بقلم: م. د عبدالله رشيد الربيعي - استاذ الدراسات الدولية - جامعة بغداد _ كلية العلوم السياسية
لماذا يمر الاستقرار عبر ضفتي الخليج؟

إذا رأى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران النور، فهل سيكون مقدمة لمرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط، أم أنه لن يتجاوز كونه هدنة مؤقتة أو "استراحة مقاتل" تسبق جولة جديدة من الصراع؟
غالبية التحليلات تنظر إلى مستقبل المنطقة من زاوية العلاقة الأميركية-الإيرانية أو الصراع الإيراني-الإسرائيلي، إلا أنني أرى أن السؤال الأهم يكمن في مكان آخر: هل ستكون التفاعلات بين ضفتي الخليج العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة؟
من هذا المنطلق، أعتقد أن مستقبل المنطقة لن تحدده طبيعة الاتفاق بحد ذاته بقدر ما ستحدده طبيعة التفاعلات بين إيران ودول مجلس التعاون، لأن أحداث ما بعد 28 شباط أثبتت أن منطقة الخليج لم تعد مجرد ساحة للتنافس الإقليمي، بل تمثل فضاءً مؤثراً في معادلات الأمن والاستقرار والطاقة والتوازنات الإقليمية والدولية.
المعضلة الإسرائيلية
ينطلق الكيان الإسرائيلي، في تقديري، من مقاربة أمنية تقوم على السعي إلى تحقيق أمن مطلق لا أمن نسبي. ووفق هذه الرؤية، فإن أي قوة إقليمية تمتلك مقدرات عسكرية واقتصادية وبشرية كبيرة يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى مصدر تهديد محتمل على أمن الكيان. ولهذا، يبدوا أكثر ميلاً إلى بيئة إقليمية ضعيفة أو غير قادرة على إنتاج موازين قوة مستقلة عنه. ومن هنا يمكن فهم جانب من سياساتها تجاه القوى الإقليمية الكبرى في المنطقة، سواء كانت إيران أو تركيا أو حتى بعض القوى العربية الصاعدة. فوجود قوى إقليمية فاعلة وقادرة على التأثير في محيطها الاستراتيجي يحد من هامش الحركة الإسرائيلي ويقيد قدرتها على الانفراد بتشكيل البيئة الأمنية الإقليمية.
وبهذا المعنى، فإن الاستقرار الإقليمي الشامل لا يُنظر إليه بالضرورة من المنظور الإسرائيلي بوصفه مكسباً خالصاً، إذا كان سيؤدي إلى بروز مراكز قوة إقليمية قادرة على امتلاك هوامش أوسع من الاستقلالية والتأثير.
حدود الدور الأميركي
رغم أن استقرار الشرق الأوسط يمثل مصلحة أميركية واضحة، فإن التجربة أظهرت أن السياسة الأميركية في المنطقة لا تنفصل بالكامل عن الاعتبارات الإسرائيلية. فقد أشارت دراسات عديدة إلى وجود تأثير ملموس لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل عملية صنع القرار الأميركي، وإن ظل حجم هذا التأثير وحدوده موضع نقاش بين الباحثين.
ولهذا فإن أي تحول في موقف إدارة أميركية لا يعني بالضرورة تحولاً دائماً في السياسة الأميركية. فقد تأتي إدارة جديدة وتعود إلى مقاربات مختلفة، كما حدث في ملف الاتفاق النووي الإيراني عندما انسحبت واشنطن من تفاهمات سبق أن وقعتها إدارة سابقة. ومن هنا يصبح من الصعب التعويل على الولايات المتحدة وحدها بوصفها الضامن النهائي للاستقرار الإقليمي، لأن سياساتها تبقى عرضة لتغير الإدارات والحسابات الداخلية والتحولات الدولية.
لماذا دول مجلس التعاون وإيران؟
في المقابل، يبدو أن العامل الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة يتمثل في طبيعة التفاعلات بين ضفتي الخليج. فدول الخليج وإيران تشترك في المجال الجغرافي ذاته، وترتبط بأهم طرق الطاقة والتجارة البحرية في العالم، كما أن أي تصعيد بينهما ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة والاستثمار وحركة الملاحة والتجارة الدولية.
كما أن دول مجلس التعاون بحكم طبيعة اقتصاداتها واعتمادها على الاستقرار والتنمية وجذب الاستثمارات، لا تستطيع تحمل دورات طويلة من الصراعات المفتوحة. وفي الوقت نفسه، تبدو إيران، بعد عقود من العقوبات والضغوط والصراعات - المباشرة وغير المباشرة – التي كانت اخرها ما حصل بعد 28 شباط، اصبحت معنية بتجنب الانزلاق إلى مواجهات واسعة تستنزف مواردها وقدراتها.
قد أظهرت التطورات الأخيرة أن بعض دول مجلس التعاون أصبحت أكثر انخراطاً في جهود منع التصعيد وأكثر إدراكاً للكلفة الاستراتيجية والاقتصادية التي يمكن أن تترتب على أي مواجهة واسعة في المنطقة. وهذا التحول يمنح العواصم هذه الدول وزناً متزايداً في رسم مستقبل التفاعلات الإقليمية، ليس فقط من خلال قدراتها الاقتصادية والسياسية، بل أيضاً عبر تبني مقاربات أكثر استقلالية عن الاستقطابات الحادة التي طبعت المنطقة لعقود.
فرصة لإعادة تشكيل المنطقة
إذا تطور مسار التفاهمات الحالية، واستكملت الجهود التي قادتها باكستان وقطر، وتحول إلى مسار طويل الأمد، فإن آثاره قد تمتد إلى عدد من الملفات الإقليمية المعقدة، من لبنان واليمن إلى العراق وسوريا، بما قد يسهم في تخفيف حدة التوترات وفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً.
كما أن الدور القطري يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في هذا المسار، بحكم سياسة تقوم على الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف والابتعاد قدر الإمكان عن الاستقطابات الإقليمية الحادة. وقد منحت هذه المقاربة الدوحة قدرة على أداء أدوار الوساطة وبناء الجسور في لحظات التوتر، وهو ما يجعلها عنصراً مساعداً في أي مسار يهدف إلى خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار. ولا يعني ذلك انتهاء الخلافات أو اختفاء الصراعات، لكنه قد يفتح الباب أمام إدارة أكثر عقلانية للتنافس الإقليمي، بعيداً عن منطق المواجهة الدائمة.
خاتمة
في تقديري، لا يتوقف مستقبل الشرق الأوسط على الاتفاقات الدولية وحدها، ولا على تبدل الإدارات في واشنطن، بل على قدرة القوى الإقليمية نفسها على إنتاج معادلة مستقرة لإدارة خلافاتها ومصالحها بعيداً عن المتغير الخارجي.
والأهم من ذلك أن الازدهار الحقيقي لا يُستورد من الخارج ولا يُفرض عبر التفاهمات الدولية، بل يتشكل من الداخل إلى الخارج. فحين تنجح دول المنطقة في بناء الاستقرار وتعزيز التنمية وتوسيع مساحات التعاون فيما بينها، تصبح أكثر قدرة على الاستفادة من الفرص الدولية وحماية مصالحها.
فإذا نجح المسار الإيراني- الباكستاني القطري في الانتقال إلى بناء تفاهمات مستدامة بشأن المرحلة القادمة لتفاعلات المنطقة، فقد نشهد بداية مرحلة مختلفة من الاستقرار والازدهار تنعكس على مجمل ملفات المنطقة. أما إذا بقيت العلاقات الإقليمية أسيرة منطق الصراع المفتوح، فإن أي اتفاق لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة أو استراحة مقاتل سرعان ما تنتهي.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الاتفاق سيولد أم لا، بل ما إذا كانت القوى الإقليمية قادرة على تحويله إلى نقطة انطلاق نحو نظام إقليمي أكثر استقراراً وتوازناً، ونحو نموذج ازدهار ينطلق من الداخل قبل أن ينعكس أثره على موقع المنطقة في العالم.
Abdullah.r@copolicy.uobaghdad.edu.iq
9647811167230+
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
Comments