00:00:00
توقيت بغداد
2026أبريل04
السبت
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم مجموعة من خبراء المجلس الأطلسي - ترجمة: المعهد العراقي للحوار

نهاية عملية العزم الصلب في العراق: أسئلة واجابات

تدخل الشراكة بين الولايات المتحدة والعراق حقبة جديدة. ففي سبتمبر المقبل، من المقرر أن ينهي التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مهمته في العراق.

وقد أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن والحكومة العراقية العام الماضي عن الجدول الزمني المتفق عليه لإنهاء مهمة عملية العزم الصلب (OIR) في العراق، والذي ينص على استمرار عمليات التحالف في سوريا المجاورة - حيث يتفق الشركاء على أن داعش لا يزال يمثل تهديدًا خطيرًا - انطلاقًا من العراق.

تقدم هذه المرحلة الجديدة في العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق العديد من الفرص والتحديات والشكوك. وتغطي ردود مجموعة من المتخصصين على عشرة أسئلة ملحة حول هذه اللحظة من التغيير - والتفكير - موقف واشنطن في الشرق الأوسط.

أولا: ما الذي يعنيه انتهاء مهمة عملية العزم الصلب بالنسبة لمستقبل التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والعراق؟

إن الانتقال إلى إطار تعاون أمني ثنائي في وقت السلم، بناءً على طلب بغداد، سيكون بمثابة اختبار مهم لكل من الولايات المتحدة والعراق. ويتمثل أكبر خطر في تكرار إهمال واشنطن وإساءة استخدام بغداد للقوات الأمنية لأغراض سياسية بعد عام 2011، مما مهد الطريق لظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). ومن عيوب هذا الانتقال أيضاً أن انتهاء عملية "العزم الصلب" سيترك العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق عند أدنى مستوياتها منذ عام 2014، وذلك في الوقت الذي ستتولى فيه حكومة جديدة السلطة في بغداد بعد الانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني. ولتجنب إهدار المكاسب التي تحققت من هزيمة داعش، والعمل على تعزيز استقرار العراق الهش، يتعين على واشنطن وبغداد الالتزام بشراكة مستدامة في مجالات مهمة، مثل تبادل المعلومات الاستخبارية، والمشتريات، والتدريب، وتطوير القيادات، بدلاً من اعتبار انتهاء عملية "العزم الصلب" ذريعة لقطع العلاقات الأمنية.

- عمر النداوي محلل للشؤون السياسية والأمنية والطاقة في الشرق الأوسط، وهو المدير الحالي لبرامج مركز "تمكين السلام في العراق".

في الاتفاق الذي أعلنته الولايات المتحدة والعراق في العام الماضي، تضمن انتهاء عملية "العزم الصلب" التزاماً بتحويل التعاون الأمني إلى شراكة أمنية ثنائية مع العراق. ويسمح هذا التحول بتعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين في مجالات الاهتمام المشتركة، مثل مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، وأمن الحدود، والتدريبات، وتبادل المعلومات. ومن خلال هذا التعاون الثنائي الأكثر تركيزاً، ستتاح للولايات المتحدة فرصة إشراك العراق في بعض جوانب استراتيجية القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأوسع نطاقاً، وتعزيز التعاون الأمني متعدد الأطراف مع بعض جيران العراق لمواجهة التهديدات الإقليمية، بما في ذلك مواصلة محاربة تنظيم داعش. كما سيساهم تعزيز الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق في تحسين التعاون والتكامل بين القوات الأمنية العراقية والكردية. لا يزال تنظيم داعش يشكل تهديداً إقليمياً وعالمياً، لذا فإن بناء شراكة طويلة الأمد مع القوات الأمنية العراقية والكردية لتعزيز دورها في مكافحة داعش يجب أن يبقى هدفاً رئيسياً في المستقبل القريب. وأخيراً، فإن تعزيز الشراكة الأمنية يتيح فرصة أكبر للمشاركة والتدخل في عملية إصلاح القطاع الأمني في العراق، وفي الجهود الرامية إلى جعل قوات الحشد الشعبي، المدعومة من إيران، أكثر مسؤولية أمام الدولة. ومع إعادة نشر القوات الأمريكية، ينبغي ألا يكون التركيز على عدد القوات الأمريكية المتبقية في العراق أو مواقع انتشارها، بل ينبغي أن يستند مستقبل هذه الشراكة إلى المجالات التي ستكون محور اهتمامها، وكيفية تعزيز التعاون الأمني الثنائي من خلال اللجنة العسكرية العليا المشتركة بين العراق والولايات المتحدة، والحوار الأمني السنوي الرسمي.

— ألينا ل. رومانوفسكي، زميلة بارزة في مبادرة سكاوكروافت للأمن في الشرق الأوسط التابعة لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي. شغلت منصب سفيرة الولايات المتحدة لدى العراق (2022-2024) والكويت (2020-2022).

ثانياً: كيف سيؤثر انتهاء مهمة قوات التحالف في العراق على العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق؟

ان قرار انهاء عملية العزم الصلب متأخر جدا وكان ينبغي اتخاذه قبل ثمان سنوات. فقد حققت هزيمة تنظيم داعش عام ٢٠١٧ هدفين هما: إزالة التهديد الوجودي الذي واجهته العملية الانتقالية في العراق نحو الديمقراطية بعد عام 2000، وإعادة هيكلة الجيش العراقي ليصبح قوة أمنية فعّالة قادرة على حماية الشعب العراقي من أي تهديد مماثل. بعد تحقيق هذين الهدفين، لم يعد هناك مبرر لبقاء البنية الأمنية التي كانت قائمة خلال فترة الحرب. ومن هنا، أرسلت هذه العملية رسالة خاطئة للعراقيين مفادها أن القوات الأمريكية ستستمر في البقاء في العراق بشكل دائم.

إن نجاح المفاوضات وتنفيذها يمثلان خطوات إيجابية. ومع بدء تطبيق اتفاقية الأمن الثنائية الجديدة، يمكن للعراق والولايات المتحدة الحفاظ على مستوى فعال من الردع لمواجهة أي تهديدات أمنية محتملة، سواء كانت داخلية أو خارجية، للعراق والمنطقة. وهذا يمهد الطريق أمام تعزيز التعاون في مختلف المجالات، بما يتماشى مع روح ومضمون الاتفاقية الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والعراق. لقد صعب غزو الولايات المتحدة للعراق وما تلاه من أحداث، بالإضافة إلى طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العراق والشرق الأوسط، من إقناع الشعب العراقي بفكرة شراكة مثمرة بين الولايات المتحدة والعراق. إن الالتزام الكامل بتنفيذ هذه الاتفاقية سيساهم بشكل كبير في تحقيق هذا الهدف.

— عباس كاظم باحث أول في مبادرة العراق التابعة لمجلس الأطلسي. شغل منصب مدير مبادرة العراق في برامج الشرق الأوسط التابعة لمجلس الأطلسي حتى يوليو 2025. كما شغل منصبًا قياديًا في الشؤون الحكومية في السفارة العراقية في واشنطن.

تعد نهاية المهمة التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) نقطة تحول مهمة في مشاركة الولايات المتحدة في العراق، حيث توفر فرصة لإعادة تشكيل الشراكة الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق، وكذلك العلاقة العامة مع العراق. بالنسبة للعراق، فإن رحيل القوات الأمريكية من العراق الاتحادي هو إعادة تأكيد للسيادة العراقية بعد أكثر من عقدين من وجود القوات الأجنبية. لا يزال الوجود العسكري الأمريكي نقطة جدل سياسية على المستوى الداخلي، ويمكن أن يؤدي تطبيع هذه الشراكة الأمنية إلى تقليل مصدر الاحتكاك. بالنسبة للولايات المتحدة، فإنه يمثل نهاية ”الحرب الأبدية“ الأولى، وهي تدخل عسكري كلف في النهاية مليارات الدولارات وآلاف الأرواح العراقية والأمريكية. ظلت هذه العلاقة راسخة بفضل الوجود العسكري الأمريكي المستمر، حتى مع استمرار تراجع العراق عن وعي الجمهور الأمريكي، وبشكل متزايد عن وعي صانعي السياسة الأمريكيين. على الرغم من أن العراق سيظل مهمًا لتعزيز مصالح الأمن القومي الأمريكي في الشرق الأوسط، فإن هذه هي أيضًا لحظة مناسبة لإنشاء شراكة أكثر توازنًا. يجب أن تركز مشاركة الولايات المتحدة على توسيع العلاقات الثنائية من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية، بما في ذلك تشجيع الاستثمار في قطاع الطاقة العراقي الذي لا يزال غير مستغل. كما أن تعزيز استقلال العراق في مجال الطاقة وازدهاره سيسهم في نهاية المطاف في جعل العراق أكثر استقرارًا وأمانًا.

—فيكتوريا ج. تايلور هي مديرة مبادرة العراق في برنامج الشرق الأوسط التابع لمجلس الأطلسي. شغلت مؤخراً منصب نائبة مساعد وزير الخارجية لشؤون العراق وإيران في مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية، حيث قدمت المشورة لكبار قادة وزارة الخارجية بشأن العراق وإيران في أعقاب صراع غزة. 

 ثالثا: هو إرث البعثة العسكرية الأمريكية في العراق؟

إن إرث البعثة العسكرية الأمريكية في العراق هو إرث مليء بالتناقضات العميقة. ففي حين أنها قضت على دكتاتورية صدام حسين، وأرست أسس نظام سياسي جديد، ومكنت من هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، إلا أنها تسببت أيضًا في استمرار عدم الاستقرار، والتفكك الطائفي، وتغير جذري في ديناميات القوة الإقليمية. بالنسبة للعراقيين، تباينت العواقب بشكل حاد. بالنسبة للعديد من السنة، كان سقوط صدام حسين بمثابة انهيار لهيمنتهم السياسية التاريخية، مما أدى إلى تهميشهم وتعرضهم للعنف وظهور التمرد. بالنسبة للأكراد، كان الأمر أقرب إلى قصة تحرير: فقد مكنت البعثة الأمريكية من توطيد حكومة إقليم كردستان، مما عزز الأمن النسبي والاستقلال السياسي والنمو الاقتصادي. بينما بالنسبة للأغلبية الشيعية، فإن التفاؤل الأولي، الذي كان متجذراً في التمثيل السياسي الجديد، حل محلها تدريجياً خيبة الأمل مع تعثر الحكم وانتشار الفساد وتفاقم العنف الطائفي. من منظور جيوسياسي، أسفرت المهمة الأمريكية عن نتائج غالباً ما توصف بأنها عكسية. فقد مهدت الإطاحة بالديكتاتور العراقي السابق الطريق لطهران لتوسيع نفوذها من خلال القنوات السياسية والاقتصادية وشبه العسكرية في جميع أنحاء العراق والشرق الأوسط بشكل عام.

كانت التكلفة البشرية للتدخل مهولة حيث قُتل مئات الآلاف من المدنيين العراقيين، ونزح الملايين، وتعرضت البنية التحتية للبلاد لأضرار كارثية. إلى جانب الدمار المادي، أدت الحرب إلى زعزعة التماسك الاجتماعي، وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة، وخلقت جيلاً مصاباً بآثار الصراع. بالنسبة للعديد من المراقبين، تمثل هذه العواقب الإنسانية والتنموية الأبعاد الأكثر ديمومة ومأساوية للمهمة الأمريكية .يُنظر إلى هذه النهاية على نطاق واسع على أنها انتكاسة استراتيجية لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، حيث أدى ذلك إلى تغيير ميزان القوى الإقليمي بطرق عززت مكانة إيران بينما شددت التوتر على تحالفات واشنطن. كثيراً ما يشير المحللون إلى العراق كقصة تحذيرية عن ”التجاوز الجيوستراتيجي“، حيث أدى النجاح العسكري قصير المدى إلى تقويض الاستقرار الاستراتيجي طويل المدى.

—يريفان سعيد هو زميل غير مقيم في مبادرة العراق في برامج الشرق الأوسط التابعة لمجلس الأطلسي. سعيد هو باحث بارزاني مقيم في قسم السياسة والحكم والاقتصاد في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأمريكية، حيث يشغل أيضاً منصب مدير المبادرة الكردية العالمية للسلام.

لعبت المهمة العسكرية الأمريكية الثانية في العراق، التي انطلقت في عام 2014، دورًا حاسمًا في تحرير العراق من تنظيم داعش، والمساهمة في هزيمته في سوريا. فبدون التدخل الأمريكي، وبسبب ضعف قدرات القوات العراقية آنذاك، كان من الممكن أن تمتد الحرب لسنوات، مع احتمال تصاعد العنف الطائفي وانتشاره. ورغم أن الإنجازات العسكرية لهذه المهمة لا يمكن إنكارها، إلا أنها تُظهر أيضًا مخاطر التحالفات التي تُبرم تحت ضغط الظروف، إذ قد تزرع بذور نزاعات مستقبلية. والملفت للنظر أن الفصائل التي كانت تعتمد بشكل كبير على الدعم الأمريكي لمحاربة داعش، تحتفل الآن بخروج واشنطن من العراق باعتباره انتصارًا على "الاحتلال". ولكن مع انسحاب القوات الأمريكية من العراق، فإن ما تعتبره هذه الجماعات انتصارًا، قد يُمكّن إسرائيل والولايات المتحدة من استهدافها، والعراق بشكل عام، في أي مواجهة مستقبلية مع إيران.

ــ عمر النداوي

إن إرث البعثة الأمريكية في العراق معقد ومليء بوجهات نظر مختلفة بين الأمريكيين والعراقيين على حد سواء. خلاصة القول، من أجل مصالحنا الاستراتيجية، وقفت الولايات المتحدة إلى جانب العراقيين أكثر من أي دولة أخرى وعملت على تحقيق الاستقرار في العراق في مناسبات عديدة. نحن نتشارك في الخسائر المأساوية في الأرواح، والمصاعب التي واجهتنا في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والتحديات التي واجهتنا في إرساء الحكم الرشيد وسيادة القانون والمؤسسات الفعالة بعد سقوط صدام حسين. لا يشاطر جميع العراقيين وجهة النظر الإيجابية تجاه الولايات المتحدة، لكن الغالبية تدرك أن الشراكة القوية بين الولايات المتحدة والعراق، ليس فقط في المجالات الأمنية، أمر بالغ الأهمية لتنمية العراق وسيادته في المستقبل واستقرار المنطقة.

—ألينا ل. رومانوفسكي

رابعا: انسحاب ام تحول؟ 

ما إذا كان هذا انسحابًا أم انتقالًا سيعتمد على التفاصيل. لم تعلن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد عن كيفية تغيير وجود القوات الأمريكية، بما في ذلك ما إذا كانت القوات الأمريكية ستبقى في العراق الاتحادي، وكم عددها، وأين ستتمركز. تؤثر الإجابات على هذه الأسئلة بشكل مباشر على مستقبل التعاون الأمني بين الولايات المتحدة والعراق، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل شريكًا عسكريًا استراتيجيًا للقوات الأمنية العراقية. حتى مع انخفاض عدد القوات الأمريكية، يمكن للولايات المتحدة أن تدير انتقالًا فعالًا من التحالف العالمي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، إلى علاقة عسكرية ثنائية تحافظ على القدرات العملياتية الأساسية للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، فإن انسحابًا أكثر شمولاً للقوات الأمريكية وبرنامجًا ضيق النطاق للتعاون الأمني من شأنه أن يقلل بشكل كبير من نفوذ الولايات المتحدة في العراق ويوفر فرصة لإيران للاستغلال.

—فيكتوريا ج. تايلور

خامسا: كيف سيؤثر انهاء مهمة عملية العزم الصلب على المصالح الأمنية للولايات المتحدة بما يتعلق بإيران ومحاربة التطرف؟

بينما كان دور الولايات المتحدة في عملية "العزم الصلب" حاسماً في مكافحة تنظيم داعش، إلا أنه أثار استياء إيران التي تفضل عدم وجود أي وجود أمريكي في العراق أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط. لذا، نجد أنفسنا في موقف حرج. فداعش وإيران ما زالا يمثلان تهديداً، وإن كانا قد ضعفّا .مع تضاؤل قدرات داعش العسكرية في العراق، فإن وجوده العالمي سيجعل من الصعب القضاء عليه نهائياً. وإذا تبنت الحكومة العراقية القادمة سياسات تُبعد السنة عن المشاركة السياسية، فستتكرر الظروف التي مهدت لعودة داعش في عام 2014. لذا، من مصلحتنا بناء علاقة وثيقة مع بغداد لتعزيز سياسات أكثر شمولية، وتعزيز التعاون لمراقبة داعش والحد من نفوذه.

أما بالنسبة لإيران، فقد جعلت الضربات الإسرائيلية والأمريكية منها شريكاً أقل جاذبية، وهو ما ساهم في تردد فصائلها في العراق في التصادم مع إسرائيل، رغم خطابها العدائي. وفي الوقت نفسه، زاد هذا من إصرار طهران على الحد من العلاقات الأمريكية العراقية والوجود العسكري الأمريكي. لذلك، من المتوقع أن تُقابل ايران أي تحسن في العلاقات برد فعل يهدف إلى تقييد الوجود الأمريكي ومنع توسيع العلاقات الاقتصادية وغيرها، التي هي أساس استقرار العراق. في النهاية، من مصلحة العراق الحفاظ على علاقات مع الولايات المتحدة وإيران. وهذا يتطلب عملية توازن دقيقة، ومن غير المرجح أن يرضي أي من الطرفين. لكنني أعتقد أن مصالح العراق ثابتة: محاربة الإرهاب، وتجنب الصراعات الإقليمية، ودعم الاستقرار في المنطقة.

— أنتوني باف، باحث زائر في مبادرة العراق بمركز أطلس للدراسات الاستراتيجية، وأستاذ باحث في أخلاقيات المهنة العسكرية في معهد الدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة الدفاع الوطني الأمريكية في كارلايل، بنسلفانيا.

سيتوقف الكثير على ما إذا كانت الولايات المتحدة والحكومة العراقية المقبلة ستتعاملان مع العلاقة بعد عملية العزم الصلب بالجدية التي تتطلبها. إذا أسفرت انتخابات نوفمبر، كما هو متوقع، عن تشكيل حكومة تهيمن عليها بشكل أكبر فصائل «الاطار التنسيقي» – مع غياب المعتدلين مثل حيدر العبادي – فمن المرجح أن تكون العلاقات ضعيفة في أحسن الأحوال. وفي هذه الحالة، فإن فقدان الولايات المتحدة لـ ”عينها وأذنها“ في العراق سيخلق بيئة أكثر تساهلاً لإيران لتوسيع نفوذها وإعادة بناء قوتها الإقليمية، تعويضاً عن النكسات التي تعرضت لها حزب الله والإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا. ومن شأن مثل هذه التحركات أن تزيد من خطر انجرار العراق إلى الصراع الإقليمي المقبل، مع ما يترتب على ذلك من آثار كبيرة على استقرار الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي وخطر الإرهاب.

—عمر النداوي

سادسا: كيف سيؤثر انتهاء مهمة عملية العزم الصلب على المصالح الأمنية الأميركية في سوريا؟

إنهاء مهمة عملية العزم الصلب (OIR) من شأنه أن يضعف بشكل كبير المصالح الأمنية الأمريكية في سوريا. فقد كانت عملية العزم الصلب العمود الفقري لتبادل المعلومات الاستخباراتية والضربات المنسقة التي أبقت تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تحت السيطرة. وإذا انتهت المهمة دون إطار بديل، فإن خلايا داعش في البادية وعلى طول الحدود السهلة الاختراق قد تتجدد، مما يهدد الاستقرار الإقليمي وشركاء الولايات المتحدة.

من الناحية الاستراتيجية، فإن خسارة أربيل كمنصة للعمليات السورية بعد عام 2026 ستفرض الانتقال إلى الكويت، مما يقلل من القرب والمرونة والمصداقية. كما أن الأساس القانوني للعمليات الأمريكية، المرتبط حالياً برسالة العراق إلى الأمم المتحدة عام 2014، هش أيضاً - فإذا ألغتها بغداد، ستفتقر واشنطن إلى تفويض دولي واضح. وقد يوفر طلب سوريا الانضمام إلى التحالف العالمي لهزيمة داعش أساسًا قانونيًا جديدًا، ويحافظ على وجود التحالف، بل ويوسع المشاركة الأوروبية.

وبعيدًا عن مكافحة الإرهاب، فإن إنهاء عمليات التحالف الدولي ضد داعش سيؤدي إلى تآكل نفوذ الولايات المتحدة تجاه روسيا وإيران داخل سوريا. بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الحفاظ على مهمة موثوقة لمكافحة داعش لا يقتصر على هزيمة داعش فحسب، بل يتعلق بالحفاظ على النفوذ وضمان أمن الحلفاء ومنع حدوث فراغ يمكن أن يستغله الخصوم لتقويض الاستقرار الإقليمي والانتقال الهش في سوريا.

—إبراهيم العسيل هو مدير مشروع سوريا في برامج الشرق الأوسط التابعة لمجلس الأطلسي. العسيل هو أيضاً باحث ما بعد الدكتوراه في مبادرة الشرق الأوسط التابعة لجامعة هارفارد في مركز بلفر.

يأتي انتهاء مهمة عملية العزم الصلب (OIR) في العراق على خلفية التحول السياسي في سوريا، مع احتمال أن يُهيئ عدم الاستقرار في سوريا فرصةً لعودة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). ويظل الوجود العسكري الأمريكي في العراق المنصة اللوجستية الأساسية، ليس فقط لعمليات داعش في العراق، بل في سوريا أيضًا. وبينما يُرجح أن يُضعف تقليص الوجود العسكري الأمريكي في العراق الاتحادي قدرات مكافحة داعش هناك، فإن الموعد النهائي المحدد في سبتمبر/أيلول 2026 لإنهاء المنصة اللوجستية في العراق لعمليات عملية العزم الصلب في سوريا سيُشكل تحديًا أمنيًا أكبر إذا اختارت الولايات المتحدة مواصلة وجودها العسكري في سوريا. وبشكل أعم، لا تزال الشراكة الأمنية الأمريكية مع العراق تُمثل ثقلًا موازنًا للنفوذ الإيراني في العراق. كما أن حجم ونطاق العلاقة الأمنية الأمريكية المستقبلية مع العراق يُثير قلق الشركاء الإقليميين الآخرين الذين يرغبون في رؤية عراق مستقر، حيث تُراقب دول الخليج والأردن وإسرائيل الخطوات التالية عن كثب.

 —فيكتوريا ج. تايلور

سيُوفر استمرار عملية العزم الصلب (OIR) في العراق لدعم عمليات مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في سوريا حتى نهاية عام 2026 مجالًا رئيسيًا للتعاون الأمني الثنائي بين الولايات المتحدة والعراق، والمشاركة في الحوار الإقليمي حول مسار الحكومة السورية الجديدة. ما يحدث في سوريا قد يؤثر على استقرار العراق والمنطقة. يشعر رئيس الوزراء العراقي وقواته الأمنية بالقلق إزاء الوضع الأمني في سوريا، بما في ذلك حركة الجهات الفاعلة غير الحكومية والإرهابيين وتهريب المخدرات عبر الحدود السورية العراقية. ومع انتهاء عملية العزم الصلب، ستُوفر القضايا الأمنية عبر تلك الحدود وفي سوريا مجالًا حيويًا آخر لتعزيز التعاون الثنائي.

—ألينا ل. رومانوسكي

سابعا: كيف يتسنى للولايات المتحدة ضمان ان لا يتسبب انهاء عملية العزم الصلب بتراجع النفوذ الأمريكي؟ 

ستحتاج الولايات المتحدة إلى البقاء منخرطة بشكل وثيق في بناء شراكة أمنية تدعم المصالح الأمريكية في المنطقة وتشكل عملية صنع القرار العراقي. في حين أن واشنطن وبغداد ترغبان في رؤية زيادة الاستثمارات الاقتصادية في العراق، إلا أن العديد من القضايا لا تزال مثيرة للجدل، بما في ذلك مأسسة قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، والفساد، وتهريب النفط، والنفوذ الإيراني، والجهات الفاعلة المسلحة غير الحكومية، والجماعات الإرهابية التي تقوض سيادة العراق. ستعقّد هذه القضايا وغيرها استمرار التعاون العسكري الأمريكي. بدون شراكة أمنية أمريكية، ستقل احتمالات الاستثمار الاقتصادي الأمريكي الإضافي في العراق بشكل كبير. إن الزيارة الأخيرة لقائد القيادة المركزية الجديد، نائب الأدميرال براد كوبر، بعد وقت قصير من توليه منصبه الجديد، ترسل إشارة إلى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وقيادته العسكرية - وكذلك إلى المنطقة - بأن الشراكة الأمنية النشطة بين الولايات المتحدة والعراق لا تزال مهمة للولايات المتحدة. والآن، الأمر متروك للعراقيين لتحقيق ذلك.

—ألينا ل. رومانوسكي

ثامناً: كيف تغيرت مواقف السنة تجاه الوجود العسكري الأمريكي وكيف تنظر الطائفة السنية إلى رحيل القوات الأمريكية؟

بدأت مواقف العرب السنة تجاه الولايات المتحدة تتغير بشكل إيجابي قبل وقت طويل من عملية «العزم الصلب (OIR) — خلال مرحلتي «الاندفاع» و«الصحوة» من المهمة، عندما أدرك الكثيرون أن التعاون مع الولايات المتحدة هو أفضل طريقة لهزيمة القاعدة في العراق والحد من نفوذ المتشددين الشيعة في بغداد. واستمرت هذه النظرة البراغماتية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). اليوم، مع هزيمة داعش وتزايد الطابع التبادلي للسياسة العراقية، قد يشعر القادة السنة بأنهم أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة كحاجز وقائي. ومع ذلك، لا تزال المجتمعات السنية عرضة للخطر: سواء كان التهديد هو عودة داعش من سوريا، أو حرب إقليمية، أو تجدد الصراع الطائفي، فغالبًا ما تتحمل هذه المجتمعات تكاليف باهظة عندما يدخل العراق في أزمة أخرى.

ــ عمر النداوي

تاسعاً: كيف تنظر النخبة السياسية الشيعية إلى نهاية مهمة عملية العزم الصلب ومستقبل الشراكة بين الولايات المتحدة والعراق؟

ينظر القادة الشيعة العراقيون إلى هذه اللحظة بمشاعر مختلطة. فمن ناحية، تخدم نهاية مهمة عملية العزم الصلب ميولهم ومصالحهم المؤيدة لإيران. ان طهران تتحول بشكل متزايد الشريك الاستراتيجي والحامي الأول للزعماء الشيعة، والضامن لهدفهم الاسمى في البقاء في السلطة. لدى إيران بالفعل إنجازات واضحة في مساعدة هؤلاء الزعماء على الحفاظ على هذا النفوذ - خلال معترك الانتخابات بعد عام 2021، ساعدت طهران القادة الشيعة على هزيمة التحدي الصدري. من ناحية أخرى، فإنهم قلقون من فقدان الولايات المتحدة بسبب اعتمادهم على إيران. من الصعب جدًا عليهم إيجاد توازن مريح بين واشنطن وطهران، لا سيما بالنظر إلى تقلص مجال المناورة الذي يواجهونه نتيجة المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران.

—عقيل عباس أكاديمي وصحفي مقيم في واشنطن العاصمة. تتناول أبحاثه ومنشوراته الهويات القومية والدينية، فضلاً عن الحداثة والديمقراطية في الشرق الأوسط.

عاشراً: ما هو تأثير انتهاء عملية العزم الصلب على المصالح الكردية، وكيف سيساهم ذلك في إعادة تشكيل الديناميكيات بين أربيل وبغداد؟

سيأتي أول اختبار حقيقي للهيكل الفيدرالي العراقي وقبول إقليم كردستان كمنطقة حكم ذاتي اتحادي بعد سبتمبر/أيلول 2026، مع انتهاء مهمة عملية العزم الصلب. إذا اختارت واشنطن الانسحاب الكامل بعد عام 2026، فستواجه المصالح الكردية بلا شك انتكاسات كبيرة. لا شك أن الوجود العسكري الأمريكي كان، بالنسبة لأكراد العراق، مظلة أمنية ضد بغداد، وضامنًا استراتيجيًا للحكم الذاتي الكردي. سيؤدي غياب القوات الأمريكية إلى ترجيح كفة ميزان القوى بشكل حاسم لصالح بغداد، مما يُضعف النفوذ الكردي. تاريخيًا، كان لهذا الخلل عواقب مزعزعة للاستقرار. فقد خلق الانسحاب الأمريكي عام 2011 فراغًا سياسيًا، حيث همشت الحكومة ذات القيادة الشيعية السياسيين السنة، مما أجج المظالم التي بلغت ذروتها مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). ويخشى القادة الأكراد من مسار مماثل اليوم، حيث قد تتخذ بغداد إجراءات أكثر صرامة لتقليص الحكم الذاتي الكردي وترسيخ السلطة المركزية.

 لذا، سيُعيد رحيل عملية العزم الصلب تشكيل ديناميكيات العلاقات بين أربيل وبغداد، بإزالة عامل استقرار خارجي رئيسي. بالنسبة للأكراد، لم تكن القوات الأمريكية مجرد وجود عسكري؛ بل كانت ركيزة للأمن والاستقرار والنفوذ. وسواءٌ أكانت حقبة ما بعد عملية العزم الصلب تعكس حالة عدم الاستقرار التي أعقبت عام ٢٠١١، أم انها ستفتح الباب امام بروز بغداد أكثر براغماتية، فإن ذلك سيعتمد على رغبة الحكومة المركزية في تجنب تكرار أخطاء الماضي. فهل ستعود بغداد إلى المركزية الاستبدادية التي قد تُفاقم الانقسامات العرقية والطائفية؟ أم ستُقرّ تسويات دستورية وتُقرّ بأن الاستقرار الدائم يتطلب احترام الأطر الدستورية؟ تمتد المخاطر إلى ما هو أبعد من الحكم الذاتي الكردي: فالنتيجة ستؤثر على التماسك الداخلي للعراق وتوازن القوى الأوسع في الشرق الأوسط.

— يريفان سعيد

 

Comments