أحمد رشيدي نجاد – صحيفة آسيا الإيرانية
الانتخابات العراقية عند تقاطع صراع القوى الكبرى
شهد العراق، يوم الثلاثاء 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، المرحلة الثانية والنهائية من الانتخابات البرلمانية السادسة منذ سقوط نظام صدام حسين، في محطة سياسية تعدّ من الأكثر حساسية منذ عام 2003.
تم استدعاء أكثر من عشرين مليون مواطن عراقي من المؤهلين للتصويت إلى صناديق الاقتراع في ثمانية آلاف مركز انتخابي، للإدلاء بأصواتهم في 39 ألف صندوق، لتحديد مصير 329 مقعدًا في مجلس النواب.
وكانت المرحلة الخاصة من الانتخابات قد أُجريت في الأحد الماضي، وهي المرحلة المخصصة للقوات الأمنية والعسكرية والنازحين، وسجّلت نسبة مشاركة لافتة بلغت 82 في المئة.
أما الآن، فتتجه الأنظار نحو نتائج الانتخابات التي يُنتظر أن تحدد مسار المستقبل السياسي للعراق في واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ عام 2003.
الأنظار الآن متجهة إلى نتائج الانتخابات، التي لا يُنظر إليها في الداخل العراقي فحسب، بل في أروقة العواصم الإقليمية والدولية التي ترى في بغداد محوراً أساسياً لتوازن القوى في الشرق الأوسط. فكل ورقة اقتراع في هذه الانتخابات ليست مجرد صوتٍ فردي، بل قطعة من فسيفساء إقليمية معقدة تُرسم من خلالها خريطة جديدة للعلاقات والتحالفات في المنطقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يستطيع العراق أن يتحول إلى فاعل مستقل ومتوازن بين جيرانه والقوى الكبرى، أم أنه سيبقى ساحة لتصفية الحسابات الخارجية؟
في قلب هذا المشهد، تقف عدة قوى إقليمية ودولية تتابع التطورات الانتخابية بعين القلق والترقب:
إيران: عمق استراتيجي ومقياس لتماسك "محور المقاومة"
تعتبر طهران العراق أكثر من مجرد جار؛ فهو عمقها الاستراتيجي وممرها الحيوي نحو البحر المتوسط، ويمتلك معها روابط تاريخية ومذهبية واقتصادية عميقة. لذلك فإن الحفاظ على نفوذها في بغداد يعدّ مسألة أمن قومي بالنسبة لإيران.
ويرى المراقبون أن ظهور حكومة عراقية تسعى إلى قدر أكبر من الاستقلالية قد يربك حسابات طهران، خاصة إذا خفّضت من نفوذ الفصائل المقرّبة منها. ولهذا تنظر إيران إلى هذه الانتخابات باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة محور المقاومة على الصمود في قلب العالم العربي بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة.
السعودية: محاولة استعادة العراق إلى "العمق العربي"
في المقابل، ترى المملكة العربية السعودية وحلفاؤها الخليجيون في الانتخابات فرصة تاريخية لاحتواء النفوذ الإيراني وإعادة العراق إلى محيطه العربي.
وقد كثّفت الرياض في السنوات الأخيرة من استثماراتها الاقتصادية في العراق، وأعادت فتح المعابر الحدودية، وسعت لتوسيع التعاون الدبلوماسي. وتراهن على أن نفوذها المالي والدبلوماسي قد يثمر هذه المرة عن نتائج سياسية ملموسة. لكن السؤال يبقى: هل تنجح دبلوماسية "الشيكات الخضراء" السعودية في مواجهة النفوذ العقائدي والميداني الإيراني المتجذّر في العراق؟
الولايات المتحدة: دعم الديمقراطية أم ضبط الميدان؟
أما الولايات المتحدة، التي فقدت جزءاً كبيراً من نفوذها بعد انسحابها العسكري، فتبدو في وضعٍ معقد.
من جهة، تؤكد واشنطن دعمها للعملية الديمقراطية، لكنها من جهة أخرى تسعى لمنع أي حكومة عراقية من الارتماء الكامل في أحضان طهران.
الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تركز على دعم التيارات الوطنية المعتدلة التي يمكنها موازنة النفوذ الإيراني، وضمان عدم عودة الفوضى أو تنظيم "داعش". ومع ذلك، فإن أي حكومة ضعيفة أو منقسمة في بغداد ستجبر واشنطن على إعادة الانخراط الأمني في العراق والمنطقة.
تركيا: معادلة الأمن الكردي والمصالح الاقتصادية
تشكل الانتخابات العراقية أهمية مباشرة لتركيا، إذ ترتبط نتائجها بملفات حساسة كـوجود حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمال العراق، ومستقبل العمليات العسكرية التركية في سنجار وقنديل.
وترغب أنقرة في التعامل مع حكومة عراقية قوية قادرة على ضبط الحدود ومراعاة المخاوف الأمنية التركية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الشراكات الاقتصادية الضخمة التي تشمل مشاريع البنية التحتية والطاقة والتجارة عبر إقليم كردستان.
إسرائيل: انتخابات العراق من زاوية "التهديد الإيراني"
أما إسرائيل فتنظر إلى هذه الانتخابات من منظور أمني بحت، وتخشى أن تؤدي إلى تعزيز الوجود الإيراني في العراق، ما يعني توسيع "محور المقاومة" ليشمل جبهة جديدة على مقربة من حدودها الشرقية.
وترى تل أبيب أن أفضل سيناريو بالنسبة لها هو بروز حكومة عراقية وطنية غير طائفية قادرة على تقليص نفوذ الجماعات المسلحة، وهو ما من شأنه أن يضعف قبضة إيران في العراق وسوريا ولبنان في آن واحد.
اختبار الإرادة العراقية
يجد العراق نفسه اليوم في قلب صراع جيوسياسي متعدد الأبعاد، حيث تتقاطع مصالح قوى كبرى من الشرق والغرب. هذه الانتخابات ليست مجرد سباق برلماني، بل استفتاء على هوية العراق السياسية:
هل سيتمكن من تحويل "لعنة الجغرافيا" إلى فرصة دبلوماسية توازن بين القوى الإقليمية والدولية، أم أنه سيظل رهينة التجاذبات الخارجية التي تعصف به منذ عقدين؟
مهما تكن النتائج، فإن ما جرى في بغداد هذا الأسبوع سيسهم في رسم خريطة القوة الجديدة في الشرق الأوسط، وسيحدد إلى أي معسكر ستتجه موازين القوى في المرحلة المقبلة: معسكر الاستقلال الوطني، أم محاور النفوذ الخارجي.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments