب والقبائل والناس والقوم والقرية ، كما اشرنا في أول البحت .
فما هو الفرق بين الامة وبين القرية ، وبين الامة وبين القوم ، أو بين الامة وبين الشعوب من وجهة نظر قرآنية بحتة ؟ من اجل فهم المصطلحات الاجتماعية القرآنية يشكل محدد ودقيق ، لكي تتبلور النظرية القرآنية للمجتمع ، ويتضح الفهم الصحيح لمدلول القرآن في هذه المجالات .
ولكي تتضح الصورة لمعالم الامة ونميزها عن باقي المصطلحات الاجتماعية في القران الكريم سوف نستعرض استعمالات القرآن لهذا المصطلح ، وما يمكن استنتاجه منها في مواردها المختلفة .
ومنهجنا هو تحديد طريقة تناول القرآن لهذه المفردة اللغوية "الامة" ، وطريقة استعماله المضمون الخاص اياها ، ومن مجموع هذه الاستعمالات نفهم المضمون الخاص الذي يضعه القرآن لهذا .
أركان وخصائص عن مصطلح الامة في القرآن:
وفي بحثنا مصطلح الامة نجد ان هناك تأكيدات قرآنية على جملة امور وخصائص تلازم الامة ، وهذا التأكيد القرآني يرد تارة بكلمة " كلما " ، ويرد تارة اخرى بكلمــة " لكـل " وبذلك يثبت القرآن الاطراد في هذه الخصائص للامة ، ومن مجموع هذه الخصائص المطردة نستنتج حقيقة هذا المصطلح ومفهومه بحدوده القرآنية .
وسوف نستعرض هذه الاطرادات والتلازمات التي يذكرها القرآن الكريم في معرض ذكره للأمة .
لكل امة رسول ومنذر :
{ وإن من امة الا خلا فيها نذير } فاطر ٢٤ .
(ولقد بعثنا في كل امة رسولاً ان اعبدوا الله )النحل / ٦ ٣ .
(ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ) يونس / ٤٧ .
من هذه الآيات المباركات وغيرها من الآيات الخاصة بهذا الموضوع والمشيرة الى بعث الانبياء الى الامم والى القرى وخاصة القرى الرئيسة التي تعد مركزا للحضارة او العاصمة المركزية لمجموع القرى ، والتي يسميها "بالأم" ، وكأن القرى الاخريات نبات متفرعات ومرتبطات بالانتساب والاحترام للقرية الكبيرة القديمة ( الام ) :
(وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعـث فـي امها رسولاً ) القصص /59 .
( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) الفرقان/51 .
من النظر في تلك الآيات الكريمات تظهر لنا حقيقة مهمة هي ان بعث الانبياء يكـون الــى الامة وليس الى الافراد ولا الى مجاميع من الافراد ، البعثة الى الناس عموما وليس الى تجمعات سكانية متفرقة لا رابط بينهما السكن او المكان او مصالح محدودة يتفرقون عند انتهاءها , كالبدو .
ان الاطراد والتأكيد القرآني الواضح يشير الى ان الرحمة الالهية ببعث الأنبياء والرسل كان للامم ( لو لقد بعثنا في كل امة رسولا) النحل / ٦ ٢ ،
أي الى المجموعة السكانية التي لها رابط ومثل اعلى يجمعها ، وبه تتشكل هويتها وثقافتها وحياتها ، ولم يشر القرآن الكريم الى ان بعث الانبياء والرسل كان للافراد كافراد وشخصيات متفرقة . . وانما للافراد بصفتهم الاجتماعية وضمن جماعة وامة ، وبتبع انتمائهم الاجتماعى و وجهودهم الحضاري شملهم لطف الله ورحمته ببعث الانبياء .
واذا صح هذا الافتراض فانه يفتح فهماً أخر ومنظورا جديدا ، ويؤسس تصورا يمكن ان يفيد في الاجابة عن كثير من القضايا والتساؤلات ، وفهم قضايا رئيسة فى المعرفة الدينية والفقهية .
وكمثال على ذلك بحــث الحجة والبيان ووصول التكليف ، وقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وهل المنظور فيها وصول التكليف والحجة والبيان الى كل فرد فرد ؟ أو ان المقصود هو وصول الحجة والبيان للامة المشخصة بالخطاب الالهي وببعث الرسول اليها وليس لكل فرد فيها ، وهل الفرد مشمول بالخطاب وصل اليه التكليف شخصيا ام لم يصله ؟
وفهم هذه المسألة أي بعث الرسل للأمم وليس للأفراد ، يؤذن ببحث فلسفي وعلمي أن المجتمع هل هو وجود حقيقي له احكام الوجود ، ومشمول بالحركة الجوهرية التكاملية التصاعدية ، لان المجتمع لو لم يكن كذلك لم يختص ببعث الانبياء ومخاطبته وشموله بالرحمة الالهية ، كل ذلك باعتبار ان الامة وجود حقيقي قابل للخطاب والتكليف والحساب ، والنمو والموت وما شابه ، صحيح انها تتكون الذين يوجه لهم من مجموع الافراد الخطاب باعتبار حياتهم وتعقلهم ونموهم وحشرهم وحسابهم ، فهي احكام مشتركة بين الافراد والامة ولما كان الاساس في وجود الامة هم الافراد بما يمتلكون من هذه الصفات فلا داعي لتحويلها الى الامة اذ ليست غير مجموع الافراد بما يمتلكون من هذه الصفات .
ولعل الجواب الذي يرد هذه المقولة القرآن الكريم هو ان القران الكريم اكد على ان البعث "للامة " بما هي امة ، وان هناك تلازما بين وجود الامة كأمة وبين شمولهم بالرحمة الالهية ببعث الانبياء .
وهذا التلازم ما هو الا اشارة الى الوجود الحقيقي للامــة ، ولحاجتها الى الرسل والمنذرين ( وان من امة الا خلا فيها نذير ) فاطر /24.
وان مهمة الدين والرسالة ليس صلاح الافراد كافراد بقدر ما هي صلاح الجماعة والمجتمع ، وما يستلزمه من انظمة وبرامج وقوانين ، تتعدى مسألة الصلاح الاخلاقي للفرد وتفوقها .
ومهما يكن من شيء فقانون بعث الانبياء لم يكن يشمل كل قرية وبتعبير آخر ، لا يشمل كل مجموعة من الأفراد فضلا عن كل فرد ، بدليل الآية الكريمة ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذير ) الفرقان / 1 ه .
فليس مدار بعث الانبياء على الأفراد أو على مجموعة منهم ، ما لم يتحول هؤلاء الافراد المجموعون الى وجود نوعي آخر اكثر تطورا هو الامة بما تمثله حقيقتها من صفات .
الفصل الثاني: وحدة الامة وتعددها
يتحدث القرآن الكريم عن الامة الواحدة من زوايا مختلفة سوف نتعرض لها ، كما يتحدث عن الامم وعن الاختلافات بين الامم بصورة عامة ، ويتعرض الى الاختلاف في شرائع ومناسك ومناهج ملل الايمان والاديان ، فعلى الرغم من كونهم امة دين الله الواحد نجد ان شرائعهم ومناسكهم ليست واحدة ، فالقرآن الكريم يؤكد انه : ( لكل جعلنا منكم شرعة منهاجاً ) المائدة ٤٨
الاختلاف بين الأمم:
الاختلاف العام بين الامم، قبل ان نشير الى تصور القران حـول هــذ الموضوع ، من المفيد ان نشيرالى الخصوصيات التي بها تتمايز الامام وتختلف المجموعات البشرية .
ويمكن تصنيف هذه الخصائص والحديث عنها تحت العناوين الاتية :
1- الاختلاف التكويني والطبيعي:
تختلف الاجناس البشرية والسلالات فيما بينها اختلافا تكوينياً وطبيعياً في سماتها وملامحها ، كلون البشرة وحجم الراس وشكله والطول ، وحجم اعضاء الجسم وتناسبها ، ومن مظاهر الاختلاف اللغة { ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم أن في ذلك لآيات للعالمين } الروم / ٢٢
وهذا الاختلاف التكويني بين الاجناس بألوانها الاسود والاصفر والابيض ، وبشياتها من الدلائل والآيات على نعمة التنوع في العطاء الالهي ، وعلى خصوبة ذلك العطاء نحو حفز الامم والاجناس المختلفة للتوحد ونشدان الكمال في حدودهم ، فمن خلال ذلك الاختلاف يتم التعارف بين المختلفين ويتم التلاقح بين افكاهم والتكامل ، ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) الحجرات / ١٣.
غير ان الذي يحكم الإنسان منذ ولادته هو حدود قدراته ، وامكاناته " .
2-الاختلاف في المكان:
تنعكس اثار المكان على اخلاقية الإنسان وسلوكه ، فسكان المناطق الحارة يختلفون في امزجتهم عن سكان المناطق الباردة ، وقد يتفاعل مجموع هاذين العاملين التكويني والجغرافي ليشكل ظاهرة الاختلاف في المجموعات السكانية ، والتي تشير اليها الأية الكريمة ( وما من دابة فى الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم ) الانعام / ٣٨ .
والأية (ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك ) فاطر / ٢٨ .
ولعل الاشارة القرائية الى التشابه بث3ين الانسان وبين الحيوان في انقسامهما على اصناف واجناس وانواع مختلفة هي اشارة الى وحدة نوع الاختلاف الذي يميز اصناف الناس والحيوانات ويرجع اصله الى الاختلاف الطبيعي التكويني الذي ليس للانسان فيه يد او دور ، صحيح ان التمايز القومي والعنصري واللغوي أمر تكويني لا يمكن اغفاله أو تجاوزه أو محاربته ، ولكن ليس من الصحيح ان يكون للتمايز القومي قيمة تفاضلية بين البشر لان هذا التمايز مستواه بمستوى التمايز بين الحيوانات ، فالانتماء والاهتمام القومي واللغوي والعرقي امر مقبول ، وحقيقة لا يمكن تجاوزها لانها جعل الهي ولكن كون العامل القومي او اللغوي خصوصية تشريعية او قيمية او تفاضلية هو امر لا يقره القرآن ، ذلك ان الاختلاف التكويني ابداع الهي وان التفاضل السلوكي والاخلاقي مرده الى التسابق بين البشر في الخيرات ودرجة القرب من الحق والكمال والتقوى (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) من اجل التعارف ( ان اكرمكم عند الله اتقاكم ) . الحجرات / ١٢
، (ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان فى ذلك لأيات للعالمين ) الروم / ٢٢
( ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه ) فاطر / 28.
3-الاختلاف في الزمان
ويمكن ملاحظة خصوصية ثالثة يمكن ان تضاف الى سابقتيها لتساهم في ابراز الوان الاختلاف بين الامم ، وتلك هي الاختلاف في الزمن والحصار الذي تعيش فيه الامة والاحداث والظروف السياسية والمصاعب التي مرت بها كل امة , والمستوى الحضاري الذي وصلته , واثر ذلك على ثقافات الامم وتفكيرها وقيمتها واهدافها , ومن اشكال الاختلاف , الاختلاف في الادارة والتشريع والفهم الفلسفي للحياة , وهذا المستوى في الاخلاق يعبر عن الاختلاف في الفهم والادراك الانساني .
تعدد مناهج العبادة:
الاختلافات السابقة العنصرية والجغرافية والتاريخية وما شابه ذلك يعتبرها القرآن جعلا الهيا وقدرا خلق البشر عليه فكان هذا التنوع في الانسانية ، تنوع في المظاهر ، وتلون في وجود واحد من اجل مزيد من الجمال ، وتنوع وتتعدد في جنس واحد وماهية واحدة ، غير ان القرآن لا يعتبر ذلك اختلافا وموضوعا للصراع والتفاضل والتدافع ، فهناك جعل أخر وقدر الهي آخر للتعدد وللتنوع بين البشر به تبرز ظاهرة تعدد الامم واختلافها ، مع وحدتها الانسانية - هذا التنوع المشار اليه بقولـه تعالى ( لكل امة جعلنا منسكاً هم ناسكوه ) الحج / 67 , وبقوله تعالى (لو انزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعا فينبينكم بما كنتم فيه تختلفون ) المائدة/48.
فالأيتان تناولتا الجعل الالهي للتنـوع والاختلاف في الشرائع الالهية ومناسك العبادة
التي يعتبرها القرآن ظاهرة مطردة مع وجود الأمم حيث تقول الآية ( ولكل امة ) أي هناك جعل الهي وتشريع ، فلابد للامة من منهج عبادي وتؤكد الأية الاخرى خصوصية هذ المنهج العبادي ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) المائدة ٤٨ . ويزيد القرآن ذلك التأكيد بان ذلك مشيئة الهية وقرار الهي ، فقد كان بالامكان أن يكونوا ضمن منهج واحد وامة واحدة ومنسك عبادي واحد ، لكن الله شاء أن يكون هناك تعدد ، ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة )المادة ٨ ،
فلماذا كان هذا الاختلاف؟ ان الاختلاف في التشريعات بين الامم قد يكون راجعاً الى خصوصية زمانة أو مكانية او لاوضاع معينة وظروف وحالات تستدعى هذا التنوع في الاحكام، خصوصاً اذا علمنا ان الاحكام والتشريعات تابعة للمصالح والمفاسد، واذا سملنا كذلك بمبدأ المرحلية في التشريعات وانها منسوخة بالرسالة الخاتمة. لكن الاشكال يبقى في حكمة الاختلاف في المناسك والعيادة والسبل التي تقرب الى الله تعالى، الم يكن اقرب الى هذه الوحدة المؤمنة ان يكون شكل عبادتها واحداً؟ وان وحدة العبادة تساهم في تماسكهم . وفي نزع الخلاف بين اهل الاديان؟ (ان هذه امتكم أمة واحدة) الانبياء92.
واذا كانت العقيدة والمضمون الفلسفي والفكري من أصل واحد في جميع رسالات النبوات حيث تستند الى توحيد الله وطاعته وعبادته
( ان اعبدوا الله واتقوه واطيعون ) نوح ٣
( اعبدوا الله واتقوه ) العنكبوت / ١٦ .
فلماذا كانت المناسك العبادية مختلفة ؟ والجواب مدلول عليه بقوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات الى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) المائدة/٤٨ .
فالآية تشير الى امكانية رفع هذا الاختلاف بين الامم ، عندما يكون لها منسلك واحسد شرعة واحدة ، لكن الله شاء ان يكون الاختلاف في المناسك والشرائع لحكمة الابتلاء والتمحيص في الالتزام والعمل بالشريعة ، فهذا التمايز بين الامم يدفع الى التطور والتسابق بينها في اعمالها ويحفزها نحو التكامل مع التأكيد على أن مرجع الإنسان ومصيره الى الله ( الى الله مرجعكم جميعا ) المائدة / ٤٨ . وقد يكون مرجع الاختلاف بين الامم الى التطور في حياتها كالذي يحصل من الاختلاف في الشرائع من حيث تفاصيلها المرتبطة بواقع الحياة والمتطورة بتطورها، إلا أن الاصول ثابتة في الاحكام وفي الشرائع، وكذلك الاصول العامة في العبادات والمناسك فهي واحدة في كل المناهج والشرائع السماوية. وهذا التنوع والتعدد ملحوظ فيه الاوضاع والاعراف والحس العام في الامة، ومكان نزول الشريعة والوضع التاريخي الذي ترتبط " به الامة، فلكل تلك العوامل تاثير في صياغة بعض شكليات ومظاهر المناسك مسيع الحفاظ على مضمونها الالهي، فمن الصعب ـ على سبيل التمثيل ــ على انتشار دعوة المسيح ان ترتبط امته في فلسطين بالكعبة و بمكة التي لا يجد قومه رابطة تربطهم بها وقد يكون هذا الاختلاف إشارة إلى تعدد السبل الى الله، وانها جميعاً موصلة اليه ، وليست سببا للخلاف والصراع ما دامــت والتمحيص مجعولة منه، والحكمة من ذلك هى الابتلاء بالالتزام بما وصل من التشريع، أي الطاعة والعمل، وعلى ذلك يكون مقياس التقييم والمفاضلة بين الامم مدى تسابقها في الخيرات والعمل الصالح لا التفاضل بالمناسك من دون الالتزام وبالنتيجة فهذا الاختلاف في الامم من ناحية الشرائع والمناسك امر الهي، وجعل رباني لحكمة فيه تتناسب مع المسيرة البشرية وهذا لا يتعارض مع وحدة الدين.
الاختلاف والصراع بين الأمم
من كل ما سبق نصل الى ان القرآن يؤكد ان الناس أمة واحدة باعتبار التجميع والهموم والاهداف والدين الواحد ، ثم انشقوا الى امام ، وسبب هذا هو العلم والتكذيب والارادات والاهواء والمصالح المختلفة ، ( وكان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا اللذين اوتوه من بعد ما جائتهم البينات بغياً بينهم . . ) البقرة / 2١٢ .
ويجمع هذه الاختلافات بين الامام عنوانان عامان كبيران كما هي الحال في الحياة الانسانية الفردية ، وهما : الصالحون ، وغير الصالحين ، او امة الايمان وامة الشـرك ، او الامة المرحومة والامة الظالمة والملعونة ، وهذا هو التقسيم الرئيس الشائع للامم في القرآن الكريم ( ولو شاء الله لجعلهم امة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهـم مـن ولـي ولا نصير ) الشورى / ٨
( وقطعناهم في الارض امماً منهم الصالحون ومنهم دون ذلك } الاعراف / ٦٨ . وعندما يشير القرآن الى الاختلاف بين الامم يشير الى الصراع بين دعوة الخير والصلاح من جهة وبين الظلم الاجتماعي والاوضاع الشاذة السائدة في المجتمع من جهة اخرى ، وكأنه يشير الى الصراع بين امتين في مجتمع واحد ، والى الصراع الداخلي الذي يعبر عن التكامل والاستبدال { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض الا قليلاً ممن انجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما اترفوا فيه وكانوا مجرمين } هود / ا ا ليقرر في هذه الآية سنة الاختلاف .
الأمة الواحدة
يتعرض القران الى الأمة الواحدة كما يتعرض الى الاختلاف والتعدد في الامم ، ويبدو ان القرآن يطرح هذه الامسية الواحدة فسي موضعين ومجالين محددين ، فهناك شاكلان ومظهران لوحدة الامة يطرحهما القرآن، هما:
1 - الامة الواحدة في بدء الخليقة
فالقرآن يشير في اكثر من موضــع الى ان الناس كانوا أمة واحدة ، ويبدو ان الامـر الجامع في هذه الامة الواحدة ليس المكسان والزمان فحسب ، وانما هو المصالح والفهيم البسيط المشترك ، وبتعبير آخر ، الجهل وعدم العلم وعدم التشريع وعدم وجود النظام ، كما هو الحال في المجتمعات البسيطة ، ثم تتطور الحياة البشرية من خلال التجميع والتكاثر فتتعدد المصالح والآراء وتظهر الحاجة الى نظام اجتماعي واداري لهذا التجمع الاوســع ، وتظهر الحاجة الى التشريع للحفاظ على الحقوق والمصالح ، ولتحدد في مقابلها الواجبات وما يستلزمه ذلك من تحديد العقوبات حين التجاوز على الحقوق ، ومـن توجه صحيح للبشرية نحو بارئها ، وما يستدعيه هذا التوجــه مــن تكامل اخلاقي وسلوكي فردي وجماعي كي تسير البشرية في طريق تكاملها وكل تلك الامور اقتضت انزال الرحمة الالهية وفق اللطف الذي وصف به نفسه ، وبعـث الانبياء والمرسلين هداة للبشرية في مسيرتها التكاملية ، وتلبية لحاجاتها الضرورية للاستمرار في الحياة ، فكانت الرسالة والتشريع والهداية ( كان الناس أمة واحدة فبعاث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم } البقرة /212 .
والآية واضحة في بيان كيف بدأ الاختلاف وما هو موضوعه وما هي حقيقته . من تلك نصل الى ان البشرية في بدايتها كانت امة واحدة ثم اختلفت بســيب الاجتماع وتعدد المصالح والآراء وهذا الاختلاف فطرى وطبيعي ، وكانت الحاجة الى بعث الانبياء مبشرين ومنذرين وحاكمين ورافعين للاختلاف ، ثم حدث البغي بكتمان العلم والاحكام التشريعية أو تحريفها وفق الاهواء والمصالح أو ادخال اهواء الحكام أو علماء السوء على الكتاب ، وذلك قوله تعالى (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب الا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم ) آل عمران19 ؟ .
وقوله { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات } آل عمران /105
وقوله (فمــــا اختلفـــوا حتـــى جاءهم العلم ) يونس/93 .
وهذا الاختلاف غير فطري بل تحريفي يمثل بغي الإنسان وتقصيره يحقق الرسالة الالهية الواحدة .
2 - أمة الايمان الواحدة
الامة الواحدة الثانية التي يشير اليها القرآن في اكثر من موضع هي امة الانبياء الواحدة عبر العصور والازمان وعبر الاماكن المختلفة . فقد كانت هناك امة واحدة معبرة عن أمر واحد ودين واحد ، وهذه الامة متواصلة بدينها الواحد ونظامها وتشكيلها الواحد ، وممتدة طولاً عبر الزمان ، وعرضاً عبر المكان . وقد يكون لهذه الأمة الواحدة الوان مختلفة في التشريع أو في المنسك تبعاً لظروف الزمان والمكان والموضوع ، ولكنها كلها معبرة عن دين واحد واصول واحدة في التصور والتشريع ، ونظرة مشتركة للكون وللانسان تدعو الى التزامات رئيسة واحدة . حتى كان كل مقطع يكمل المقطع الاخر او ان عملية الحشر والحساب الاممي ووجود الشاهد والكتاب عملية حقيقة في الميزان الالهي وهي جزء مهم في مسيرة التكامل البشرية، كما هو الحال في بعث الانبياء ، فبعث الشهداء مكمل لبعث الانبياء، وبعث الانبياء مقدمة لنزع الشهداء ، وهي تنطلق من حكمة عامة واحدة والتي منها اكمال الحجة.
فبعث الانبياء حجة من الله على البشرية ونزع الشهداء اكمال للحجة على البشرية، واختيار الرسول والشاهد من الامة نفسها اتمام للحجة الكاملة البالغة .
ولعل هذا الحساب الاممي يشفع ويتمم الحساب الفردي حيث يكون الفرد من الامة الناجية والصادقة والشاهدة، اذ يكون حسابة الفردي بالمحصلة وبالمجموعة – وان كان فية تقصير – يختلف عن الحساب الفردي اذا كان هذا الفرد من الامة الظالمة او المنحرفة او المقصرة، والموضوع بحاجة الى مزيد من البحث.
عطاء الأمةونتاجها
يعطي القرآن الكريم للعمل قيمة خاصة ومتميزة، وللقران تصور خاص للعمل والسلوك والاخلاق، اذ يعتبر العمل هو المعبر عن الهوية الإنسان وحقيقة، وكاشفاً عن ارادة الإنسان واختياره، خصوصاً وان مضمون كل عمل يكمن في النية ( ونودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعلمون) الاعراف/43.
كما يشير القرآن الى جانب اخر في اثر العمل ذلك ان العمل هو الذي يصوغ شخصية الانسان ، وان لكل فعل انعكاساً في النفس، والتي بالمحصلة تتشكل منها شخصية هذا الإنسان وتتبلور بها.
نهاية الأمم.. لكل أمة أجل
كل الاشياء محكومة بالزمن، وبمدة تنتهي اليها فالموجودات والحياة والكون والانسان والمجتمعات محكومة بسنة الموت والنهاية الحتمية والاجل المحدد، كقانون يحكم كل هذا الامور، وهذا ما اكده القران .. فهنالك اجل لحركة الكون والحياة ، وقال تعالى ( وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ) فاطر/13 وهناك اجل يحكم الانسان ووجوده وحركته، ( هو الذي خلقكم من طين ثم قضى اجلاً واجل مسمى عنده) الانعام/2 مسيرة متواصلة مترابطة ويبشر اولها بآخرها ، ويفسر بعضها بعضا وقد اكتملت هذه المسيرة الربانية الايمانية بالنبي الخاتم ، هذا الدين الواحد واتضح بالرسالة الخاتمة .
وقد تنقسم هذه الامة الى مجاميع يسميها القرآن " احزابا " وقد تكون هذه الاحزاب ضــمن دائرة الامة المؤمنة الواحدة ولكن يبقى العمل الصالح والتقوى مقياسا للتمايز بين هــذه المجموعات والاحزاب ، بعد التسليم بصحة ما عندها وشرعيته ، غير ان مشكلة كل مجموعة هي انكماشها وتحجرها على ما عندها لتصورها انه الحق ، وما عداه باطل وهذا الغرور والاعجاب عند المجاميع المؤمنة يمنعهم مـــن معرفــة الـسبيل المستقيم ، وان كان كل منها يمثل سبيلا من السبل نحو الله ، لكنها ليست الصراط المستقيم ، ( يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا اني بما تعملون عليم ، وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون ، فتقطعوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ) المؤمنون/52 -51
( وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون ، وتقطعوا امرهم بينهم كل الينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وانا له كاتبون ) الانبياء /92 - 94.
لكل أمة شاهد
الحشر الأممي: يتعرض القرآن الكريم فسي حديثه عن الامم الى موضوع غريب ومهام ، وفيه الكثير مســـن الاســــرار والاشارات والخصوصيات القرآنية ، ذللك هو موضوع حشر الامم كما يتعرض القرآن في حديثه عن الامة الى اجلها ونهايتها وعقابها ، وحشرها وكيف أن الامم كلها سوف تجتمع في ساحة الحشر والحساب الى انتظار حسمها ، وكيف تدعى كل امنة بأمامها ورمزها وقائدها المعبر عنها ( يوم ندعو كل اناس بامامهم ) الاسراء ا ٧
( وترى كل أمة جاثية كل امة تدعى الى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) الجاثية28 .
( قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت امة لعنت اختها حتى اذا اداركوا فيها جميعا قالت اخراهم لاولاهم ربنا هؤلاء اضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعفا ولكن لا تعلمون ) الاعراف / ٢٨ . وتدعى كل امة الى كتابها . . وكان هناك قبل الحساب الفردي حشراً وحساب وعقابا للامم ، وبالتالي حسابا للعصر البشــري وللحضارات وللمسيرة البشرية
شهادة الإمام والنبي على الأمة
كما ان لكل فرد في حسابه الفردي كتاباً وشاهدأ ، { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } الاسراء / 4 1 ، فكذلك الامة ، سيكون " الشاهد " منتزعـاً مـن عموم حياة الامة وصراعاتها ومعاناتها ، عارفا باحوالها واوضاعها ومواقفها والاتجاهات فيها ، ( ويوم نبعث في كل امة شهيداً عليهم من انفس هم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ) النمل / ٨٩ .
وقوله تعالى (ونزعنا من كل امة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم ) القصص / ٧٥ . ولابد لهذا الشاهد ان يكون اهالاً للشهادة ، مــن حضــور معاينـة ومعايشة للامــة واوضاعها ، وهذا يستلزم ان يكون في الشاهد خصوصيات وصفات ، منها : العناء والرقابة والتواجد والحضور والمعرفة الدقيقة بحال الامة واتجاهها ، ولعل في اختيار القرآن كلمة النازع اشارة لكل هذه المعاني ( ونزعنا من كل امة شهيد ) القصص / ٧٥ .
ولابد ان يكون هذا الشهيد الرقيب من الامة نفسها ، ومن عصرها ، وحاضراً في أوضاعها
وعارفا بأحوالها وبالمرحلة التي تعيشها البشرية او الامة المحاسبة والمشهود عليها فهو ليس من عصر آخر او امة اخرى ، كل ذلك لكي تكون الشهادة الصادق والقى وابلغ حجة واكثر تاثيرا من الشهادة التي تكون من خارج الامة او العصر ، وتلك الشهادة تشبه شهادة الانسان على نفسه أو شهادة جوارحه فلابد لكل أمة من شهيد كما يشير إلى ذلك القرآن ، ولابد ان تمر الامة كل أمة بمرحلة الحشر الاممي والحساب الاممي لتقام عليها الشهادة من داخلها ، ومن نفسها بهذا الشهيد . ( فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد) النساء /41 .
وكما أن لكل أمة رسولاً أو نبيا يؤدي فى الحياة الدنيا دور الابلاغ والانذار والهداية ، فان هذا النبي أو الرسول يكمل دوره في الحياة الاخرى بالشهادة على هذه الامة التي عاش فيها ، وبلغ فيها وعانى منها وجاهد من اجل وكما أن لكل عصر ولكل فترة من الحياة الدنيا حجة أو أمامـا يؤدي دوره التبليغي والولايتي ـ القيادي فيها فان هذا الامام الحجة سيكمل دوره في مسيرة حياة الامم والحضارات والكيانات في عالم الحشر والحساب الاممي بالشهادة على الامة وتقييمها والتعريف بها وبمواقفها ، وبالشهادة على سنة الصراع في عمقها بين الصالحين وبين الظالمين .
شهادة أمة على أمة
وكما يشير القران الكريم ى الى الشاهد على الأمة ، وهو الامام أو النبي أو الرسول ، فكذلك يشير الى مستوى اخر من الشهادة ، الا وهو شهادة امة على امة اخرى في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس (ويكون الرسول عليكم شهيد )البقرة / ٤٢ .
ولما لهذه الشهادة من امتياز واشــارة الى مقام يختصر عادة بالانبياء ، ولما يفترض ف الشاهد من حضور ومعرفة ودقة وامانة وصدق ، فقد اختص الله بها الامة الخاتمة والدين الكامل ، و التي حباها الله النعمة التامة فجعل الله امة الاسلام الكامل الامة الشاهدة التي تشهد على الناس المعاصرين لها الى يوم القيامة ، باعتبارها الامة الخاتمة الكاملة وهى بذلك تؤدي دور الانبياء في الامام السابقة ، لالتزامها ومعاناتها وجهادها في حمل الرسالة لكن امة الاسلام مع موقعها المتميز في الشهادة على الناس والعالم المعاصر لها ، تبقى بحاجة الى شهيد عليها ، وعلى مدى التزامها أو تقصيرها ، وعلى مسيرتها وتكاملها ، وذلك الشهيد عليها هو النبي الرسول الخاتم صل الله عليه وآله وسلم .
وقبل ان تفرغ من بحث الشهيد الشاهد لابد من الاشارة الى دور الشهيد واهمية هذا الدور في الحياة الآخرة ، والى الحكمة الالهية التي اقتضت ان يكون هناك حساب اممي لكل امة ، وان يكون هناك شاهد على كل امة ، وكتاب تحاسب الامة بموجبه ، وهذا البحث والتساؤل يقودنا الى تساؤل حول وجود عقاب جماعي أو عذاب عام لكل أمة يشمل كل افرادها المقصرين وغيرهم ، كما هو الحال في الدنيا عندما يشملها قانون الاجل والاستبدال ، أو أن حشر الامم وحسابهم عملية استعراض ، ونوع من تقسيم للمسيرة البشرية عبر العصور المختلفة كما هو الحال فى استعراض الفرق الرياضية قبل اجراء المسابقات الفردية أو الجماعية ، وذلك من اجل اعطاء صورة عامة عين المشاركين بالمسابقات وانواعهم والوانهم ، فكذلك الحال في ان عملية الحشر والحساب الاممـى ووجود الشاهد والكتاب عملية حقيقية في الميزان الالهي ، وهي جزء مهم فـي مسـيرة التكامل البشرية ، كما هو الحال في بعـث الانبياء ، فبعث الشهداء مكمل لبعث الانبياء، وبعث الانبياء مقدمة لنزع الشهداء ، و هي تنطلق من حكمة عامة واحــدة والتي منها اكمال الحجة. فبعث الانبياء حجة من الله على البشرية ونزع الشهداء اكمال للحجة على البشرية، واختيار الرسول والشاهد من الامية نفس ها اتمام للحجة الكاملة البالغة ولعل هذا الحساب الاممـي يشفع ويتمم الحساب الفردي حيث يكون الفرد من الامة الناجية والصادقة والشاهدة، اذ يكون حسابه الفردي بالمحصلة وبالمجموع ـ وان كان فيه تقصير ـ يختلف عن الحساب الفردي اذا كان هذا الفرد من الامة الظالمة أو المنحرفة او المقصرة، والموضع بحاجة الى مزيد بحث".
عطاء الأمة ونتاجها
يعطي القرآن الكريم للعمال قيمـة خاصـة ومتميزة ، وللقرآن تصور خاص للعمل والسلوك والاخلاق ، اذ يعتبر العمل هو المعبر عن هوية الإنسان وحقيقته ، وكاشفاً عن ارادة الإنسان واختياره ، خصوصاً وان مضمون كل عمل يكمن في النية (ونودوا ان تلكم الجنة اورثتموها بما كنتم تعملون ) الاعراف / . ٤٣
كما يشير القرآن الى جانب آخر في اثار العمل ذلك ان العمل هو الذي يصوغ شخصية الإنسان ، وان لكل فعل انعكاساً في النفس والتي بالمحصلة تتشكل منها شخصية هذا الإنسان وتتبلور بها
وحياة الإنسان في الآخرة ، من بعثه حتى حسابه وجزائه ، كما تشير الآيات والروايات ، هي نتاج اثر لعمل الإنسان ، بل انه يد عمله ، بل يجد شخصيته ، وبتعبير آخر ، يجسد نفسه ، حيث تتجسد لمنافسيه جميع اعماله ، ويجدها حاضرة مستنسخة ، ومعبرة عن العمل بمضمونه ومحتواه ، كما تشير اليه هاتان الأيتان : (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) الجاثية/29
( وتضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفسا شيئاً وان كان مثقال حبة من خردل اتينا بها وكفى بنا حاسبين )الانبياء /٤ .
هذا كله فيما يتعلق بحياة الفرد ، اما ما يتعلق بحياة الامة وعملها ونتاجها ، وبتعبير اشمل شخصيتها فيتمثل بمجموع الاحداث والتاثيرات التي مرت عليها وحلت بها ، وكذلك بعطائها ومواقفها وتوجهاتها وفعلها عبر الزمن الذي عاشته وفي تقييم الامم ينبغي ان يلاحظ الطرفان ما تملك وما تعطى ، وما حصـلت وما قدمت ، بنظرة شاملة ليمكن فهم الامة ومعرفة قدرها من هذين البعدين ، وليس من الصحيح ان نلاحظ ونقيم العطاء دون الالتفات الى الظروف والعوامل التي مرت بها ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون ) البقرة / ١٢٤
ان لكل أمة عطاءها الخاص بها وكسبها وهو امر يستقل عن عطاء الامام الاخرى بمعنى ان لكل امة شخصيتها وهويتها المعبرة عنها ، وصحيح ان هناك تلاقحاً بين الامم ، وان عطاءات الامم متناقلة ومتلاحقة ومترابطـة لكن هذا لا يمنع ان يكون لكل امة وجودها وشخصيتها وكسبها الخاص بها وهويتها المعبرة عن حقيقة شخصيتها ، ( لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ) البقرة/134
فلا يمنع التبادل الثقافى والحضاري بين الأمم من ان تصوغ كل امة شخصيتها بنفسها حتى لو كانت مستفيدة مسن غيرها فهي تصوغ ذلك العطاء وتمثله بشكل يجعله جزءاً من منظومتها وشخصيتها الترابط بين عمل الامة وهويتها : والقرآن الكريم يشير الى كل امة وعطائها وكسفيها واستقلال كل امة بعملها يعبر عن منظومة ترابط بين الامة وبين عملها بل ان هناك حالة شد واعتزاز للامة بعملها وهي حالة طبيعية وسنة تجدها في حياة الفرد ، وكذلك نجدها في حياة الامام ، اذ هي حالة اعتزاز الامة بعملها وكسبها ونتاجها وادائها، وهو الظاهر من قوله تعالى { فمن زين له سوء عمله فرآه حسنا } فاطر/ 8 ( ثم الى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) الانعام /108 .
وهذا القانون يحكم الفرد والامة في هــذه الحياة الدنيا ، فتجد الامة نفسها ووجودها من خلال عطائها وعملها، وبذلك تتنافس وتتمايز عن الآخرين فكانها تسجل خلودها من خلاله، وتجد في عملها افضلية على عمل الآخرين فتعتز به وتواصل سيرها من خلاله.
سنة التزيين:
يبدو ان سنة التزين لعمل الامة تاتي بعد ان تتبلور الامة وتترابط وتتطور في وجودها ونشاطها فيكون لها عطاء ونجاحات واستمرار الوجود ، فتتراكم عندها الخبرات والتجارب عبر الاحداث، فيبرز للامة منهج مترابط وتصور عن عملها وشخصيتها ، وتجد الامة نفسها، وتجد ان ما وصلت اليه مسن حال وتطور ووجود هو : مسحن خـلال هـذا العمل والمنهج ولولا هذا المنهج فسي العمل لمسا حققت هذه الانجازات ولما وصلت اله هـذا سنة المستوى من العطاء ، فيغدو هذا المنهج قيمة عليا ، ويكتسب نوعا من التقديس والاحترام وبالتعبير القرآني ( زين له ) ، وهــذه العملية الطبيعية لتكامل وجود الامة وعطائها تنشا في نفوس جميع ابناء الامة. وسنة التزيين مرحلة من المراحل التي تمر بها الامة قبل أجلها ونهايتها . ومما يستشف من قوله تعالى ( زين ) عملية التزيين عملية تجميل ليست نابعة من ذات الشيء وحقيقته ، وانما هي عملية خارجية تحاول ان تضع يشكل مقصود عناصر جمال معنوي أو مادي للاشياء أو الموجودات للاشخاص ، أو الافعال أو الحالات ، فهي عملية غير حقيقية ، وهي خارجية وليس ت ذاتية . ولا تعبر عن درجة من التكامل والتطور الحقيقي . فالتزيين في واقع الامر تدليس وخديعة ، وتستخدم حين تقف الاطروحة عاجزة عن علاج تطورات الحياة ، ولا تقدر ان تحرك الامة ولو خطوة الى الامام ، وتنكشف الخديعة والتضليل لتسقط الاطروحة وينهار المثال الاعلى بعد فشل عملية التزيين في تمويه الواقع في نظر الامة .
نهاية الأمم . . لكل أمة أجل:
كل الاشياء محكومة بالزمن ، وبمدة تنتهي اليها ، فالموجودات والحياة والكون والانسان والمجتمعات محكومة بسنة الموت والنهاية الحتمية والاجل المحدد ، كقانون يحكم كل هذه الامور ، وهذا ما أكده القرآن . . فهنالك اجل لحركة الكون والحياة ، قال تعالى (وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ) فاطر/13 وهناك أجـل يحكم الانسان ووجوده وحركته ، { هو الذي خلقكم من طين ثم قضي اجلا واجل مسمى عنده } الأنعام / ٢
وكما ان للانسان اجلا فان للامة ايض اجلاً.. (ولكل لمة أجل فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) الاعراف /٣٤ .
ان قانون الاجل وسنة الامد المحدود للاشياء عام وشامل لا يتخلف ، في الكون وفي الإنسان وفي الامم . انها ــ في الكون ـ تمثل نهايته ، واجل حركة وجوده ، فهو في تبدل وحركة مستمرة وسوف تنتهي هذه الحركة ويتوقف مظهرها الوجودي والحياتي بوجود وحياة أخرى ، وعبر حالة اخرى ومظهر آخر ، يوم تبادل الارض غير الارض والسماوات ويبرزوا الله الواحد القهار ابراهيم ٤ . وكما تنتهي حركة الكون والحياة فيه لتبتدى حياة أخرى بنظام آخر ، وكما يشهد الكون موتا وولادات جديدة لاجزائه المكونة له من سقوط نجوم وتوسيع في الكون ، فكذلك حياة الإنسان الفردية تجري ضمن حركة من ميداً الى منتهى واجل ، مع تغير في وجوده الجسدي وتطور الى ان يبلغ أجله ومنتهاه ، مع ولادات جديدة واستمرار الحياة الإنسان العامة حتى تنتهي هذه الحياة الدنيا في وقت انتهاء حركة الكون لتبدأ مسيرة حياة اخرى بنظام ووجود آخر . وهذا القانون ـ قانون الحركة والتبادل يسري على الامام ، ولا نقصد بالامة هنا مجموعة اشخاص في مكان وزمان واحد ، وانما هي وجود اجتماعي مميز له سـمته وكيانه الثقافي والاجتماعي المترابط ومثله الاعلى الذي يحكم علاقاته ونمط مسيرته فهذا الوجود الاجتماعي للامة له اجل تنتهي اليه لتبدأ مسيرة اخرى لامة اخرى لها وجود اجتماعي أخر وهكذا تستمر حركة الامم بالموت والولادة ، وتمر كل امة بمراحل وجودها وتطورها وتكاملها ، وكما يمر الانسان بالطفولة والصبا والمراهقة والرجولة والشيخوخة لينتهي بالموت ، فكذلك الامة تبدأ
من نقطة وتسير بمظاهر متطورة لوجودها لتنتهي باجلها ، ولتبدأ امة اخرى حركتها مــن مبدأها الى مستقرها ونهايتها ، الى ان تنتهي هذه الحياة ، لتبدأ حياة اخرى بنظام آخر لهذا الوجود " الامة " حيث البعث والحساب والجزاء ، كما اشرنا سابقا ، (وترى كل امة جاثية كل امة تدعى الى كتابها) الجاثية / ٢٨ ، (كلما دخلت امة لعنت اختها ) الاعراف / ٣٨ .
وفي سنة الموت والاجل شرائط وقانون عام يحكم الموت كعملية طبيعية وظاهرة كونية عامة ومخلوق له عناصره وشروطه وظروفه ونظامه الخاص به ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) الملك / ٢ .
وكما هو الحال في عملية الخلق التي تجري وفق قانون عام ومترابط مع ظواهر اخرى ضمن سنن متكاملة تحكم الكون كله ومســير الإنسان والامم ، فهناك شرائط وظروفا واحكام لموت الاجرام السماوية ونهايتها يمكن رصدها ضمن دائرة علم الفلك . وكذلك هناك شروط وظروف واحكام لموت الإنسان يحكمها علم الفسلجة ، وما يرتبط بها من علوم ، ونجد الحالة نفســها مـن شـروط وظروف في نهاية الامم وانتهاء فعاليتها ضمن قوانين وشروط تحددها العلــوم الاجتماعية وقوانين حركة المجتمع . والظواهر الطبيعية والمادية يمكن رصدها دراستها ومعرفة قوانينها ، لامكان السيطرة عليها ومتابعتها ، وليس الحال كذلك في علام فلك ، فانه لا يمكن السيطرة على الاجرامية سماوية وحركتها ولكن يمكن متابعتها ورصد جمل الظروف والشرائط التي تجري فيها حادثة او الظاهرة . أما بخصوص الامة والحياة المعنوية نسان فان المسألة تختلف كثيراً لصعوبة سد الظاهرة النفسية والفكرية ، ولتشابك هذه واهر وتعلقاتها ، ولتأثر دراسة هذه الظواهر امل كثيرة ، منها العوامل الذاتية للانسان .
الحالة النفسية والخلفية الفكرية للباحث:
ولكن مما لا شك فيه ، وجود ظاهرة موت الامم وان هناك اجلالاً محدوداً يحكم كل امة ، وهو ما يؤكده القرأن ويكرره ، (ولكل امة اجل) الاعراف / ٤ ،( لكل امة اجل ) يونس / ٤ (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) الحجر / ٥ . .
وبعد ان يقرر القرآن الكريم حقيقة الموت والاجل للامم ، ينتقل الى وقت الاجل وشروطه حيث يؤكد القرآن ان في وقت الاجـل (لا يستأخرون ساعة ولا يســــتقدمون) الاعراف /٣٤ .
وهو في موضوع الاجيال ووقته يتعارض لامرين ، نحتاج بعد تحديدهما ، ان نتلمس التصور الذي يمكن ان يعطي تفسيرا جامعياً ومترابطا بينيا .
الامر الاول : { إن اجل الله اذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } نوح / 4 .
الامر الثاني : (ولولا كلمة سبقت من ربك الى اجل مسمى لقضــي بينهم) الشـورى / 14
(يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم الى اجل مسمى) ابراهيم / 1
(ويستعجلونك بالعذاب ولولا اجل مسمى لجاءهم العذاب) العنكبوت / ٥٣ ،
(فاذا جاء أجلهم يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) الاعراف ٣٤ .
فالامر الاول يشير الى ان هناك اجلالاً وتوقيتا ينسب الى الله ، وهذا التوقيت التحديد اذا تحقق شرطه ( اذا جاء ) فان النتيجة لا تتخلف ولا تتأخر ، فهناك توقيت انتهاء امس الامة وفترة وجودها . وهناك احتمالان لهذا التوقيت والاجل : الاول : تحديد زمني ووقتي بعدد السنين والقرون ، فاذا جاء وقت نهاية الامة بانتهاء سنينها فانه لا يتأخر.
والاحتمال الثاني : تحديد الاوصاف وشروط انتهاء الامد وموت الامة ، فاذا تحققت شروط الاجل ونهاية الامة فلا يتخلف الجزاء ( الاجل
اما الامر الثاني الذي يشير اليه الأيات المتقدمة بخصوص الاجل فهو امكانية الاخير في الاجل الى أجل مسميا الي الله فاطر السماوات والارض (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم الى اجل مسمى) ابراهيم /10 .
فكأن هناك امرا يقتضي النهاية ، لكن الاستغفار وتعديل الامة لاوضاعها باتجاه صحيح وبخطوات حقيقية نحو الله سوف يؤدى الى تأخير أجلها الى اجل آخر ، ولكنه محدد ومسمى ومشخص عنده ، فالآية تشير الى امكانية تأخير الاجل بعملية يقوم بها الانسان في حالة الفرد ، وبعملية تقوم بها الامة بمجموعها العام في حالة الامة . من هذين الامرين نصل الى ان هناك اجلا حتميا للامة وللفرد لا يتغير ولا يتبدل ، وهـو مسمى ومحدد عنده سبحانه في كتاب محفوظ لا يعلمه الا هو أو من يطلعه عليه من ملك او نبي ، وهذا الاجل المسمى عنده والمحدد لديه لا ينخرم ولا يتأخر ولا يتقدم ، وقد تكون مجموعة امور ساهمت في تحديده منها : فعلى الإنسان ودعاؤه ، وفعل الامة ودورها المستقبلي والفعلي ، وهذا الاجل يحدد في حالة الفرد في ليلة القدر ، كما تشير لذلك بعض الروايات وهناك اجل مقضي موقوفا عسى أمور كثيرة ، منها عدم وجود مانع من مصلحة او ما شابه ، فيكون محلاً للبداء والتغيير ، فيمكن تقديمه او تأخيره ، ومحله في لوح المحفوظ والاثبات ، وقد يبدو للبعض الاولياء فيمكن للانسان وللامة ان تساهم في تغيير آجالها الموقوفة على امر ما ، والمقضية بأمر يتبدل ان الاجل الذي يقع فعلاً في الفرد او الامة هو اجل مسمى ومحتوم ، سواء أكان موقتا احترازيا على غير المتوقع ام مقضيا بحساب العادة والطبع ام موتا غير احترازي فوقوعه
دليل على كونه أجلا مسمى لا يتأخر ولا الروايات الواردة في الموضــوع ـ وان كان صاحب الميزان يلحظ الاجل وبخصوص الفردي ـ فان كثيراً من الآيات التي يوردها الى الامة خاصة . تتعرض كيف تموت الامة ؟ من المفيد ان نشير في ختام البحث الى ان اجل الفرد واضح ومحدد بالموت الذي هو انتهاء الجسد وانتقال الروح من البدن ، ويكون الجسد ملازماً لتوفي الله الانفس اما موت الامم وتحقق اجلها فلـه صــورة تختلف عن صورة الاجل الفردي ، ويبدو ان هناك طريقتين عامتين لاجل الامم وانتهائها ، وهناك صور متعددة لكل طريـق مــن هــذه الطرق ، ( قد نوفق لبحثها مستقبلا ) . لطريقة الاولى : الهلاك والابادة الجسدية : وهذه الطريقة تشبه الاجل الفردي بهلاك الإنسان ، وهذا الهلاك والابادة لمجموع الامة ولمجتمع معين يكون عادة نادراً في كل عصر ، وان كان متعددا في مجموع العصور التي مرت بها البشرية . صوره ، فتارة يكون بمرض عام شامل ، وتارة بزلزال او بعذاب سماوي ، فتنتهي الامة وجوداً مجموع الافراد فعلاً وعطاء وتأثيرا و القرآن الكريم يذكر هذه الصور من الموت عادة بخصوص القرى ، ولا يذكرها بحق الامة . وسوف نأتي على ذلك في بحث القرى . الطريقة الثانية : والتي يمكن ان نس ميها بالموت المعنوي للامة ، أو فقدان قدرتها وارتباطها وتلاشي فعلها وعطائها وانتهائها و التي تشد من ساحة الفعل والحساب بين الامم ولا يتحقق ذلك بانتهاء وجود الافراد في الطريقة الأولى ــ كما ـ وانما هناك صور عدة راجع تفسير الميزان /
لتحققه ، منها : تبادل المنسل للامة ، وتلاشي الرابطة بين الافراد في الامة ، ونشوء كيان جديد على انقاض الكيان السابق ، والقرآن يطلق على بعض هذه الصور الاستبدال والتبديل والتغيير فالهلاك في هذه الطريقة ليس للوجود الفيزيولوجى للامة عبر هلاك افرادها ، وانما هو هلالك وانتهاء وموت شخصية الامة وانتهاء مع بقاء الوجود عطائها وحضارتها الفيزيولوجي لافرادها ، ويتحقق هذا الهلاك بنشوء مظهر آخر لهذه الامة (استبدال) أو بانتهاء عنوان هذه وتبادل هويتها الامسية وتشتت افرادها .
هل هناك ترابط بين أجل الكون وأجل الأفراد وأجل الأمم؟
قد يكون من المفيد أن نمعن النظر في الكشف عن الترابط بين الاجال الثلاثة ، أجـل الكـون واجل الافراد واجل الامم ، في مجموع الآيات التي تتحدث عن الخلق والموت والغاية منهما مع ملاحظة الروايات والاحاديث التي تتناول هذا الموضوع فهل هناك علاقة بين تلك الآجال ؟ او ان لكل قانون مستقل عن سواه ؟ ان هناك اقترانا وعلاقة سببية بينها ؟ وبالرجوع الى تلك الآيات والتي منها : سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض } لقمان / . ٢ . الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا } الملك / ٢ لوما خلقت الجن والانس الا ليعبدون الذاريات / ٥٦ . (لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر يرثها الصالحون } الانبياء / . ١ الارض عبادي بالرجوع الى تلك الأيات قد نصل الى عمر الكون واجله متوقفا على تحقيق الهدف من خلقه ( والكون كله مسخر لخدمة الانسان )
التكويني ، وانما هو العمل والالتزام والتسابق فى العمل الصالح ، وسيكون الحساب والحشار على المسؤولية المناطة بكل امة في الخلق سواء اكانت من الحيوان ام من الانسان ام من الجن ، كما تقدم سابقا . بعد ان اثبت القرآن الكريم تعدد الامم ومنشاً هذا التعدد وقسم الاختلاف الى اخـتلافا بسين الامم على اساس التكوين والاجناس ، وعلى اساس المنهج والعقيدة ، وجعله هو الاساس في تقييم الامم والشعوب , تعرض الى مسالة العلاقة بين هذه الامم وطبيعة هذه العلاقة وآثارها في حياة الامم ، سواء في هذه الحياة أو في الحياة الاخرى ، وفي هذا الصدد يتناول ما يلي التراكم الانحرافي للامم وتأثير الامام المنحرفة في تعميق الانحراف والظلام فـي العالم ، ويظهر الترابط بين خط الانحراف عبر العصور المختلفة مما يجعل هذا التراكم الانحرافي عبر العصور ثقلاً سيئاً في تراث البشرية يبرر به انحراف الامم اللاحقة قوله تعالى { قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار كلما دخلت امة لعنت اختها حتى اذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لاولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فاتهم عذابا ضاعفا من النار } الاعراف / ٣٨ . وقال (قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ) الاعراف / ٢٨
ويشير القرآن من جانب اخر الى سنة التكذيب في الامم ورفضها دعوات الرسل ووقوفهم امام عملية تزكية اوضاعهم باتجاه الخير موقفا سلبيا ، وانسياقهم وراء اوضاعهم السائدة ، وعاداتهم واهوائهم ، وتمكن كبر الهم وسادتهم من مسلك الامور ومواجهة الدعوة الربانية التي تريد ان تزلزل مواقفهم وفي تكرار ذكر هذه الحالة عند الامام والاقوام تسلية للدعاة والمبلغين وتهاوين لموقف المخالفين ، (وان تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول الا البلاغ المبين ) العنكبوت/18
فالآية تشير الى ما ذكرناه سابقا من ان هنالك حشرا وحسابا وجزاءا للامم بما هي امم ، وفيها تأكيد لهذا الموضوع في دخول الكافرين والظالمين النار ، فدخولهم يكون على شكل مجموعات ، والجامع بينها هو هدفها وتوجهها وكونها في عصر وزمان مشترك ، وهذا التعاقب والتسلسل في الدخول بما تشير اليه الآية الكريمة { اخراهم لاولهم } وهو بحسب السياق تسلسل وتعاقب زمني ، وليس بالرئيسة والمقام سـ كالرؤساء والزعماء والتابعين _ كما احتمل ذلك صاحب الميزان ، بقليل من قبلكم في بداية الأية التي تخاطب المشركين من اهل مكة . والذي يهمنا في الآية بخصوص موضــوع التواصل بين الامم هو ان هذا اللعن بين الامم يكشف حقائق الامور في الآخرة فهو يعكس العلاقة والترابط بين الامم في الدنيا ، والتي كان أساسها وحدة التوجه والهدف والتواصل بين الابناء والآباء وبين اللاحقين والسابقين وهذا اللعن من اللاحقين للسابقين في يوم الحساب يكشف عن التأثير والهيمنة والشعور بالتبعية والانتساب الذي كان سائدا بسين اللاحقين والآخرين تجاه السابقين والاولين وكأن كشف هذه الحقيقة سترفع عن اللاحقين تبعات اعمالهم وتخفف من سيئات ما كسبو وان كون الاولين بما هم أصحاب المبادرة السيئة والجرأة على الحق سيجعل عذابهم اشد واكبر من عذاب الامة اللاحقة ، فتدعو الامة اللاحقة على الامة الاولى بــ ( ربنا آتهم ضعفين من العذاب ) الاحزاب / ٦٨ .
ليتضح بذلك عمق الاسف والمرارة والحسرة واللوم الذي يعم اللاحقين ازاء عظمائهم واجدادهم (ولات حين مناص ) ص / ٣ .
و يشار الى الحالة من الخصومة بين هذه الذين اتبعوا والذين اتبعوا في موضع آخر من القرآن ، ويعلق على ذلك بقوله (ان ذلك لحق تخاصم اهل النار) ص / 64 . وحول قضية أي من الفريقين اشاد اجراما وبالتالي تكون اشــد عذاباً ؟ اهـم مؤسسو المبادى والافكار المنحرفة من الكبراء والامراء ورؤساء الانحراف ؟ أو هم التابعون والمناصرون لهم ؟ فقد يرى البعض ان من اساس الظلام والانحراف أشد عذابا لانه يتحمل اثار هذا العمل عبر السنين ، ولانه السبب في الظلام والضلالة ، ولكونه المبادر والمتجرى أول مرة . وقد يرى اخرون ان استجابة الناس وانجرافهم مع الطاغي والعالم المنحرف واصحاب المبادئ الضالة هــو الــذ يعزز الانحراف والظلم عند الكبراء والسادة الاولين . وكان القابلية للاعراض وللظروف المساعدة المهينة لبلورتها هي الاساس في عملية الانحراف وتحمل تبعاته واثاره . لكن القرآن الكريم يرفض الرأيين جميعا ويرى كلا الفريقين في مستوى واحد من المسؤولية والاختيار لعملهم ، بغض النظر عن الظروف الخارجية والاجواء المحيطة بالعمل . ولما كان كلاهما خارجا عن امتثال الامير الالهي ، فالمسؤولية تكون واحدة ، والجزاء تبعا لذلك يكون واحداً ايضا ، اذ ان الامانة المعروضة على الإنسان واحدة بغض النظر عن الزمان والمكان والرتبة الاجتماعية ، (قال لكل ضعف )الاعراف 38/
والاشارة الاخرى التي تستفاد من الأسس المذكورة في أن حضارة الطغيان والانحراف او الامة الطالحة وان كانت متعددة ومتنوعة لكن هناك ترابطا وتشابكا وانتسابا فيما بينها (كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى اذا أدركو فيها جميعا قالت اخراهم الاولهم ) وكأنها سلسلة واحدة وقافلة واحدة مترابطة أو بتعبير أخر ، كان الانحراف مقالة واحدة لكاتب ولحد هو الشيطان بكلمات متعددة ومتنوعة ومختلفة لكنها بمجموعها تشكل مقالة واحدة للانحراف والضلال ، وهذا التمايز والتباعد الحضاري والامني الذي قد يبدو في العالم ، لا يشكل حالة حقيقية واقعية ، وانما هو متقارب وموضع تاثير وتاثر بالامم والحضارات والانكسار المطروحة فيما بين اهل كل عصر ، وكذلك بين كل عصر وبين الذي يليه من العصور . ظاهرة التكذيب (وان تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول الا البلاغ المبين ) العنكبوت/ 8ا (أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والانس انهم كانوا خاسرين ) الاحقاف / 18 ، وكذلك (ارسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا اليك ) الرعد / . ٣ .
من مجموع هذه الأيات نجد ان هناك تأكيدا على ظاهرة الترابط والتشابه بين الامم ، وان اية امة ليست معزولة أو في منى عن الامم الاخرى ، ولذا نجد القرآن يشير الى ذلك في اكثر من موضع . وهذه الاشارة الى التواصل التاريخي { كذلك ارسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم . . } قد يستفاد منها في سنة ارسال المبلغين الى الامم من جهة ، وهي من سياق الرمل الاحقاف / / . ما كنت بدعا من وقد يستفاد منها في شيوع ظاهرة التكذيب الرسل عند الامم السابقة واللاحقة وفي ذلك
شد لعزيمة الانبياء وتخفيف من قيمة تكاذيب ، عادة التقليد وحالة التبعية : الى سوف تنتهى الانبياء الامم ، لانه يعبر عن قطعنا بانتصار وشيوع نورهم وهداهم ، { انا وجدنا آباءنا على ٢٢ اسة وانا على آثارهم مهتدون } الزخرف / ، ( وإنا على آثارهم مقتدون } الزخرف / ٢٢ . وقد يستفاد من هذه الأيات وتأكيداتها ان مسيرة البشرية واحدة ، وان تنوعت الامم واختلفت اشكالها وتعددت مناهجها ، كما تؤكد ان سلسلة الانبياء واحدة مترابطة يكمل بعضها بعضا وانها من منبع واحد وتدعو الى مصدر واحد .
حركة الأمة
التحول والتبدل في مسيرة الأمة:
يتعرض القرآن الكريم الى موضوع مهام ومعقد يرتبط بالتغيير والتبدل في مسيرة الامة ، وفي سيرها نحو الحق وتكاملها في كنفسه وبتعبير آخر موضوع حركة الامة وموقفها من المثل الاعلى . ويذكر القرآن الكريم بتفاصيل ، المراحل والحالات التى تمر بها الامة الظالمة والمنحرفة ، منذ بداية اعراضها حتى هلاكها ، بسبب بعدها وجحودها وانحرافها ، ويمكسان استشفاف ذلك من الآيات المباركات : ولقد ارسلنا الى امم من قبلك . . } السنة العامة في بعث الانبياء . الشد والتحريك بالبلاء . فأخذناهم بلبأساء والضراء } /
( وهذه مرحلة لعلهم يتضرعون } / التوجه الى الله لازالة البأس وغايته التضرع .
(فلولا إذ جاءهم بأسسنا تضرعوا ) / نزول الباس وغايته التضرع.
( ولكن قست قلوبهم } / القسوة والموقف الجاحد
(وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون } التزيين لمواقف الامة الخاطئة
( فلما نسوا ما ذكروا يه ) النسيان .
( فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتى فرحوا بما أوتوا) الاملاء والطغيان بالنعم .
( اخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون } / الاستبدال والهلاك والعذاب .
(فقطع دابر الذين ظلموا ) / نهاية الظلم والامة الظالمة .
(والحمد لله رب العالمين } / امر محكم وحكيم وجميل يستحق الثناء والحمد لله الانعام / ٤٢ سـه 4 .
يؤكد القرآن هذه الآيات ان هناك تكرارا في ظاهرة معينة وتلازما وتدرجا وتحولاً فسي الأمية وهذا التكرار يرتفع الى درجـة الظاهرة باعتبار ان فيه ارتباطا بين إسباب ومسببات يمكن تسميتها قانوناً اجتماعيا أو سنة ــ وهو ما يمكن فهمه من قوله ( ولقد أرسلنا الى أمم من قبلك ) ، كما ان صيغة الجميع وصيغة الماضي تشير الى استمرار الحالة ودوامها.
الشعور بالحاجة للرسالة والمنقذ
في الظرف الاجتماعي الذي تعيشه الأمة قبل تزول الرسالة ووجود المرس ل واثناء تلك تظهر حالة الشعور بالحاجة الى منقذ يعالج تعانيه الامة من آلام ومشاكل وضياع { اخذناهم بالبأساء والضراء } وكل ذلك لكي يكون الاتجاه النفسي في الامة هو طلب النجاة والشعور بالحاجة الى معين ، والتوجه الى جهة انتظار منها الحل ، ونكون اهلاً للانقاذ . ( لعلهم يتضرعون ) لعل السبب في عدم نزول القرآن وبعث الرسول ص " في الحضارتين الفارسية والروسية ، وكذلك لعل السبب في عدم نجاح الدعوات في بعض المجتمعات ، هو عدم وجود حالة التضرع و الشعور بالحاجة الى منقذ في مناطق معينة وفي ظرف معين ، حيث لا يوجد شعور بالحاجة الى بديل ومنقذ ما دام الدين السائد أو الاطروحة الحاكمة ، أو المثل الاعلى على حد قول السيد الشهيد الصدر ـ الذي تتجمع حوله الامة ما زال يمتلك الفاعلية بحيث يحرك الامة ويجمعها ، فالى أن يفقد المثل الاعلى مفعوله ، وتنفذ الاطروحة غرضها وينقد الدين قدرته على المشاكل الجديدة التي ينتج بعضها من محدودية المثل الاعلى أو الدين والاطروحة السياسية وتطبيقاتها ( فاخذناهم بالبأساء والضراء) فتشتت الامة بالضياع لفقدان المثل قدسيته وتوهجه فسي نفوس الناس ، فتكون الامة حينذاك بين ان تذوب في دين ومثل اعلى الامة اقوى كالهندوسية والبوذية والماركسية أمام الحضارة الغربية ـ ، او ان ينبعث مثل اعلى واطروحة جديدة من داخل الامة وطروحاتها وتاريخها وثقافتها فلابد من رحلة البأساء والضراء والشعور بالتضرع والتوجه الى منقذ ، ولادة تنسيق كسل جديدة لقيام مذهب جديد أخسر او اطروحة بديلة.
القوة والتزيين:
عندما تعيش الامة حالة البأساء والضـراء يفترض فيها ان تتوجه الى حل ومنقذ من غير الذي في يدها من حلول وتجارب ، بل الى خارج نطاق الإنسان لفشله في حلها ، فتتجه الى المثل الاعلى المطلق ، الى الله ، أو الى مثل آخر اعلى مما تعيشه الامة من مثل ، ليحركها ويأخذ بيدها نحو التقدم والتطور والخلاص ولو لأمد . غير ان الامة في احيان ، قد لا تتضرع ، بل على العكس من ذلك تتحجر على ما عندها ، وتدعي أن الحل فيما ورثته من الآباء وتعلمته منهم ، وأن ما وصلت اليه الامة من تطور في هذه الاطروحة يمثل اقصى ما تبغيه وافضل ما تطلبه لزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون
مرحلة الاملاء/ الصحوة قبل الموت هذه الحالة النفسية والاجتماعية من التحجر على موقف خاطى والتزيين الكاذب والخداع باثارة الضجيج حول المنقذ والبديل الجديد وبالسعي الى تضليل وتزييف الشعور بالتضرع ، ووصفه بانه انحراف وهزيمة ، المجهودات الباطلة قد تنجح في مسعاها ( إفلما نسوا ما ذكروا به ) فتندفع الامة مرة اخرى نحو مثلها الاعلى واطروحتها المهزومة ، وتحاول إعادة النشاط في شعاراتها كسل ا وقد يحصل من ذلك بعض النجاح لحالـة الترميم واعادة البناء وثورات التصحيح ومسا شابه ذلك من مقولات ، فتسير الامــة فرحة مستبشرة يحدوها الامل بعودة حياتها من جديد كما كانت ايام كان مثلها الاعلى واطروحتها تملك الشارع وقلوب الناس ، وخيل لهم أن الحياة عادت اليهم . فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحتو بما اوتوا . . . ) فينطلقون فرحين بما عندهم من مثل ، وتقسر اعينهم بما لديهم من توجه ، وتمكن لهم الامور بعد هذه الصدمة والتذكر { البأساء والضراء } والتضرع لكنه تمكن المحتضر ، والداء الذي لا تنفع معه المسكنات والشعارات السابقة ، والمريض المعتمد على المنشطات ، ليسقط بعدها تماما حائرا ميتا اجوف ( اخذناهم بغتة فاذا هـم مبلسون } فيقتدون دون حل ودون مثل وبدون اطروحة لحياتهم ، فتموت الامة تماماً وينتهي عطاؤها ونماؤها وتواصلها . وتضمحل وتندحر ويخبو اشعاعها ، وحينذ لا تموت ، بل تلغى فحسب ويقطع دابرها ( فقطع دابر الذين ظلموا) ، والحمد لله رب العالمين .
الخاتمة
ترددت آراء العلماء حول الامة بين وجودها الحقيقي وبين وجودها الاعتباري ، ولكسل مداركه ومستنداته ، ومن خلال هذا البحث يظهر الرأي الاول فلامة وجود حقيقي ، وبالتالي فهو محكوم بالحركة الجوهرية من النمو والتكامل ، ولهذا اصبحت موضوع العناية الالهية ببعث الانبياء للامم ، وتوجه الخطاب اليها ، وهذه الحركة والنمو للامة محكومة أيضا بالموت والاجل ومحكومة أيضاً بالبعث والحساب والحشر الاممي .
وفيما بين ولادة الامم وتكليفها بالرسالة الى موتها ويعشها يحكمها عدة قوانين منها قانون الاختلاف والتعدد والوحدة ، والتدافع ، وقانون الحركة والتبدل والاستبدال وقانون التزيين وهناك اشارات قرآنية للترابط بين نهاية الافراد وبين نهاية الامم ـ ومحصلة حركة الامة بقيام الامة الصالحة وسيادتها والموضوع المهم الآخر هو العلاقة بين القرية وبين الامة . والقوانين المشتركة بينهما ، والقوانين الخاصة بكل منهما ، وهو ما اكتفينا باشارات وتنبيهات الية مختصرة . والموضوع بحاجة الى مزيد من التفصيل والبحث ، نأمل استكماله بتوفيق الله سبحانه .
البحث منشور في العدد صفر من مجلة حوار الفكر لشهر آيار 2005
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments