المعهد العراقي للحوار
مؤسسة فكرية بحثية، تعنى بالدراسات والتخطيط الستراتيجي، تأسست بعد التغيير في عام 2003، لتقوم بمهمة صناعة القرارات وتحضير الخيارات وبدائلها من خلال الرصد المكثف للأحداث وتطوراتها وعرضها على المختصين ومناقشتها من خلال ندوات و ورش عمل وطاولات بحث مستمرة

السردية التاريخية للأزمة الروسية-الأوكرانية

هل الاجتياح “حرب استباقية ” ؟

السردية التاريخية للأزمة الروسية-الأوكرانية

يعود تاريخ بلاد أوكرانيا لهجرة القبائل السلافية التي أسست مملكة “روس كييف” لتضم إلى جانب أوكرانيا أجزاء كبيرة من بيلاروسيا وروسيا الحالية، وخلال القرنين الـ10 والـ11 أصبحت الهويات الأوكرانية والروسية في طور التشكل.

ويرجع المسيحيون الأرثوذكس في كل من روسيا وأوكرانيا تحوّلهم الديني إلى أمير كييف الأكبر عام 988 بعد الميلاد، الأمير الوثني المعروف باسم فلاديمير الأول عند الروس، وفولوديمير عند الأوكرانيين، الذي جعل إمارته (كييف روس أو روس الكييفية) أمة مسيحية أرثوذكسية، ومنها انتقلت إلى سكان “خقانات روس” (الأراضي السلافية الشرقية) بعد تعميده من قبل المبشرين المسيحيين من القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية آنذاك، لتصبح كييف بعد ذلك أهم مركز ديني للسلاف الشرقيين.

وبعد أن دمرها المغول عام 1240م، سقطت كييف في حالة تدهور حتى مع ازدياد قوة جارتها الشمالية موسكو. وبحلول عام 1686، احتلت روسيا شرقي أوكرانيا وكييف، وفي القرن الـ16 جمع إيفان الرهيب -أول قيصر لروسيا- الإمارات السلافية، وتطورت دوقية موسكوفي (موسكو) التي كانت متأخرة عن نظيراتها، ومع وصول عائلة رومانوف إلى الحكم في القرن الـ18 تحولت سان بطرسبورغ لعاصمة روسيا القيصرية التي أصبحت وريث قيصرية موسكوفي.

وفي القرن الـ20، طالبت حركة قومية متنامية باستقلال أوكرانيا، ويشمل ذلك الكنيسة والدولة. وعلى الرغم من أن أوكرانيا أصبحت دولة مستقلة في عام 1991، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الوطنية الوحيدة المعترف بها عالميا ظلت خاضعة لموسكو.

شعوب سلافية
وفي مقال نشره موقع “ذا كونفرزيشن” (the conversation) الأسترالي، كتب رونالد سوني أستاذ التاريخ في جامعة ميشيغن بعض التوضيحات والإجابات على مسائل تاريخية تخص الصراع الروسي الأوكراني، ظلت محل تجاذب وتلاعب بحسب رواية كل طرف.

ويقول الكاتب إن نظرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للعلاقة الروسية الأوكرانية، وهي النظرة التي تواجه رفضا وتنديدا من الغرب، تقوم على معطيات تاريخية صحيحة من وجهة نظر الرئيس الروسي، الذي يرى أن الأوكرانيين والبيلاروسيين والروس هم شعب واحد، يجمعهم التاريخ نفسه والثقافة ذاتها؛ وفي الوقت نفسه يدرك بوتين أن هذا الشعب بات مقسما إلى دول منفصلة ومعترف بها من طرف روسيا والقانون الدولي.

ورغم هذا الاعتراف، فإن بوتين يشكك في الظروف التاريخية التي قادت نحو قيام دولة أوكرانيا الحديثة، وهو يعتبر أن ظروفا مأسوية هي التي دفعت نحو اتخاذ قرار خاطئ من طرف زعماء سوفيات سابقين، على غرار فلاديمير لينين وجوزيف ستالين ونيكيتا خروتشوف. كما أن بوتين يشكك في سيادة واستقلال الشعب الأوكراني، رغم أنه في المقابل من أشد مناصري الفكر القومي الروسي.

ويضيف الكاتب أن بوتين يعتبر أن أوكرانيا يفترض بها أن تكون جارا ودودا وغير عدائي لروسيا، ولكنه في الوقت نفسه يعتبر أن حكومتها غير شرعية ويصفها بأنها فاشية. ومن المفارقات أيضا أن بوتين دائما ما يردد أن شرط التعايش بين الجيران هو عدم تهديد أمن بعضهم، ولكن في الوقت الحالي من الواضح أن موسكو هي التي تمثل أكبر تهديد لكييف، بحسب الكاتب.

رواية أوكرانيا التاريخية
أما الإشارات التاريخية التي ذكرها بوتين في خطابه حول الرواية التاريخية لقيام الدولة الأوكرانية، فهو يريد من خلالها توجيه رسالة مفادها: “نحن صنعنا أوكرانيا، ويمكننا استعادتها”، بحسب الكاتب.

ويضيف الكاتب أن بوتين وجه نداءات قوية لأوكرانيا والغرب للاعتراف بالمخاوف الأمنية الروسية، وتوفير ضمانات بعدم وجود تحركات لخلف شمال الأطلسي “ناتو” (NATO) قرب روسيا أو داخل أوكرانيا. ولكن من المثير للسخرية أن الهجوم العسكري الروسي الأخير سوف يدفع بالأوكرانيين أكثر نحو أحضان الغرب.

أما عن اعتبار روسيا إقليم دونباس -الذي يضم مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك- جزءا شرعيا من روسيا، فإن هذه الفكرة مردود عليها، بحسب الكاتب؛ إذ إنه حتى خلال الحقبة السوفياتية كانت هذه المقاطعات جزءا من أوكرانيا السوفياتية، وعند تفكك هذا الاتحاد، أصبحت الحدود القائمة بين مختلف جمهورياته حدودا معترفا بها دوليا، وحتى روسيا اعترفت بها.

أما طرح مسألة الشرعية وملكية الأراضي، فهذه مسألة شائكة تقود نحو جدل بلا نهاية، إذ إن إقليم دونباس تاريخيا عاش فيه الروس والأوكرانيون واليهود وغيرهم، ولكن خلال الحقبة السوفياتية وما بعدها طغت عليه العرقية واللغة الروسية.

وعندما شهدت كييف ثورة في 2014 واقتربت أكثر من الغرب، وهدد القوميون الأوكرانيون بمنع استخدام اللغة الروسية في بعض أجزاء أوكرانيا، قرر المتمردون في دونباس رفع السلاح في وجه الحكومة المركزية.

وبعد أشهر من القتال بين القوات الأوكرانية والمتمردين المتحالفين مع روسيا في دونباس في 2014، تدخل الجيش النظامي الروسي، وعبر الحدود، لتنطلق حرب استمرت 8 سنوات، أوقعت آلاف القتلى والجرحى.

ملكية الأراضي
ويقر الكاتب بأن ادعاء ملكية الأراضي كان مسألة معقدة عبر التاريخ، كما هي الحال مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والصراع بين الأرمينيين والأذربيجانيين.

وهنالك معايير متنوعة لحسم هذا الخلاف، من بينها اعتبار أن الأغلبية التي تعيش على الأرض لها أحقية تقرير مصيرها، وهنالك من يرى أن الأسبقية التاريخية هي الأهم.

وكذلك فإن روسيا يمكنها اعتبار دونباس تابعة لها باعتماد معيار العرقية، وأوكرانيا تتمسك بهذا الإقليم باعتماد المعيار التاريخي. ولكن كل هذه الحجج لا تؤدي إلى حل، وهذا النوع من الخلافات ينتهي عادة بالدمار وسفك الدماء.

وحول مدى أهمية اعتراف روسيا باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك بوصفها نقطة تحول في هذا الصراع، يرى الكاتب أن بوتين باعترافه بجمهوريات هذا الإقليم دولا مستقلة، قام بتصعيد خطير، اتضح الآن أنه كان يمهد به لشن غزو شامل لأوكرانيا.

وينبه الكاتب إلى أن هذا الغزو يمثل رسالة قوية ومزلزلة للدول الغربية، مفادها أن روسيا لن تتراجع قيد أنملة أو تقبل بالمزيد من التسليح وتكديس الترسانات العسكرية قرب حدودها، في أوكرانيا وبولندا ورومانيا.

إذ إن الرئيس الروسي قاد بلاده الآن نحو حرب استباقية في غاية الخطورة، بناء على المخاوف من أن بلده سوف يتعرض للهجوم في المستقبل. وهذه الحرب الاستباقية الآن لا يستطيع أحد التكهن بنتائجها.

المصدر : الجزيرة + ذا كونفرسيشن

اترك تعليقا