المعهد العراقي للحوار
مؤسسة فكرية بحثية، تعنى بالدراسات والتخطيط الستراتيجي، تأسست بعد التغيير في عام 2003، لتقوم بمهمة صناعة القرارات وتحضير الخيارات وبدائلها من خلال الرصد المكثف للأحداث وتطوراتها وعرضها على المختصين ومناقشتها من خلال ندوات و ورش عمل وطاولات بحث مستمرة

بوتين يتمسك بالوحدة الروحية : صراع الكنيسة الأرثوذكسية بين أوكرانيا وروسيا؟

سلَّط #جيه_يوجين_كلاي، أستاذ مشارك في قسم الدراسات الدينية بجامعة ولاية أريزونا، الضوء على صراع الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، وكيف يعكس هذا الصراع التوترات الروسية الأوكرانية على مدار التاريخ، وذلك في تقرير نشره موقع «ذا كونفرزيشن» الأسترالي.

بوتين يتمسك بالوحدة الروحية : صراع الكنيسة الأرثوذكسية بين أوكرانيا وروسيا؟

في مطلع التقرير يُشير الكاتب إلى أنه بينما تحشد روسيا قواتها على الحدود الأوكرانية استعدادًا للغزو المحتمل ظهرت على السطح توترات جديدة بين الدولتين من خلال الصراع الذي تشهده الكنيسة الأرثوذكسية. وهناك كنيستان أرثوذوكسيتان مختلفتان تدعي كل واحدةٍ منهما أنها هي التي تمثل الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الحقيقية الوحيدة للشعب الأوكراني. وتعرض كلتا الكنيستين رؤيتين متضاربتين تمامًا للعلاقة بين الشعبين الأوكراني والروسي.

كنيستان أرثوذوكسيتان
يقول الكاتب منذ غزو روسيا لأوكرانيا وضمها شبه جزيرة القرم في عام 2014، شهدت العلاقات بين الدولتين توترًا استثنائيًّا. وانعكست هذه التوترات في النهجَين المختلفين المتَّبعين للكنيستين في التعامل مع روسيا.

ويُوضح التقرير أن الكنيسة الأقدم والأعرق هي الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو). وأفادت إحصاءات الحكومة الأوكرانية أن هذه الكنيسة كان لديها رعايا في عام 2018 يتجاوز عددهم 12 ألف شخص. وتُعد هذه الكنيسة فرعًا تابعًا للكنيسة الأرثوذكسية الروسية وتخضع للسلطة الروحية للأسقف كيريل الأول بطريرك موسكو. وكان البطريرك كيريل وسلفه البطريرك ألكسي الثاني يُؤكدان مرارًا وتكرارًا على الروابط القوية التي تربط بين شعبي أوكرانيا وروسيا.

وعلى النقيض من ذلك تحتفل الكنيسة الثانية الأحدث من حيث التأسيس، وهي الكنيسة الأرثوذكسية لأوكرانيا، باستقلالها عن العاصمة موسكو. وكانت الكنيسة الجديدة قد تأسست بمباركة من البطريرك المسكوني برثلماوس الأول رئيس أساقفة القسطنطينية وفي يناير (كانون الثاني) 2019 اعترف البطريرك بارثولماوس الأول رسميًّا بالكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا بصفتها عضوًا منفصلًا ومستقلًا، وعلى قدم المساواة مع الكنائس الأرثوذكسية العالمية.

التحرر من السلطة الدينية الخارجية
أبرز التقرير أن الكنيسة الأرثوذكسية لأوكرانيا، التي تتمتع بالحكم الذاتي بالكامل، كانت تتويجًا لعقود من الجهود التي بذلها المتدينون الأوكرانيون الذين أرادوا أن تكون كنيستهم الوطنية الخاصة متحررة من أية سلطة دينية خارجية. وبوصفها تعبيرًا عن الاستقلال الروحي لأوكرانيا شكَّلت هذه الكنيسة الأرثوذكسية الجديدة ذات الحكم الذاتي في أوكرانيا تحديًا لموسكو. ويُطلق على الكنيسة الأرثوذكسية لأوكرانيا في المصطلحات الأرثوذكسية أنها كنيسة ذات سلطة دينية مستقلة حرة.

وعلى عكس الكنيسة الكاثوليكية، التي لديها قائد روحي واحد يتمثل في البابا، تنقسم الكنيسة الأرثوذكسية في جميع أنحاء العالم إلى 14 كنيسة معترف بها عالميًّا ومستقلة وحرة أو ذاتية.

وتضم الكنيسة الأرثوذكسية لأوكرانيا أكثر من 7 آلاف من الرعايا في 44 أبرشية. وتتعامل هذه الكنيسة مع الروس والأوكرانيين على أنهم شعبان مختلفان، يستحق كل منهما أن تكون له كنيسته المستقلة.

الكنيسة الأرثوذكسية المستقلة لأوكرانيا
يُنوه التقرير إلى أن القضية الرئيسة التي تفصل بين الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا وبين الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو) هي علاقتهما بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وعلى الرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية (بطريركية موسكو) تتمتع باستقلالية كبيرة في شؤونها الداخلية، لكنها في نهاية الأمر تُعد تابعة للأسقف كيريل الأول بطريرك موسكو، الذي يُؤكد رسميًّا أنه قائدها الروحي. وتؤكد هذه الكنيسة على الوحدة التي تربط بين المتدينين الأرثوذكس من الروس والأوكرانيين.

وفي المقابل تُعلن الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا استقلالها عن أية هيئة دينية أخرى. ومن وجهة نظر أنصارها يسمح لهم هذا الاستقلال بإنشاء تجسيد أوكراني خاص للمسيحية.

تراث مسيحي أرثوذكسي مشترك
يلفت التقرير إلى أن المسيحية الأرثوذكسية في كل من روسيا وأوكرانيا تعد هي التقاليد الدينية السائدة. وبحسب مسح أجراه مركز «بيو» للدراسات والأبحاث في عام 2015، عرَّف 71٪ من الروس و78٪ من الأوكرانيين أنفسهم على أنهم من الأرثوذكس. ولم تزل الهوية الدينية عاملًا ثقافيًّا مهمًا في كلتا الدولتين.
ويعود تحول روسيا وأوكرانيا إلى المسيحية الأرثوذكسية إلى عام 988 بعد الميلاد في عهد الأمير الأكبر لكييف، وهو الأمير الوثني الذي عمَّده المبشرون من القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، وكان يُعرف عند الروس باسم فلاديمير، ويُعرف باسم فولوديمير عند الأوكرانيين. وبعد ذلك أصبحت كييف أهم مركز ديني لقبائل السلاف الشرقيين.

وبعد تعرُّض كييف للدمار على أيدي المغول في عام 1240، تردَّت أحوال المدينة حتى في ظل ازدهار موسكو، جارتها الشمالية، وتنامي قوتها. وبحلول عام 1686 ميلادية احتلت روسيا شرق أوكرانيا وكييف، وفي ذلك العام نقل بطريرك القسطنطينية رسميًّا سلطته الروحية على أوكرانيا إلى بطريرك موسكو. وفي القرن العشرين طالبت حركة قومية متنامية باستقلال أوكرانيا لكل من الكنيسة والدولة. وعلى الرغم من حصول أوكرانيا على استقلالها في عام 1991 ميلادية ظلت الكنيسة الأرثوذكسية الوطنية الوحيدة المعترف بها عالميًّا خاضعة لموسكو.

وكان بعض المسيحيين الأرثوذكس الأوكرانيين قد حاولوا إنشاء كنيسة مستقلة في أعوام 1921 و1942 و1992، إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل إلى حد كبير، ولم يعترف المجتمع الأرثوذكسي العالمي بتلك الكنائس التي أنشأوها.

رؤيتان للتاريخ
وأفاد التقرير أنه في الوقت الحاضر يعكس تجسيد الأرثوذكسية بين الكنيستين المتنافستين في أوكرانيا رؤيتين تاريخيتين مختلفتين للعلاقة بين الروس والأوكرانيين. ومن وجهة نظر بطريركية موسكو يُعد الروس والأوكرانيون شعبًا واحدًا، لذا ينبغي أن توحدهم كنيسة واحدة. وهي العبارة التي ذكرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقاله المنُشور مؤخرًا. ووصف الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا بأنها اعتداء على «الوحدة الروحية» للشعبين الروسي والأوكراني.

أما الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا فلديها وجهة نظر مختلفة تمامًا؛ إذ رفض رئيسها المتروبوليت إبيفاني، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية، بشدة «التقاليد الإمبراطورية الروسية»، مؤكدًا أن الأوكرانيين بحاجة إلى كنيسة مستقلة لأن شعبها مستقل ولديه ثقافة مختلفة وفريدة.

وفي ختام تقريره يؤكد الكاتب أن مستقبل الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا غير واضح. وصحيحٌ أنها تتمتع بدعم عدد من الكنائس الشقيقة، لكنها في الوقت نفسه تواجه معارضة شرسة من موسكو، ولم تزل تمثل في الوقت الحالي مصدرًا للجدل والتوترات بين روسيا وأوكرانيا.

ساسة بوست

اترك تعليقا