00:00:00
توقيت بغداد
2026فبراير04
الأربعاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم صفاء الشيخ

مجلس السلام الدولي .. قراءة في التداعيات الإقليمية على الشرق الأوسط والعراق

مقدمة

في 22 يناير 2026، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأسيس مجلس السلام الدولي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بمشاركة 19 دولة معظمها من الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، إضافة إلى المجر من أوروبا. غابت عن المجلس القوى الكبرى الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن (روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا)، وكذلك ألمانيا وكندا وأستراليا. الإعلان جاء بعد مبادرات أميركية مرتبطة بإعادة إعمار غزة، لكنه أثار جدلاً واسعاً حول أهدافه الحقيقية وتداعياته على النظام الدولي.

تتناول هذه الورقة ما يعنيه تأسيس هذا المجلس وتاثيره على النظام الدولي الحالي والمؤسسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي، وتداعيات ذاك خصوصا على الشرق الأوسط والعراق. 

خلفية تاريخية

لفهم ما يعنيه تأسيس هذا المجلس، وأسباب تأسيسه الحقيقية، ولماذا عارضت القوى الكبرى والدول الاوربية المشاركة فيه، وتداعياته على الامن الدولي بشكل عام وعلى الشرق الأوسط بشكل خاص، من المفيد ان نعود قليلا الى التاريخ القريب لنقرأ المحاولات السابقة لإنشاء منظمات دولية تعني بحفظ السلم والامن العالميين وتطور وسلطة اتخاذ القرارات فيها.

• عصبة الأمم (1919): تأسست بعد الحرب العالمية الأولى التي خلفت أكثر من 20 مليون قتيل، لكنها فشلت بسبب غياب الولايات المتحدة وضعف آليات الإنفاذ، وعجزت عن منع العدوانات الكبرى، ما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية التي خلفت أكثر من 70 مليون قتيل وخسائر اقتصادية هائلة.

• الأمم المتحدة (1945): تأسست عقب الحرب العالمية الثانية، مستفيدة من دروس العصبة، وأُنشئ مجلس الأمن الدولي بمنح الدول الخمس الكبرى حق النقض (الفيتو) لضمان مشاركتها الفاعلة. أصبحت الأمم المتحدة الإطار الشرعي المركزي لإدارة الأزمات الدولية.

• الانتقادات الأميركية: مع مرور الوقت، اتهمت واشنطن الأمم المتحدة بالبيروقراطية والعجز، خاصة في ظل الفيتو الروسي والصيني، ما دفعها إلى البحث عن بدائل تمنحها حرية أكبر في الهيمنة على القرارات الدولية.

 الفروقات المؤسسية بين مجلس الامن الدولي ومجلس السلام الدولي

مجلس الأمن الدولي: يتكون من 15 عضواً، بينهم 5 دائمون لهم حق النقض، و10 غير دائمين. القرارات تُتخذ بالأغلبية، لكن الفيتو يقيّدها. أي ان القرارات الدولية المهمة تتحكم بها الدول الكبرى الخمسة بشكل متساو، مع مشاركة جزئية لدول أخرى. اما مجلس السلام الدولي: فتدار القرارات عملياً تحت قيادة الولايات المتحدة، دون آليات واضحة لتوزيع السلطة، ما يكرّس التمييز لصالح واشنطن. إذا حلّ محل مجلس الأمن، ستفقد القوى الكبرى امتيازاتها، وتخسر الدول الأخرى الهامش المحدود الذي تملكه في صنع القرار الدولي. وسيقوض ذلك النظام الدولي بشكله الحالي. وهذا يفسر التحفظات والمعارضة التي ابدتها كثير من الدول وفي مقدمتها الدول الكبرى.

 المواقف الدولية

تمت دعوة حوالي 50 دولة للانضمام، فانقسمت بين مؤيدة، متحفظة، أو رافضة، بحسب أولوياتها السياسية وموقفها من الأمم المتحدة.

ايدت وانضمت الى المجلس 19 دولة هي: الإمارات، السعودية، البحرين، باكستان، البرازيل، كولومبيا، المجر، وعدد من دول الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.  هذه الدول انضمت لتعزيز علاقاتها مع واشنطن والبحث عن فرص اقتصادية. في حين رفضت الصين وروسيا واعتبرتا المجلس محاولة لإضعاف دورهما، وأكدت بكين رفضها لأي مؤسسة خارج إطار الأمم المتحدة. اما المتحفظون فهم الاتحاد الأوروبي ككتلة، إضافة إلى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا، حيث اعتبروا المجلس منافساً للأمم المتحدة ويضعف الشرعية الدولية.

 توحي هذه المواقف بان هذا المجلس قد لا يأخذ مداه وفق التخطيط الأمريكي، الا ان إعلانه بعد أشهر من مبادرات أمريكية مرتبطة بملف غزة وإعادة اعمارها يعطيه بعد عمليا في الشرق الأوسط.

 التداعيات على الشرق الأوسط والعراق

تسبب تأسيس مجلس السلام الدولي بانقسام دولي واضح بين محور أميركي مؤيد، وموقف صيني–روسي رافض، وأوروبي متحفظ.  وجود المجلس الجديد ككيان موازي الى الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي يعني ازدواجية المرجعيات الدولية واضعاف لدور المؤسسات الدولية متعددة الأطراف القائمة   في إدارة الازمات الدولية، ومزيدا من هيمنة الولايات المتحدة الامريكية على القرارات الدولية. ان هذا المسعى الامريكي قرأ بانه محاولة لتشكيل نظام دولي جديد يقوم على الاحادية وليس التعددية، ويعتمد منطق القوة في العلاقات بدلا من تحكيم القانون الدولي.

ويبدو ان ردود الافعال الرافضة او المتحفظة قد تتبلور الى محاور متنافسة. سينعكس هذا التغيير على الشرق الأوسط ويزيد من تعقيد مشهده المعقد أصلا. 

فبالنسبة للقضية الفلسطينية التي هي من الأسباب الرئيسية للصراعات في الشرق الأوسط، يضعف المجلس دور الأمم المتحدة كمرجعية أساسية فيها، ويقلّص من وزن قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بحق تقرير المصير. كما ان غياب أوروبا والصين، وهما من أبرز المدافعين عن حل الدولتين، يضعف فرص الدفع بهذا الخيار. أضف الى ذلك ان سياسة "السلام الاقتصادي" التي يعتمدها الرئيس الأمريكي ستؤدي الى مقاربة تركز على الجانب الاقتصادي وتتجاهل جوهر الصراع المتمثل في الاحتلال والحقوق الوطنية.

واضافة الى ذلك فان المجلس يمنح إسرائيل غطاءً دولياً جديداً، ويتيح لها المشاركة في صياغة أجندة "السلام" بعيداً عن الضغوط الأممية، ما يزيد في اضعاف الموقف الفلسطيني.

 وبالنسبة لإيران فان المجلس بدوله الحليفة لواشنطن سيزيد من عزلة إيران الاقليمية، وقد يُستخدم كمنصة لتنسيق السياسات الأمنية ضدها، خصوصاً في الملفات الاقليمية، إضافة الى تأثير اقتصادي يزيد من الضغوط على اقتصادها المتأزم.  هذه الضغوط ستدفع إيران إلى تعزيز تحالفاتها مع روسيا والصين، ما يعمّق الانقسام الدولي ويؤسس لمحاور متقابلة في الشرق الأوسط.  وأخيرا فان المجلس قد يتبنى موقفاً أكثر تشدداً تجاه البرنامج النووي الإيراني، خارج إطار المفاوضات الأممية، ما يضعف فرص العودة إلى صيغة تفاوضية جديدة.

 مثل هذه التطورات ستضع العراق آمام 3 خيارات: الانضمام للمجلس، او الاصطفاف مع التعددية الدولية، او الحياد الإيجابي. 

الانضمام الى المجلس قد يمنح العراق فرصاً اقتصادية ودوراً إقليمياً، لكنه يخل بموقفه المبدئي والأخلاقي من حقوق الشعب الفلسطيني، ويجعله في موقف متوتر من جارته إيران فضلا عن الصعوبات التي ستواجهه بسبب تأثير إسرائيل على سياسيات المجلس. 

اما الاصطفاف مع التعددية الدولية فقد يعرضه للعزلة أو ضغوط المحاور. 

يبقى خيار الحياد الإيجابي الذي يمنح مرونة، لكنه يتطلب قدرة عالية على المناورة وتوازن العلاقات.

 خاتمة وتوصيات

مجلس السلام الدولي ليس مجرد مبادرة أميركية، بل مؤشر على تحول عميق في النظام الدولي نحو أحادية جديدة. على العراق أن يجري تقديراً استراتيجياً دقيقاً لموقعه، يوازن بين المصالح الوطنية، الالتزامات المبدئية والأخلاقية، والواقع الجيوسياسي المتغير، وان يخضع خياره للمبادئ التالية:

• تجنب الانجرار إلى محاور متصارعة او التورط في الاستقطابات الإقليمية او الدولية.

• التأكيد على دعم حقوق الشعب الفلسطيني ورفض تغييب البعد السياسي للصراع بما ينسجم مع التزامات العراق التاريخية والمبدئية تجاه القضية الفلسطينية

• حسن العلاقة مع دول الجوار وبضمنها ايران،  وتجنّب تحويل العراق إلى ساحة صراع بين الاطراف المتنافسة. 

• دراسة فرص التمويل والإعمار ضمن المجلس دون دون الارتهان السياسي أو الأمني

• تعزيز التنسيق مع الدول المتحفظة (أوروبا، الهند، جنوب أفريقيا) لتشكيل موقف متوازن.  

 هذه المبادئ تمكن العراق من ان يجنب نفسه ويلات الاستقطاب والصراع الدولي او الإقليمي، ويكون في موقع استراتيجي مرن، يحافظ على استقلاله، يوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الأخلاقية، ويمنحه قدرة على التفاعل مع نظام دولي متغير دون أن يفقد بوصلته السيادية.

 

Comments