00:00:00
توقيت بغداد
2026يناير09
الجمعة
18 °C
بغداد، 18°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

هيبا مالك - مساعدة مدير أبحاث في معهد دراسات السياسات (NIPS)

طموحات آسيا في الذكاء الاصطناعي: تقدم بلا سيطرة

في مختلف أنحاء آسيا، تضخّ الحكومات مليارات الدولارات في مجال الذكاء الاصطناعي، باعتباره مساراً نحو الاستقلالية الاستراتيجية وتعزيز الصمود الاقتصادي. غير أنّ آسيا، ورغم الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، أصبحت أقل أمناً لا أكثر في سياسات التكنولوجيا.

فعلى الرغم من هذه الاستثمارات الهائلة، لا تزال نقاط السيطرة الأكثر حسمًا في منظومة الذكاء الاصطناعي متركزة في أيدي عدد محدود من الفاعلين الأقوياء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وحلفاؤها. بل إن التقدم التكنولوجي، بدل أن يمنح آسيا هيمنة تقنية، فشل في تحصينها من منافسة القوى الكبرى، إذ زاد من تشابكها وارتهانها بنظام من الاعتماد التكنولوجي.

ورغم أن العديد من الدول الآسيوية تتصدر إنتاج الرقائق المتقدمة، فإن السلطة الفعلية تظل محصورة في عدد قليل من “نقاط الاختناق” التي تحدد قواعد اللعبة. فقد تفوقت تايوان على غيرها عبر شركة TSMC، التي تنتج نحو 90% من أكثر أشباه الموصلات تقدماً وتزود شركات مثل آبل وإنفيديا.

وبالمثل، تهيمن شركة سامسونغ الكورية الجنوبية على تقنيات الذاكرة المتقدمة، بعدما أصبحت المورد الرئيسي لذاكرة الوصول العشوائي (RAM) لسلسلة هواتف آيفون 17، رافعة حصتها إلى ما بين 60 و70%. أما شركة ASML الهولندية، فتُعد تقنيتها في الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) عنصرًا لا غنى عنه لإنتاج الرقائق المتطورة، ما يجعلها لاعبًا محوريًا في صناعة أشباه الموصلات العالمية. ومع ذلك، تتعايش هذه نقاط القوة مع هشاشة أعمق، تتمثل في أن السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة لا تزال شديدة التركّز.

وتعزز القيود الخارجية هذا الاختلال. فالولايات المتحدة تفرض ضوابط صارمة على صادرات معالجات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، ما يقيّد المبيعات والاستقلالية المرتبطة بها، استنادًا إلى معايير أداء مثل عرض نطاق الذاكرة، ولا تسمح إلا بصادرات مشروطة ضمن أنظمة ترخيص مشددة، بما يضمن السيطرة الاستراتيجية وإمكانية وصول خاضعة للاعتبارات السياسية.

وفي الوقت نفسه، تبقى مدخلات حيوية أخرى شديدة التركّز، أبرزها المعادن الأرضية النادرة التي تلعب دورًا أساسيًا في الإلكترونيات والطاقة النظيفة، إذ تسيطر الصين على نحو 85–90% من طاقة التكرير والمعالجة العالمية لهذه المعادن حتى عام 2024. وتكشف هذه الديناميات مجتمعة مفارقة جوهرية في أهداف آسيا بالذكاء الاصطناعي: انخراط متزايد في التقنيات المتقدمة من دون امتلاك سيطرة موازية على إمكانية الوصول إليها.

لكن القيد الأعمق أمام آسيا لا يتمثل في العتاد أو رأس المال، بل في نقاط الاختناق التي تتحكم بكيفية بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي ونشرها. فجهات وضع المعايير، وأنظمة الملكية الفكرية، وأطر الموردين، وحركة تنقل الكفاءات، كلها تحدد الشروط وتشكل من يستطيع توسيع نطاق التقنيات المتقدمة. كما أن الآليات السياسية والتنظيمية، المصممة في الغالب خارج آسيا، هي التي تحدد الوصول إلى شبكات البحث العالمية، والبنى التحتية السحابية، وتدفقات البيانات العابرة للحدود.

ومن الأصعب استنساخ هذه الأشكال من السيطرة عبر الاستثمار وحده، رغم أنها باتت العامل الحاسم في تحديد من يستطيع توسيع الذكاء الاصطناعي بسرعة. فعلى سبيل المثال، وفي إطار سعيها للحفاظ على هيمنتها على تطوير الذكاء الاصطناعي، تؤثر ضوابط التصدير الأميركية على رقائق الذكاء الاصطناعي في دول آسيوية تعمل كمراكز عبور، ما يجبر دولاً مثل ماليزيا على فرض قواعد ترخيص جديدة على شحنات الرقائق المتقدمة.

ولمواجهة هذه القيود الهيكلية، واصلت الدول الآسيوية تسريع الاستثمارات في قدرات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. غير أن طموحات آسيا في هذا المجال تجسد مفارقة واضحة: استثمارات ضخمة وقدرات متنامية، لكنها مقيّدة بإمكانية الوصول والمعايير وأدوات النفوذ.

ومن اللافت أن الدور المتنامي لآسيا في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات يخدم وظيفة مميزة لصالح شركات التكنولوجيا العالمية الساعية إلى التحوّط من التنافس الجيوسياسي. فمن خلال توزيع البحث والتطوير والتصنيع عبر آسيا، تقلل هذه الشركات تعرضها للصدمات السياسية والدوافع الجيوسياسية الكامنة، من دون تحدي بنية القوة التي تحكم التقنيات المتقدمة.

فالقوى العاملة المتوسعة في مجال الذكاء الاصطناعي في الهند، والطاقة التصنيعية في جنوب شرق آسيا، والقاعدة الصناعية في شرق آسيا، كلها تساعد الشركات على إدارة المخاطر وتحقيق النمو في ظل تشديد الولايات المتحدة قبضتها على عتاد الذكاء الاصطناعي. ومن خلال التكيّف محلياً — كما يفعل منتجو الرقائق المحليون في الصين أو مشغلو الخدمات السحابية في آسيا — تعيد شركات عملاقة مثل إنفيديا مراجعة توقعاتها السوقية في ظل خسائر الإيرادات.

وهكذا، ورغم أن آسيا قد لا تكون مركز الإنتاج أو واضع القواعد في تطوير الذكاء الاصطناعي، فإنها تؤدي بالتأكيد دور “ماصّ المخاطر” لشركات التكنولوجيا العالمية التي تواجه ضغوطًا جيوسياسية.

والنتيجة هي مشهد تكنولوجي غير متكافئ على نحو متزايد في آسيا. وبالنسبة لحكومات آسيوية اعتادت طويلًا على الموازنة بين القوى الكبرى، فإن هذا التحول يحمل قدرًا خاصًا من عدم الاستقرار. فبينما تستوعب آسيا الاستثمارات والكفاءات والمخاطر الجيوسياسية، تبقى السلطة على تدفقات التكنولوجيا متمركزة إلى حد كبير في أماكن أخرى. ومع تعمق دمج الذكاء الاصطناعي في التخطيط الاقتصادي والأمن القومي، يضيّق هذا الاختلال هامش “التقدم مع السيطرة” أمام الحكومات الآسيوية.

ورغم أن سياسات التحوّط والتنويع لا تزال توفر مرونة تكتيكية، فإنها لم تعد تضمن خياراً استراتيجياً حقيقياً. عملياً، فإن القدرات التكنولوجية المتنامية لآسيا لا توسّع حرية حركتها، بل تربط المنطقة على نحو أوثق بقرارات تُتخذ في أماكن أخرى.

وإذا نُظر إلى السعي الآسيوي في الذكاء الاصطناعي باعتباره طريقًا إلى الاستقلال والتقدم، فإنه يعكس واقعاً أكثر قسوة: الابتكار والاستثمار يزيدان من الاندماج من دون أن يؤسسا بالضرورة للسيطرة. واليوم، لم يعد السؤال يدور حول من يبني مختبرات ذكاء اصطناعي أكثر، بل حول من يضع معايير التكنولوجيا وقواعدها. ومن ثم، فالتحدي لا يتعلق بمن يلحق بالركب تقنيًا، بل بمن يدير درجة انكشافه داخل نظام تظل فيه القرارات الأكثر حسماً بعيدة المنال.

Comments