00:00:00
توقيت بغداد
2026مايو26
الثلاثاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم مايكل روبين - ترجمة: المعهد العراقي للحوار

إيجابية اللايقين في الانتخابات العراقية

توجه العراقيون إلى صناديق الاقتراع لاختيار حكومة جديدة، وهي الانتخابات البرلمانية السادسة التي تشهدها البلاد خلال عقدين. ينتظر العراقيون النتيجة، كثير منهم بسخرية، وبعضهم بحماس نابع من أيديولوجيتهم أو أملهم في أن تُمكّنهم واسطتهم - نفوذهم وعلاقاتهم - من الحصول على مقعد مرموق أو مُربح في الخدمة المدنية العراقية إذا ما ارتبطوا بالسياسي المناسب.

الأمر الوحيد الذي يتفق عليه العراقيون هو أنهم لا يعرفون ما الذي ستفضي اليه الانتخابات.

ان تحديد عدد المقاعد التي يفوز بها كل حزب ما هو الا الخطوة الأولى. سيتنافس زعماء الأحزاب العراقية - بعضهم منتخب، ومعظمهم يعمل في الخفاء - على تشكيل ائتلافات، مع العمل في الوقت نفسه على إنشاء حكومة شاملة تشعر فيها جميع الطوائف والهويات الرئيسية بأنها ممثلة. وحسب التقاليد، وليس القانون، يتولى الأكراد رئاسة الجمهورية، ويرأس السنة البرلمان، ويتولى الشيعة رئاسة الوزراء.

بينما لا يزال الأمريكيون ينظرون إلى العراق من منظور قرار الرئيس جورج دبليو بوش المثير للجدل بغزو البلاد، أصبح العراق اليوم بلدًا مختلفًا. ربما وُلد ثلاثة أرباع سكان البلاد بعد صدام حسين، أو ليس لديهم أي ذكرى حقيقية عنه؛ حتى ذكرى الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة تتلاشى. يتساءل السنة في الرمادي والفلوجة متى قد يعود مشاة البحرية الأمريكية سياحًا؛ فالعنف والكراهية اللذان رافقا التمرد بعيدان عن الأنبار اليوم، كما كانت حرب فيتنام بعيدة عن الفيتناميين عندما أعاد الرئيس بيل كلينتون العلاقات.

لقد تغيرت الثقافة السياسية العراقية. بدأت الحملات الانتخابية لانتخابات اليوم قبل أشهر. قبل جيل، كان العراقيون يخشون الحديث في السياسة أو انتقاد حكومة صدام. يستمر هذا الخوف، ومن المفارقات، في كردستان العراق، حيث فرض زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني وابناه مسرور وويسى أسلوبًا بعثيًا في القيادة قد يؤدي إلى الخراب، إن لم يكن السجن والموت، لمن يقومون بالانتقاد. لكن في بقية أنحاء العراق، فان الانتقاد شائع ومنتشر بشكل كبير.

إذا كان شغل المناصب مرادفًا للبقاء مدى الحياة في معظم الدول العربية، فهو ليس كذلك في العراق، حيث يُعاقب العراقيون من يُعتبرونهم غير كفؤين وفاسدين. معدل شغل المناصب في العراق أقل من 40%، وبعد العديد من الانتخابات يقترب من 25%. في المقابل، يقترب معدل شغل المناصب في الكونغرس من 80%، وغالبًا ما يزيد. في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بلغ استياء الشباب العراقي من رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حدًا دفعهم إلى النزول إلى الشوارع، مما أجبره في النهاية على الرحيل المبكر.

في حين تسعى الفصائل المسلحة - الشيعية والكردية على حد سواء - إلى تشويه الإرادة الانتخابية، فإن نفوذها محدود بسبب عدم احتكار أي منها للسلطة. تنتشر الخلافات والانقسامات الشخصية حتى بين الجماعات المدعومة من ايران، لا سيما عندما يكون التنافس على الأموال احد العوامل الدافعة لهذه الخلافات. وعلى العكس مما يعتقده الكثير من المراقبين الأمريكيين، لا تتدفق الأموال من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني إلى الفصائل المسلحة العراقية، بل في الاتجاه المعاكس. العراق هو المكان الذي يسعى فيه الحرس الثوري إلى جني الأموال. ومع انتشار المباني الشاهقة، وسلاسل الفنادق الأجنبية، والطرق السريعة، والجسور في جميع أنحاء البلاد، بلغ الاستياء من ذوي النفوذ ذروته. وعندما تندلع النزاعات على النفوذ أو المناصب إلى عنف، ويُقتل الأبرياء كأضرار جانبية - كما حدث في حوادث إطلاق النار بين الغوغاء في شيكاغو في ثلاثينيات القرن الماضي - يُصبح هذا الغضب مُشتعلًا.

السؤال المطروح أمام العراقيين هو ما إذا كان النظام قادرًا على استيعاب غضبهم. لقد صممت الأمم المتحدة والمدير الإداري السابق لسلطة الائتلاف المؤقتة، بول بريمر، الانتخابات في العراق لتكون مختلفة جذريًا عن تلك التي تُجرى في الولايات المتحدة. يتنافس عدة مرشحين، يتم تعيينهم على قوائم حزبية من قِبل رؤساء أحزاب غير منتخبين مما يُنشئ نظامًا يُجبر السياسيين الطموحين على كسب ولاء آليات الحزب، غالبًا من خلال المبالغة في المصالح الطائفية أو العرقية. في حين أن العراق قد عدّل دوائره الانتخابية بمرور الوقت - فقد اختفى نظام الاقتراع على مستوى البلاد الذي كان يُعتمد سابقًا لتسهيل إدارة الانتخابات - تظل الحقيقة أن السياسيين العراقيين يسعون إلى استرضاء قادة الأحزاب أكثر من استرضاء الناخبين. يُحدد سماسرة السلطة الفاسدون غير المُحاسبين في صناديق الاقتراع شكل الحكومة أكثر من الناخبين.

في حين أنه من المُبتذل القول إن كل انتخابات تُمثل نقطة تحول، إلا أن الإحباط من النظام والحرس القديم قد يبلغ ذروته في الأسابيع والأشهر القادمة. رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني ضعيف. في حين طرأ تحسن كبير على حياة العراقيين العاديين في عهده، إلا أنه أشرف على تطوير البنية التحتية الذي وعد به الأمريكيون فقط - فقد أعاقته فضيحة التنصت على المكالمات الهاتفية في بداية ولايته. لقد احتفظ بمنصبه ليس لأنه هزم التهم، ولكن لأن كلًا من المنافسين والقوى الخارجية مثل جمهورية إيران الإسلامية التي تفضل وجود رئيس وزراء ضعيف على شخصية قوية أقل عرضة للتلاعب.

لا تتجاوز هذه الرغبة في الضعف حدود الانتخابات. رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وهو شخصية سياسية شيعية بارزة وأحد أكثر قادة العراق السابقين فسادًا، عازم على العودة إلى الساحة السياسية ما دام قادرًا على ذلك: يبلغ من العمر 75 عامًا ويعاني من سلسلة من المشاكل الصحية. معزولًا عن عامة الناس بنقاط التفتيش والحراس الشخصيين، لا يدرك تمامًا مدى اختلاف العراق خلال العشرين عامًا التي انقضت منذ توليه السلطة.

في الواقع، بينما يطمح المالكي للعودة إلى القصر الجمهوري، فإن رغبته في إحياء ذكرى أخيرة تُنذر بنهاية جيل من قادة ما بعد الحرب. إياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، والمالكي، وحيدر العبادي، وعبد المهدي، جميعهم في السبعينيات أو الثمانينيات من عمرهم ويعانون من اعتلال الصحة. وكذلك حال شخصيات سياسية أخرى مثل قائد فيلق بدر، هادي العامري، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني. في هذه الأثناء، يواجه الزعيم الكردي المنافس، بافل طالباني، تساؤلات عامة حول استقراره النفسي؛ حيث يسري مرض اضطراب القطب الثنائي والاكتئاب في اسرته من جهة والدته.

 

وهذا لا يترك سوى قلة من الأشخاص الذين قد ينجو من ضغوط الزمن. قيس الخزعلي، البالغ من العمر 51 عامًا فقط، يسعى جاهدًا للتحول إلى شخص مقبول، إن لم يكن ذو مكانة مقدرة، كما فعل مقتدى الصدر، البالغ من العمر 52 عامًا. مع انهيار عائلة طالباني، يسعى بارزاني إلى تمكين ابنه مسرور، البالغ من العمر 56 عامًا، وحفيده ارين، البالغ من العمر 24 عامًا.

ولكن لكل من هؤلاء تاريخ معقد يثقل طموحه في التحول والتغيير. لقد وصفت الولايات المتحدة الخزعلي ذات مرة بالإرهابي. ويسعى الخزعلي إلى الخروج من عزلته، لكنه وشقيقه لا يستطيعان بسهولة التخلص من وصمة الارتباط بمصالح رجال اعمال مشبوهين. يسعى الصدر إلى التستر بعباءة مكافحة الفساد، لكن ذلك صعب عندما يتحالف مع بارزاني، الذي ربما يكون أكثر زعماء العراق فسادًا.

هذه الديناميكيات، وما يصاحبها من خيبة أمل، تُعزز القضية الأوسع: فبالنسبة لكل من يُدين الديمقراطية العراقية، تُفضي مثل هذه النقاشات والتقييمات إلى أحكام سجن طويلة في أي دولة عربية أخرى؛ أما في العراق، فتُجرى هذه النقاشات علنًا يوميًا وفي كل مقهى، أو مطعم برجر، أو نادٍ اجتماعي كردي. وفي الوقت نفسه، تفتح الباب أمام مرشح غير متوقع، كمحافظ من خارج بغداد مثلاً. هذا الغموض قد يكون صحيًا.

عندما يتحدث العرب عن التمثيل والشرعية، ويتحدث الدبلوماسيون الأجانب عن حكومة شاملة، فإنهم يتحدثون عن العراق. ربما حان الوقت للأمريكيين للتوقف عن جلد أنفسهم بسبب حرب وقعت قبل أكثر من عقدين، والاعتراف بأن العراق الجديد، سلبا او ايجابا، أصبح نموذجًا للديمقراطية في المنطقة.

 

Comments