00:00:00
توقيت بغداد
2026أبريل05
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: عبدهي وليد سياجانيس - ترجمة المعهد العراقي للحوار

إندونيسيا وسعيها وراء “الذهب الأزرق”: استراتيجيتها في منطقة قاع البحار الدولية

لقد صدّقت إندونيسيا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) بموجب القانون رقم 17 لعام 1985. ولم يكن هذا التصديق مجرد إجراء دبلوماسي شكلي، بل تجسيداً فعلياً لرغبة إندونيسيا في أن تكون جزءاً من منظومة الحوكمة البحرية العالمية وتنظيم شؤون الملاحة والموارد البحرية. ومع 158 دولة أخرى، تلتزم إندونيسيا بضمان إدارة الموارد البحرية، بما في ذلك المعادن، وفق مبادئ المسؤولية والازدهار المشترك.

الإطار القانوني الدولي ودور إندونيسيا

حددت اتفاقية 1982 المناطق البحرية الخاضعة لسيادة الدول واختصاصها، وكذلك المناطق الدولية المعروفة باسم “المنطقة” (The Area)، وهي قاع البحار والمحيطات وما تحتهما من تربة خارج حدود الولاية الوطنية للدول. وتُعد جميع الموارد الطبيعية في هذه المنطقة “تراثاً مشتركاً للبشرية”، كما ورد في ديباجة اتفاقية تنفيذ الجزء الحادي عشر من اتفاقية قانون البحار لعام 1982، وأكدته القوانين الوطنية الإندونيسية بمرسوم رئاسي رقم 178 لعام 1999.

وبالنظر إلى إدماج القانون الدولي في التشريعات الوطنية – كما في القانون رقم 17 لعام 1985 والمرسوم الرئاسي رقم 178 لعام 1999 – فإن ذلك لا يُعبر فقط عن التزام إندونيسيا بالقانون الدولي، بل يمنحها فرصة للعب دور نشط في المنطقة الدولية لقاع البحار.

وتجسّد هذا الدور أكثر من خلال اللائحة الرئاسية رقم 80 لعام 2023 بشأن الدور النشط لإندونيسيا في المنطقة الدولية لقاع البحار، التي تهدف إلى تعزيز مشاركة البلاد في إدارة الموارد المعدنية والبحوث العلمية البحرية وفقاً للوائح السلطة الدولية لقاع البحار (ISA) على نحو مستدام.

من الاستكشاف إلى الاستغلال: الطريق الطويل نحو أعماق البحار

تُعد أنشطة التنقيب في “المنطقة” شديدة التنظيم، وتخضع لمراحل واضحة:

1. مرحلة التحري (Prospecting):

وهي مرحلة البحث الأولي لتحديد الخصائص الجيولوجية العامة ومؤشرات التمعدن وتقدير الموارد وتوزيعها وقيمتها الاقتصادية، دون منح أي حقوق حصرية. وهي مرحلة علمية بحتة.

2. مرحلة الاستكشاف (Exploration):

تستهدف المواقع الواعدة التي حُددت في المرحلة السابقة، وتشمل دراسات متعمقة لتحديد نوعية وكميات المعادن، إضافة إلى تقييم الأثر البيئي والتحضيرات التقنية اللازمة.

3. مرحلة الاستغلال (Exploitation):

وفيها تُستخرج المعادن من قاع البحر وتُعالج وتُوزع، مع التزام صارم بمعايير حماية البيئة واستدامة النظام البحري، وفقاً للوائح السلطة الدولية لقاع البحار (ISA).

إندونيسيا في قلب الأنشطة البحرية الدولية

باتت مشاركة إندونيسيا في أنشطة المنطقة أكثر وضوحاً مع صدور اللائحة الوزارية رقم 11 لعام 2025 عن وزارة الطاقة والموارد المعدنية (Permen ESDM 11/2025) بشأن آليات إدارة واستغلال المعادن في المنطقة الدولية لقاع البحار.

تفتح هذه اللائحة الباب أمام الشركات الحكومية والخاصة والمستثمرين المحليين والأجانب للمشاركة في مراحل التحري، والاستكشاف، والاستغلال، لكن ضمن شروط صارمة تشمل تقديم وثائق إدارية وتقنية مفصلة، وخطط عمل مدروسة وشفافة، وتقييمات بيئية وفق معايير السلطة الدولية.

المتطلبات القانونية والتقنية

المرحلة الأولى (التحري): تتطلب خطة مفصلة تحدد الموقع والإحداثيات وأسس اختيار المنطقة وطرق المسح والتحليل.

المرحلة الثانية (الاستكشاف): تشترط استيفاء المعايير القانونية والتقنية والبيئية. وتُلزم الشركات الأجنبية بتقديم ما يثبت شرعيتها والتزامها بالقوانين الوطنية والدولية وتوقيع عقد مع السلطة الدولية.

المرحلة الثالثة (الاستغلال): تُعتبر ذروة العملية، حيث يتطلب الأمر استيفاء جميع الشروط القانونية والبيئية والمالية. وتمنح الحكومة الإندونيسية ضمانات قانونية للشركات التي اجتازت مرحلة الاستكشاف بنجاح.

ويجري تقييم خطط العمل من قبل لجنة تنسيق حكومية تضم وزارات ومؤسسات عدة، لضمان مطابقتها للمعايير الدولية والمعايير الوطنية. وإذا استوفت الوثائق جميع الشروط، يمنح وزير الطاقة الموافقة خلال 15 يوماً عمل، قبل إرسال شهادة الدعم إلى السلطة الدولية لقاع البحار (ISA).

نحو إعادة تنظيم سياسات استغلال المعادن

تُظهر هذه التطورات أن اتفاقية قانون البحار لعام 1982 أصبحت حجر الأساس لسياسة إندونيسيا في إدارة الموارد المعدنية في المنطقة، المعترف بها كتراث مشترك للبشرية. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات قانونية وطنية تتعلق بتنظيم عمليات الاستكشاف والاستغلال، خصوصاً في مراحل “تكرير” أو “تصنيع” المعادن المستخرجة (downstreaming).

ولذلك تحتاج الحكومة الإندونيسية إلى تطوير إطار قانوني وطني متكامل يتماشى مع مبادئ اتفاقية قانون البحار ولوائح السلطة الدولية، ليس فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية، بل أيضاً لترسيخ مكانتها الجيوسياسية وتعزيز سيادتها البحرية.

Comments