00:00:00
توقيت بغداد
2026يوليو26
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ترجمة المعهد العراقي للحوار

كيف تسعى روسيا بصمت لجذب العالم خارج الغرب؟

في الوقت الذي فرض فيه الغرب قيوداً واسعة على وسائل الإعلام الروسية الحكومية مثل "آر تي" و"سبوتنيك"، شهدت هذه الشبكات توسعاً ملحوظاً في مناطق أخرى من العالم، لا سيما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. يستكشف هذا التقرير الأساليب التي تتبعها روسيا لزيادة نفوذها الإعلامي في هذه المناطق، وكيف تستغل الفجوات التي خلفتها وسائل الإعلام الغربية لتغيير موازين القوى في النظام العالمي.

استراتيجية التوسع الصامت

على مدى السنوات الثلاث الماضية، وسعت "آر تي" و"سبوتنيك" من حضورهما الدولي، مع التركيز على أفريقيا والبلقان والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية. جاء هذا التوسع بالتزامن مع حظر أنشطتهما في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، بتهمة نشر معلومات مضللة.

يُعدّ هذا التوسع مدروساً وموجهاً بشكل استراتيجي، ففي عام 2023، افتتحت "آر تي" مكتباً في الجزائر وأطلقت قناة باللغة الصربية، كما نظمت دورات تدريبية مجانية للصحفيين في أفريقيا وجنوب شرق آسيا والهند والصين. وفي فبراير من العام الحالي، افتتحت وكالة "سبوتنيك" غرفة أخبار جديدة في إثيوبيا.

استغلال الفجوات و"التربة الخصبة"

يأتي التوسع الروسي بالتزامن مع تراجع واضح لوسائل الإعلام الغربية في بعض المناطق، نتيجة لتخفيض الميزانيات وتغيير أولويات السياسة الخارجية. فعلى سبيل المثال، أغلقت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إذاعتها العربية، مما سمح لـ"سبوتنيك" بملء الفراغ وإطلاق خدمة على مدار 24 ساعة في لبنان.

يصف ستيفن هاتشينغز، أستاذ الدراسات الروسية بجامعة مانشستر، هذه المناطق بأنها "تربة خصبة فكرياً وثقافياً وأيديولوجياً"، خاصة بسبب المشاعر المناهضة للولايات المتحدة والغرب والاستعمار. ويشير إلى أن الإعلام الروسي يضبط محتواه بذكاء ليناسب الجمهور المحلي، مما يجعله مقبولاً لدى شريحة واسعة من المشاهدين الذين لا يعتبرون بالضرورة "ساذجين يقعون ضحية التضليل".

تكتيكات إعلامية مدروسة

على الرغم من المظهر الخارجي لمواقع "آر تي" كمنصة إخبارية عادية، إلا أن تحليلاً أكاديمياً لمحتواها بين عامي 2017 و2019 كشف عن "انحياز ممنهج للغاية". فقد أظهرت الدراسة أن الشبكة تركز على "الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية في أوروبا"، بينما تسلط الضوء على "المناورات العسكرية في روسيا".

كما تقوم الشبكة بنشر ادعاءات غير صحيحة، مثل وصف ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 بـ"إعادة التوحيد السلمي"، وإنكار الأدلة على جرائم الحرب الروسية في أوكرانيا، ووصف مجزرة مدينة بوتشا بأنها "خدعة" على الرغم من الأدلة الدامغة التي قدمتها الأمم المتحدة وجهات تحقيق مستقلة.

حالة شيلي: مثال على الاختراق الهادئ

في شيلي، استغل الإعلام الروسي شبكة تلفزيونية محلية تُدعى "تيلي كانال" لبث إشارة "آر تي" فجأة، مما أثار غضب المشاهدين الذين لم يتم إعلامهم مسبقًا. هذا الاختراق الهادئ، الذي لم يتم الإعلان عنه، أثار جدلاً ودفع السلطات المحلية إلى فتح تحقيق. تعكس هذه الحادثة الأساليب غير التقليدية التي تستخدمها روسيا لفرض وجودها الإعلامي.

الخلاصة

يُعد التوسع الإعلامي الروسي في دول الجنوب العالمي جزءاً من استراتيجية أكبر تهدف إلى تقويض النفوذ الغربي، وتبرير تصرفات روسيا، وبناء تحالفات اقتصادية وسياسية جديدة. ومن الصعب قياس التأثير المباشر لهذه الوسائل الإعلامية، لكن انتشار السرديات الروسية، مثل أن توسع حلف الناتو كان السبب في الحرب الأوكرانية، يدل على نجاحها في التأثير على الرأي العام في بعض المناطق.

يوضح هذا التقرير أن روسيا تستغل "نقاط ضعف" الأنظمة الديمقراطية الليبرالية لتقديم نفسها كقوة خير في السياسة العالمية، بدلاً من كونها دولة استبدادية. لذا، يوصي التقرير بأنه على الغرب إعادة تقييم ميزانيات وسائل إعلامه الدولية، لأن تراجعه عن المشهد يفتح المجال أمام وسائل إعلام أخرى لملء الفراغ، وهو ما قد يؤثر على مستقبل النظام العالمي والديمقراطية.

 

الكاتبان: جوليانا غرانياني وماريا كورنيوك، محررتان في وحدة مكافحة المعلومات المضللة العالمية بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)

Comments