فرانسيسكو بيتورنيلّا صحفي لدى المعهد الإيطالي للدراسات في السياسة الدولية (ISPI)
سوريا: الشرع، «الأكراد» وتأثير سياسة ترامب
أحد عشر يوماً للسيطرة على دمشق، واثنا عشر يوماً للمسير من حلب إلى الرقة. يستطيع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أن يضيف إلى سجله عملية خاطفة جديدة، سمحت له خلال أيام قليلة بتعزيز قبضته على البلاد، التي أصبح قائدها الفعلي منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وقد دُفع ثمن ذلك من قبل «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي تُشار إليها في الإعلام غالباً – على سبيل التبسيط – باسم «الأكراد». هذه التشكيلات، التي أدارت لسنوات مساحات واسعة من الأراضي السورية بحكمٍ ذاتي، تتجه الآن إلى الحل، فيما ستُخضع هياكلها الإدارية الذاتية لسلطة الحكومة المركزية. وقد لعب تغيّر السياق الدولي، ولا سيما موقف الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، دوراً حاسماً في ذلك. فواشنطن، التي كانت الداعم الرئيسي لقسد في إطار محاربة تنظيم «داعش»، وجدت في الشرع – القائد الجهادي السابق المعروف باسم أبو محمد الجولاني – شريكاً جديداً ومستقراً في منطقة تُعد محورية لمستقبل الشرق الأوسط بأسره.
ماذا حدث؟
بعد أسابيع من القتال، الذي أفضى في بدايته إلى سيطرة القوات الحكومية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في حلب، توصّل الطرفان – الحكومة السورية وقسد – إلى اتفاق أعلن وقف إطلاق النار، وأعاد رسم ميزان القوى في شمال شرق سوريا بصورة جذرية. وينص الاتفاق على الحلّ الفعلي لقسد، ودمجها في الجيش السوري النظامي، وإعادة معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها منذ عام 2011 إلى سلطة الدولة. وفي كثير من جوانبه، يبدو الاتفاق أقرب إلى استسلام كردي منه إلى تسوية متوازنة.
وثمة عنصر أساسي يجب التشديد عليه: فـ«قسد» تهيمن عليها عددياً وسياسياً «وحدات حماية الشعب» (YPG)، المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تأسس في تركيا ويتبنى أيديولوجية عبد الله أوجلان. وإلى جانب ذلك، تضم قسد أيضاً عناصر عربية وآشورية وتركمانية وغيرها، وهو ما يفسر لماذا يُعد وصفها بـ«الأكراد» توصيفاً خاطئاً أو على الأقل تبسيطياً، إذ إن الأكراد شعب إيراني موزّع بين إيران والعراق وتركيا وسوريا وأجزاء من القوقاز.
نتيجة متوقعة؟
يساعد هذا التمييز – رغم تعقيده – على فهم كيف فقدت قسد خلال ساعات أراضي كانت تسيطر عليها منذ سنوات. فإلى جانب الهجوم «الرسمي» الذي شنّته قوات دمشق، اندلعت انتفاضة منسقة لبعض العشائر العربية التي طالما استاءت من حكم قسد. ففي هذه المناطق حاولت التشكيلات الكردية تطبيق نموذج «الكونفدرالية الديمقراطية» الذي نظّر له أوجلان، وهو نموذج مناهض للدولة يقوم على الحكم المحلي والديمقراطية المباشرة والمساواة بين الجنسين والبيئة، ويُنظم في شبكات من الكومونات المتحالفة بدلاً من دولة قومية. غير أن هذا النموذج اعتبرته شرائح واسعة من السكان العرب السنّة – وهم الأغلبية في شمال شرق سوريا – نموذجاً مفروضاً من الخارج، يصعب تكييفه مع مجتمع مسلم تقليدي قبلي كالذي يسود هذه المناطق.
لذلك، لم يكن من قبيل الصدفة أن يستقبل سكان الطبقة والرقة ودير الزور دخول قوات دمشق بوصفه «تحريراً»، حيث شوّهوا صور أوجلان وهدموا النُصب التي خُصصت لمقاتلي YPG الذين قُتلوا في قتال تنظيم داعش. كما ساهم في نجاح العملية انشقاق عدد من المقاتلين – معظمهم من العرب – عن قسد وانضمامهم طوعاً إلى صفوف جيش دمشق، رغم صعوبة تحديد أعدادهم بدقة. وأخيراً، لم يترافق تقدّم قوات الشرع، بخلاف ما جرى مع العلويين على الساحل السوري والدروز في السويداء، مع مذابح عرقية-دينية واسعة النطاق أو عمليات تهجير قسري كبيرة للمدنيين.
ماذا ينص عليه الاتفاق؟
كان الطرفان قد توصّلا إلى تفاهم أولي في مارس/آذار 2025، بعد لقاء في دمشق بين الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، غير أن تطبيقه لم يبدأ فعلياً. واليوم، في ظل تغيّر ميزان القوى، يتعين على قسد تسليم محافظتي الرقة ودير الزور ذوات الغالبية العربية، حيث بدأ الجيش السوري بالفعل بفرض سيطرته. وتُعد هذه المناطق استراتيجية ليس فقط لمساحتها، بل لأنها تضم حقول النفط الرئيسية في البلاد، إضافة إلى سدي تشرين والطبقة الحيويين. وستؤول الآبار إلى سيطرة الدولة السورية الكاملة، من دون أي ضمان لتقاسم العائدات، رغم مطالب قسد بذلك خلال مفاوضات العام الماضي. كما تُعد المنطقة من أخصب مناطق البلاد بفضل الري الطبيعي من نهر الفرات وروافده.
وبالإضافة إلى النفط، ستستعيد دمشق السيطرة على المعابر الحدودية والبنى التحتية الأساسية. أما الإدارة المحلية الكردية – التي لم تُحدّد صيغتها النهائية بعد – فلن تحتفظ سوى بحكم ذاتي محدود في محافظة الحسكة، المعقل التاريخي للأكراد، وحتى هناك سيُعيَّن المحافظ من قبل الحكومة المركزية، ما يقلّص بشكل حاد من الحكم المحلي. عسكرياً، رُفضت مطالب الأكراد بالحفاظ على وحدات متماسكة داخل الجيش، إذ سيُدمج المقاتلون كأفراد. كما ستتولى الدولة إدارة مخيمات الاعتقال التي تضم آلافاً من مقاتلي داعش السابقين وعائلاتهم، والتي كانت قسد تحرسها حتى الآن.
وللتخفيف من الأثر السياسي للاتفاق، أصدر الشرع مرسوماً يعترف ببعض الحقوق الثقافية والمدنية التي طالب بها الأكراد منذ زمن طويل. فستُعترف لغتهم لغةً وطنية (غير رسمية)، ويمكن تدريسها في المدارس في المناطق ذات الغالبية الكردية. كما سيُعتمد عيد نوروز عطلة وطنية. والأهم أن الأكراد سيُمنحون الجنسية السورية الكاملة، بما في ذلك حق الحصول على جواز سفر، منهياً بذلك عقوداً من التمييز الذي مورس في عهد نظام الأسد.
انقلاب أمريكي؟
لم يكن من الممكن تخيّل هذا المشهد من دون التقارب الحاسم بين سوريا الشرع والولايات المتحدة في عهد ترامب، والذي تُوّج بسلسلة لقاءات بين الزعيمين طوال عام 2025. فقد كان الدافع الرئيسي للدعم الأمريكي لقسد، منذ 2014–2015، هو هزيمة داعش ومنع عودته بعد 2019. ومع الشرع – الذي شرّعت واشنطن تحوّله من مقاتل مرتبط بالقاعدة إلى قائد سياسي معترف به، بل وضمّته إلى «التحالف الدولي ضد داعش» – وجدت الولايات المتحدة مرجعاً جديداً في المنطقة، ما جعل تحالفها مع «الأكراد» أقل ضرورة مما كان عليه في السابق. كما فشلت محاولة قسد الأخيرة للتلويح بورقة معتقلي داعش أملاً في استعادة الدعم الأمريكي.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، السفير توم باراك، كان واضحاً دائماً في أن مصير قسد وإدارتها الذاتية يتمثل في الاندماج ضمن النظام السوري الجديد عبر التفاوض. غير أن القوات الكردية حاولت الصمود عاماً كاملاً فقط لكسب الوقت على أمل الحصول على دعم خارجي (أمريكي أو حتى إسرائيلي) لم يتحقق أبداً. واليوم، رغماً عنها، تجد نفسها مضطرة لتجرّع كأسٍ أشد مرارة.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments