مجلة حوار الفكر تحاور د. عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية
في سياق اهتمامها بملفات التحوّل السياسي والثقافي في العراق، تواصل مجلة حوار الفكر حواراتها مع الشخصيات الوطنية وصنّاع القرار والفكر لمناقشة القضايا التي تمسّ بنية الدولة العراقية ومسارها الديمقراطي.
وفي هذا الإطار، أجرت المجلة في عددها الخامس عشر الصادر في 15 كانون الأول 2010 حواراً مع الدكتور عادل عبد المهدي، نائب رئيس الجمهورية آنذاك، تحدّث فيه عن مفهوم الثقافة السياسية بوصفها الإطار الذي يحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع والفرد، ودورها في ترسيخ الوعي الوطني وتنظيم الشأن العام وبناء نظام سياسي منسجم مع المصالح العامة والحقائق التاريخية والاجتماعية للعراق.
وفيما يلي نص الحوار
حوار الفكر: ما هي روافد الثقافة السياسية بشكل عام؟
د. عادل عبد المهدي: الجغرافيا والتاريخ والشعب والديموغرافيا والمزاجية او النفسية او القيمية او ما يسمى بالمزاج الشعبي او القيم العامة وعوامل القوة والضعف، والعوامل البرانية والجوانية والبنى الفوقية والتحتية.. انها قوانين او قواعد او تقاليد الحكم والسلطة والدولة سواء في الحفاظ عليها او في تغييرها وطرائق ذلك.. انها الادارة والعلاقات الدولية او المنظومات الاقليمية والدولية ونظام القيم المتغيرة حسب الزمان والمكان والتاريخ.
الثقافة السياسية تطورت كثيراً. فهي ان كانت في فترة ما "الاحكام السلطانية" للماوردي او "قوانين الدواوين" لابن مماتي، او "المقدمة" لابن خلدون، او "صبح الاعشى" للقلقشندي او "الخطط المقريزية" والمئات من الاعمال المتعلقة بشؤون الامامة والخلافة والسلطنة والامارة والولاية والدولة والناس وشؤون الادارة وقضايا الحرب والسلم وغيرها من شؤون فانها اليوم تطورت في الزمان والمكان اذ صارت تلك الشؤون واخرى مستجدة.. لقد تطور مفهوم الدولة من اليد الغالبة القاهرة والمتداولة عموماً عن طريق القوة والغلبة او الوراثة الى مفهوم الدولة المشروطة بدستور وقوانين محددة.. تطور مفهوم الدولة من حق خارجي ميتافيزيقي او فيزيقي الى عقد مؤقت يمنحه المواطن للحاكم عبر صناديق الاقتراع ومفاهيم الديمقراطية وتداول السلطة والفصل بين السلطات.. تطور مفهوم المواطن والانتماء لوطن او شعب او جماعة من تابعية الانسان الى الحاكم الى تابعية الحاكم للمواطن والشعب في عملية تطور او تراكمات تاريخية لم ولن تعرف ابداً الخط المستقيم في صعودها او مسيرتها.
تطورت مفاهيم حقوق الانسان والمرأة والعلاقات الدولية وحقوق المعارضة والجماعات والثقافات فازداد حقول الثقافة السياسية وتشعبت وتقاطعت مع دوائر اخرى مما جعل دائرة الثقافة السياسية اليوم دائرة واسعة للغاية لا تتعلق بالحكم والسلطة كما رأى ميكافيلي في "الامير" فقط بل بالثورة ايضاً كما نظر لذلك لينين في "الدولة والثورة" كمثال من مئات بل والالاف الامثلة.. لا تتعلق بحركة الاساطيل والطائرات لبسط النفوذ والاستيلاء والسيطرة بل بفنون مقاومة ذلك والتحرر منه سواء باسلوب غاندي في مواجهة الاحتلال البريطاني.. او باسلوب الامام الخميني (قدس سره) في مواجهة السيطرة الشاهنشاهية او الامريكية.. او مواجهة الفلسطينين للاحتلال الاسرائيلي وقس على ذلك..
حوار الفكر: ما الذي يميز الثقافة السياسية عن الإيديولوجية؟
د. عادل عبد المهدي: الثقافة السياسية لها علاقة بالبنية السياسية وتطوراتها وطرائق عملها.. اما الايديولوجية فلها علاقة بالفلسفة الكلية وطبيعة نظرة الانسان للحياة ومابعد الحياة وعلم الافكار المحسوسة وغير المحسوسة. السياسة هي علم الدولة او تسييس الدولة (من فعل ساس الامر او ساس الحصان) وبالتالي الشعب.. اما الايديولوجيا فهي القناعات الذهنية او الفلسفية او الدينية التي لها مرجعيات وتصوغ هدفيات تنظم حياة الانسان ازاء قضايا الخلق والحياة والموت والاخر، الخ. الايديولوجيات تشكل بدايات بناء الدول.. والدول تصنع بالنتيجة ايديولوجياتها.
حوار الفكر: تعاني بعض المجتمعات من ضعف الثقافة السياسية.. ما هي في اعتقادك أسباب هذا الضعف؟
د. عادل عبد المهدي: تتعلق قوة او ضعف الثقافة السياسية بوجود حياة سياسية اصلاً وممارسة افراد المجتمع لادوات عمل السياسة. هناك فرق كبير بين انسان يقرأ عن الانتخابات كوسيلة لاختيار الحاكم وبين انسان يمارس الانتخابات ويصبح له حق الاختيار وتحديد من يرشحه للحكم، فما بالك ان يكون مرشحاً ويسعى لتحصيل العلوم والفنون لتحقيق اهداف محددة.
أما الوسائل اللازمة لتطوير الثقافة السياسية فمن أول شروطها امكانية ممارسة السياسة حقاً بالمعنى الايجابي والعلني وليس بمعنى الحياة السرية التي تشكل جانباً واحداً او احادياً او محدوداً للممارسة السياسية. وعندما تتوفر امكانية ممارسة السياسة بمعناها الواسع والعريض فان التطوير يتم عبر الممارسات والمؤسسات والدراسات والاعداد وتربية الكادر وانظمة الترويج والتدريب وممارسة العمل في مختلف انواع النشاطات او الفعاليات.
حوار الفكر: ما هي خصائص الثقافة السياسية العراقية؟
د. عادل عبد المهدي: تراجعت الحياة السياسية في العراق بتراجع نظامه السياسي. فالنظام السياسي الذي كان ضعيفاً اصلاً منذ تاسيس المملكة او الدولة العراقية المعاصرة، بل الذي كان ضعيفاً قبل ذلك بدل ان يتطور نحو المزيد من التراكمات الايجابية الصانعة لتقاليد العمل السياسي وادواته المختلفة كالانتخابات والمجالس التشريعية والسلطات المختلفة ووسائل الرأي والتعبير وحرية الصحافة والاحزاب وتداول السلطة والدستور والعمل المؤسساتي وبناء مؤسسات الرأي العام، بدل ذلك كله رأينا تقلص مفهوم العمل السياسي امام ازدياد نظريات الانقلابات العسكرية والاستيلاء على السلطة من قبل الجيش .. او وسائل العنف والتمرد ثم الحزب الواحد ثم الفرد الواحد، والسيطرة على كافة مناحي الحياة وتكييفها وفق رغبات الحاكم، لتزداد ممارسات القمع والسجون والاعدامات والاغتيال وكبح الحريات وغلق كافة مجالات العمل السياسي وبالتالي الثقافة السياسية البناءة والايجابية.
لذلك نلاحظ ان خصائص الثقافة السياسية السائدة عندنا اليوم تعكس واقع النظام السياسي الذي عاشته البلاد. وهذا بحث طويل لا يمكن هنا سوى الاشارة الى بعض الخصائص وليس كلها. فهناك خصائص تتعلق باستمرارية قيم الماضي كالاستبداد والفردنة وغياب الدستورية والمؤسساتية ونظرية الحكم والعقد التأسيسي. هذه الفردية وغياب المؤسساتية لا نجدها على صعيد مؤسسات الدولة فقط بل نجدها في الاحزاب والحركات. فالعلاقة مع الشعب هي ليست علاقة تمثيلية او ارادية، بل علاقة استغلالية او استخدامية.
كذلك نلاحظ تراجع مفهوم الجماعة او الامة او الشعب امام مفاهيم الطائفة والعشيرة والعصبة والجهة.. اما لعدم قدرة الجماعة او الامة احتواء التركيبات الفرعية او لقوة الاخيرة وحبسها الطريق امام المفاهيم الاولى.. مفاهيم غير واضحة عن دور الدين في السياسة ودور السياسة في الدين.. فالخصائص السياسية لا يمكن تبسيطها بعلاقة البداوة بالحضارة والمراة بالرجل والعشيرة بالمجتمع والدين بالدولة والتخلف بالتقدم، كما يلخصها المرحوم الاجتماعي الكبير على الوردي.. اعتقد انها اعمق من ذلك بل تتعلق بالعقد التاسيسي المناسب تماماً مع طبيعة وخصائص وظروف الشعب او المجتمع والذي يستطيع ان يخدم ويطور شؤونة والذي لم يتحقق لا في عشرينيات القرن الماضي ولا في المرحلة الملكية والمراحل الجمهورية كافة او في مرحلة بعد التغيير، فسادت انظمة السيطرة والاستبداد وليس انظمة الحكم والادارة الناجحة. فالسياسة بقيت مأزومة بل معرقلة وغير دافعة كما يجب ان تكون ولم تتحول الى نظام قادر على الانتاج المتجدد بزخم ذاتي ليس فقط مستديما بل متجدد بطاقات اوسع واكثر عطاءً وافرازاً.
نلاحظ مثلاً هشاشة البناءات الارتكازية او الاطارية.. فمفهوم "الرأي العام" بمعناه الوظائفي مفقود الى حد كبير لافتقاد وحدة المصالح والمخاوف والثوابت، بل احياناً لتشوش مفهوم الشعب والهوية رغم ان العراق بحقيقته الديموغرافية والجغرافيا بلد يمتد تاريخه الى الاف السنين. الرأي العام مؤسسة وليس مجرد انطباعات لدى هذا الفريق او ذاك، او "عواجل" تظهر في الفضائيات يصنعها صحفي طموح او فضائية تريد جذب المشاهدين اليها. "الراي العام" تعبير مؤسساتي ناتج ومنتج (بكسر التاء) عن شعور الامة او الشعب بوجود ثوابت ومشتركات يقف منها الجميع موقفاً مشتركاً.
ان "الراي العام" هو كمفهوم الفطرة او العفوية او الغريزة التي تدافع عن مصالحها ليس لان حزباً او زعيماً طالب بالتحرك بل لان كل التراكمات التاريخية والقيمية والوعي الجمعي المتشكل في لحظة وزمان معينيين يتحركان بالفطرة والعفوية المدركة الواعية التي تسمح لقائد او زعيم او حزب باستثمارها وفهم نبض الجماهير وتوجيه الموجة او فتح الاشرعة بالاتجاهات الصحيحة. انها ابعد ما يكون عن الاستخدام الدارج اليوم عند الكلام ان "الرأي العام" لا يقبل كذا وكذا او عند الكلام ان "شارعنا" لا يوافق على كذا وكذا. فهذه كلها مواقف تعكس الفوضى القائمة.
اما "الرأي العام" الظاهر او الباطن، المتحرك باسلوب عنيف او سلمي، ناطق او صامت، فهو حصانات الامة ودفاعاتها الاساسية التي تمنع كائناً من كان من التلاعب باساسيات الجماعة او الشعب او مصالح البلاد. انها قد تقابل ما كانت تزخر به امهات الكتب الاسلامية من مفهوم "الاجتماع"، ولم اقل "الجماعة" او "المجتمع" وعياً للفارق بين الاثنين.. "الاجتماع" بما يمكن ان يقابل في مفرداتنا المعاصرة المصالح الاجتماعية او النظام الاجتماعي، و "الراي العام" الحساس والمتربص لاية حركة يمكن ان تمس من نظام المصالح والثوابت لا كما نرى اليوم حيث يعتدى على الاساسيات والحقوق، بينما نرى الناس والاحزاب والاعلام ومراكز القرار كلها مشغول بامور واقاويل ولفظيات مكررة لا معنى لها وسطحية وتافهة لا تمثل جوهر المصالح الاساسية للبلاد وللعباد. يكون لدينا "رأي عام" عندما تعود الدماء الى العروق او تبنى المرتكزات والثوابت والمؤسسات والتقاليد والاعراف فتنتفض الامة لنداء "وامعتصماه"، لا فرق ان كانت الرواية التاريخية صحيحة او مختلقة فما يهمنا هو المدلول. يكون هناك "رأي عام" عندما يتم الاعتراض على "السيدة تاتشر" لا لانها اعتقلت ابرياء، بل فقط لانها ارادت تشريع البطاقة الشخصية.. فالبريطانيون حساسون جداً على حرياتهم وعلى امكانية انتهاك هذه الحريات عبر وسائل هي مشروعة تماماً لكنها قد تستثمر لاحقاً لانتهاك تلك الحريات.. "الراي العام" مؤسسة كما عندما نقول "مؤسسة الزواج" لها ثوابتها بحيث لا يصنع كل انسان نمطه الخاص لزواجه بل هناك تراكمات وثوابت واسس وحدود تجعل من الزواج زواجاً ومن الزنى زناً يعرفها الامي والمتعلم، البدوي والحضري، المتدين وغير المتدين، الرجل والمرأة.. الخ.
"الرأي العام" غائب الى حد كبير في حياة العراقيين لغياب الكثير من المرتكزات التي تصنعه لذلك لم نعرف سوى نمطين.. الاول تغييب النظام السياسي عن طريق الاستبداد والاحتكار ليصبح الرأي العام هو رأي الحاكم المستبد.. والثاني الفوضى والانقسام كما نشهد الى حد كبير اليوم.. وكل ما عدا ذلك هو خليط من هذين النموذجين.
ففي العراق لم نبن انطلاقاً من تاريخ زاخر وغني بالنظم السياسية الراقية التي عرفتها التجارب الاسلامية ولم نتعلم من التجارب العالمية التي طورت انظمتها السياسية مما وسم حالتنا بخصائص مشوهة او وليدة لا يسمح لها بالتطور بسبب استمرارية فوضى الافكار والمفاهيم والممارسات رغم المحاولات التي بذلت للاستظلال بدستور ومؤسسات ما زالت هشة وعرضة للانتهاك والتجاوز.
حوار الفكر: هل تعتقد ان الثقافة السياسية في العراق تعيش أزمة؟ أم أن المثقف السياسي العراقي يعاني من أزمة؟
د. عادل عبد المهدي: الاثنان يعيشان ازمة. فالثقافة السياسية غير موجودة بعمقها وفاعليتها الحقيقية لان النظام السياسي كان غائباً مفقوداً (ان كان قد تشكل اصلاً قبل ذلك) ذلك اذا ما اعتبرنا ان نظام الاستبداد واحتكار الحياة السياسية يمكن توصيفه حقاً بالنظام السياسي الذي يستحق هذا الاسم.
ولم يستقر لدينا بعد النظام السياسي الذي يمكن البناء عليه والتراكم وفقه. وان المثقف السياسي بالمعنى الوظائفي -وليس بالمعنى الشخصي او الفردي- غير موجود حقيقة لان المقصود بالمثقف السياسي هو ذلك الذي له دور محدد في منظومة سياسية يؤدي من خلالها دوراً وظائفياً في مؤسسة وظائفية. فهذا السؤال سيشبه القول هل ان هناك ازمة في المسرح ام في المسرحيين؟ والحقيقة هي ان المسرح يصنع مسرحيين والاخيرون يصنعون المسرح.. فلا وجود حقيقي بالمعنى الوظائفي لواحد دون الاخر.. وان الاول هو علة للثاني والعكس صحيح. ذلك اذا ما اردنا تجاوز الاستثناءات والحالات الفردية المتحركة من خارج المنظومة في الزمان والمكان. فقد يكون هناك مثقف سياسي لكنه وليد تجربة مضت ولم تعد قائمة.. او مثقف سياسي يرتبط بفاعلية سياسية من خارج المكان والحيز الذي تتحرك فيه المنظومة.
انتهى في 10/ 11/2010 في الساعة الثامنة والربع صباحاً في بغداد بعد جلسة مساء يوم امس في دار البرزاني العامر والتي تشير الى عمق ازمة المثقف السياسي العراقي وازمة الثقافة السياسية والنظام السياسي، بعد ان حضرنا جلسة "قادة".. وشكراً على جهود نشر الثقافة السياسية المفقودة الى حد كبير في هذا العراق الظالم لنفسه والمظلوم من غيره. واعتذر لسرعة الاجابات وقد يكون احياناً عدم دقتها بسبب قصر وقت الاجابة اذ بدأت بالرد في السادسة صباحاً وانتهيت في الثامنة والربع صباحا.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments