00:00:00
توقيت بغداد
2026نوفمبر04
الأربعاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم د. مثنى السراي

طريق التنمية... مشروع عراقي وطموح تركي

1- الطرق التجارية عبر التاريخ وتطورها

اكتسبت التجارة وطرقها أهمية كبيرة في المجتمعات البشرية بعد إنتاج الإنسان للقوت والسلع التي فاضت عن حاجته، وأراد تبادلها مع سلع أخرى هو بحاجتها ولا توفرها له بيئته الخاصة. فعرفت العديد من الطرق التجارية بين العراق، الهند، مصر والشام. كذلك عرفت الحضارات القديمة الرحلات التجارية البحرية الفينيقية والرومانية بين سواحل البحر المتوسط.

 وحسب المصادر التاريخية عرف العرب أهم طريق تجاري بين اليمن والشام مرورا بالحجاز، مكة المكرمة خصوصا، وكان هاشم بن عبد مناف بن قصي جد الرسول (ص) اول من خطط هذا الطريق التجاري لإنقاذ مكة واهلها من الموت اعتفارا، وهي عادة قديمة وقاسية كانت تُمارس في الجاهلية لدى بعض فقراء قبيلة قريش، ومن اجل توفير القوت اللازم للعيش في أرض غير ذات زرع.

وبعد ظهور الاسلام وانتشاره في اسيا وافريقيا وأجزاء من أوروبا، توسعت الطرق التجارية بين الامصار الاسلامية وبينها وبين الامبراطوريات المحيطة، ومن هذه الطرق طرق الحج وطريق الحرير الشهير وطريق الخليج العربي - الهند والصين وطرق شمال إفريقيا والأندلس وغيرها. وساهمت هذه الطرق بتبادل العبيد والسلع مثل التوابل، والحرير، والأحجار الكريمة، والخزف الصيني، والزيوت، والأقمشة، والقطن، والتمور، والحبوب، والمنتجات اليدوية.

 وبالاضافة الى تجارة السلع، كانت هذه الطرق من أهم مصادر تبادل العلوم والمعارف والخبرات العملية والاديان، حيث لم تقتصر محطات الاستراحة (الخانات) على طول الطرق من الصين إلى تركيا وشمال أفريقيا مثلا، على المبيت وتناول الطعام فحسب، بل كانت فضاءً للتواصل اليومي وتبادل اللغات والقصص والمعتقدات الدينية والثقافية. ومن هنا يتضح الدور المهم الذي تلعبه الطرق التجارية في تطوير ثقافات الامم وتحقيق رخائها. 

2- الطرق التجارية وصراع الامم

وامتد تأثير هذه المسارات لغاية يومنا هذا، كون طرق التجارة أصبحت من أساسيات علم الجغرافية السياسية والاقتصاد لما لها من دور في رسم سياسات الدول وتخطيطها الاستراتيجي لتوسيع نفوذها فكانت سبباً للصراعات أو نتيجةً لها. وما حروب الأفيون (1839-1860) بين الامبراطورية البريطانية والفرنسية من جهة، وسلالة تشينغ الصينية من جهة اخرى، إلا مثالاً على ذلك لان هذه الحروب اندلعت بسبب اصرار الدول الاوروبية على تصدير الأفيون إلى الصين، وفتح الموانئ الصينية بالقوة أمام التجارة الغربية الحرة بعد أن حاولت الصين منع هذه التجارة المدمرة.

ومثال آخر هو حرب القوافل البحرية (1939-1945) بين بريطانيا وامريكا ضد المانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، حيث استهدفت مجموعات الذئاب الألمانية (نوع خاصة من الغواصات) وبتوجيه مباشر من هتلر، قوافل السفن الامريكية والبريطانية والكندية التي كانت تمد الجزر البريطانية بالغذاء والوقود والعتاد والدبابات والطائرات. ولابد من التطرق الى أزمة السويس (1956) عبر عدوان ثلاثي (بريطاني، فرنسي، إسرائيلي) على مصر بعد تأميم قناة السويس، لان القناة تعد أهم ممر مائي تجاري يربط الشرق بالغرب، كون الدول الكبرى اعتبرت تأميم القناة من قبل الحكومة المصرية تهديداً مباشراً لحركة النفط والتجارة العالمية.

ومن الأمثلة المعاصرة التي نعيش آثارها أزمة هرمز (2026) التي حدثت نتيجة اغلاق ايران لمضيق هرمز أمام حركة سفن التجارة العالمية، ومنها سفن النفط والغاز الطبيعي والاسمدة وغيرها من البضائع بعد الاعتداء الامريكي الاسرائيلي عليها في نهاية شباط الماضي، وتلاه كرد فعل الحصار الامريكي على الموانئ الإيرانية. وتسببت الازمة الاخيرة بتراجع صادرات الطاقة في العالم وارتفاع أسعار المشتقات النفطية وكلف نقل البضائع ومبالغ التأمين عالمياً، مما ادى إلى تأثر سكان العالم بهذه المشكلة بصورة مباشرة وغير مباشرة، ويتهدد حاليا سلسلة إمدادات وخزين الطاقة العالمي. ومن هذا العرض الموجز للامثلة، تبرز اهمية المسارات التجارية ودورها في رسم الجغرافية السياسية والتحالفات الدولية وتقرير مصائر الشعوب.

3- التنافس الدولي على الممرات التجارية

واستكمالا لما طُرح، يتضح امام المتابع ان الطرق التجارية كانت سبباً أو أداةً لحروب كبرى وضغطت على اقتصاد دول ودفعت دولاً أخرى إلى إيجاد طرق بديلة او احياء طرق قديمة كمتنفس لحركتها التجارية. وما طريق الحرير الجديد او ما يُعرف عالمياً بمبادرة الحزام والطريق، الذي اطلقتها جمهورية الصين الشعبية في 2013، الا واحد من هذه المبادرات السياسية والاقتصادية الكبرى، وستعمل الصين على الربط بين قارات العالم عبر شبكة ضخمة من البنية التحتية والسكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب، من أجل تجاوز المضائق والموانع المائية، وبذلك يتم اختصار الجهد والوقت والمال. واستهدفت الصين في هذا المشروع ثلاثة جوانب وهي خفض تكاليف نقل المنتجات والمعلومات والتقنيات. وتوسيع التجارة عبر فتح أسواق جديدة، وتعزيز الروابط الاقتصادية مع أكثر من 60 دولة وجهة حول العالم. والتنمية الإقليمية من خلال الاستثمار في مشاريع البنية التحتية والموانئ لتقوية الحضور الاقتصادي والسياسي.

وتلي هذه المبادرة من ناحية الطرح والرقعة المستهدفة للتجارة او كردّ غربي أو بوصفه معادلةً للردع للمبادرة الصينية، مشروع الممر الاقتصادي بين الهند ودول الخليج ودول الاتحاد الاوروبي عبر ميناء حيفا، الذي طُرح عام 2023. حيث يهدف المشروع، وفقاً لمصادر عديدة، إلى ربط الهند بقارات آسيا والخليج العربي وصولاً إلى أوروبا عبر شبكة متعددة الوسائط. و يسعى كذلك إلى خفض تكاليف النقل وتسريع حركة التجارة (بنسبة تصل إلى نحو 40% مقارنة ببعض المسارات التقليدية). ويعمل على نقل البضائع، إضافةً إلى أنابيب الهيدروجين النظيف، وكابلات الكهرباء والاتصالات الرقمية. وبالتالي نكون شهوداً على أن الصراعات الحديثة هي صراعات على المسارات والطرق التجارية والطاقوية من خلال الحدّ من النفوذ السياسي والاقتصادي لدول معينة عبر تغيير مسارات التجارة المارة بها وخلق طرق بديلة ذات منافع اقتصادية أكبر لدول اخرى. 

example

4- مشروع طريق التنمية.. رؤية عراقية

وفي خضم هذه التجاذبات والاصطفافات الدولية واستشعاراً لمخاطر المشاريع الأخرى القادمة، وجد العراق نفسه خارج معادلة الطرق التجارية العالمية المذكورة أعلاه، وأن المكاسب المتوقعة من مشاريعه الضخمة كميناء الفاو أو الدعوة لجلب الاستثمارات الضخمة للبلد مثلا ستكون دون جدوى، او لا تحقق إلا القليل من العائدات المتوقعة اقليميا. لذا ومن اجل إعادة وجهة البوصلة ولتحقيق دور ريادي اقتصادي يعود على البلد ومحيطه الاقليمي بالنفع المتبادل، طرحت الحكومة العراقية السابقة برئاسة السيد  محمد شياع السوداني مشروع طريق التنمية في أيار 2023. حيث تم توقيع اتفاقية تعاون رباعية بشأن المشروع بين العراق وتركيا وقطر والإمارات في نيسان 2024، وأعلنت الحكومة الحالية برئاسة السيد علي فالح الزيدي عن إطلاق الأعمال الميدانية للمشروع مع الجمهورية التركية في تموز 2026. واعلنت الحكومة العراقية في الأيام القليلة الماضية أن مطلع سنة 2027 سيشهد وضع حجر الأساس لامتداد مشروع طريق التنمية أو القناة الجافة.

والمشروع باختصار خطة نقل واستراتيجية اقتصادية كبرى لربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر العراق. ويبدأ من ميناء الفاو الكبير في محافظة البصرة جنوباً، ويمتد عبر طريق بري سريع وخط سكك حديدية مزدوج ومكهرب يمر بعدة محافظات عراقية وصولاً إلى الحدود التركية عند منطقة فيشخابور، ثم إلى الشبكة التركية وصولاً إلى أوروبا وبكلفة تتجاوز 15 مليار دولار. والهدف المنظور من المشروع هو تقليص مدة النقل التجاري بين الشرق وأوروبا لتصبح نحو 25 يوماً، ما يختصر نحو 11 يوماً مقارنة بمسار قناة السويس (حسب مصادر عديدة)، وإنشاء مدن صناعية ومراكز لوجستية وخطوط للاتصالات والطاقة بمحاذاة الممر، مما يوفر قفزة اقتصادية كبيرة للبلدان التي يمر بها، ويمتد أيضاً لدول جوار العراق، ويحقق زيادة في فرص العمل لشعوبها، وتعزيز الشراكة الاقتصادية والأمنية والطاقوية بينها.

example

5- طريق التنمية والطموح التركي

ومما تقدم نستخلص الأهداف المرجوة من تنفيذ هذا المشروع من الدول الموقعة على اتفاقيته. الا أن الطرف التركي كانت له طموحات أكبر وقد تجلّى ذلك في تصريحات وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، الذي تحدث لوكالة الأناضول الشهر الماضي، عن طموح بلاده لتطوير طريق التنمية ليصبح ممراً للطاقة يشمل النفط والغاز الطبيعي والكهرباء مع تعزيز دور ميناء جيهان بوصفه مركزاً للطاقة. فوفق الرؤية التركية الجديدة، يهدف المشروع إلى تعزيز العلاقات في مجال الطاقة بين العراق وتركيا مع إنشاء ممر تجاري رئيسي يربط المنطقة بالأسواق الأوروبية. فالخطة التركية الطموحة توفر مسارات لنقل النفط والغاز الطبيعي على طول طريق التنمية والتي يمكن أن تولّد وحدها قيمة اقتصادية سنوية تبلغ حوالي 80 مليار دولار إذا تم تطوير البنية التحتية للطاقة للمشروع جنباً إلى جنب مع شبكة النقل الخاصة به.

ويعكس هذا الطموح التصميم التركي على بناء طريق التنمية كممر استراتيجي للطاقة من دول الخليج الى أوروبا عبر تركيا، حيث يوفر هذا المسار منفذاً للغاز القطري للتصدير عبر الموانئ التركية او الأراضي التركية الى اوروبا متجاوزاً بذلك عقدة مضيق هرمز. كذلك أرست تركيا الأساس القانوني للبنية التحتية النفطية في هذا الاتجاه من خلال انهائها لاتفاقية تصدير نفط الشمال في العراق عبر الأنابيب الى ميناء جيهان التركي والتي وُقّعت سنة 1973، والتي مُدّد العمل بها سنة واحدة بعد توقيع اتفاقية مؤقتة بين الجانبين خلال العام الحالي، وطلب الأتراك إبرام اتفاقية جديدة (تحديثاً للاتفاقية السابقة) تنص على نقل نفط البصرة بالإضافة الى نفط كركوك واقليم كردستان وبطاقة تصديرية تصل إلى 1.5 مليون برميل يوميا عبر أراضيها الى ميناء جيهان.

example

6- قناة التنمية الجافة كممر للطاقة الكهربائية

أما بالنسبة إلى الطاقة الكهربائية في العراق، فإن وجود خطوط ربط مع تركيا والأردن والسعودية ودول الخليج، فضلاً عن خطوط الربط القائمة مع إيران، التي توقفت واردات الكهرباء عبرها نتيجة القيود المرتبطة بالعقوبات الأمريكية، يتيح للعراق فرصة توظيف شبكته الكهربائية ممراً إقليمياً لنقل الطاقة. كل ذلك يتيح لهذه الدول استخدام شبكة العراق الكهربائية ممراً لعبور الكهرباء وتصديرها الى أوروبا، لاسيما في أوقات انخفاض الطلب، إذ سيكون منفذاً مهماً لنقل فائض الطاقة الكهربائية في دول الخليج، باتجاه الشمال، في ظل وجود مشاريع لإنتاج الطاقة الكهربائية النووية والطاقة المتجددة في هذه الدول مستقبلاً، وسيعمل هذا الربط الكهربائي مهماً لتركيا لتحقيق هدفها في أن تكون مركزاً عالمياً للطاقة يربط بحر قزوين ووسط آسيا بأوروبا والشرق الأوسط، الأمر الذي يحوّل العراق تلقائياً من مجرد مستهلك للكهرباء إلى "عقدة لوجستية" وممر ونقطة لتبادل الطاقة وتسوية الحسابات الكهربائية.

ومن عوائد هذا المخطط أن يحصل العراق على رسوم عبور (ترانزيت) لقاء مرور التيار الكهربائي عبر خطوط النقل الداخلية لديه دون ان يتحمل تكاليف إنتاج الكهرباء، واستيراد الطاقة خلال فترات ذروة الطلب الصيفي الحرجة، وكذلك تصدير الطاقة أو تمريرها في أوقات الوفرة، مما يسهم جزئياً في معالجة أزمة العجز التاريخية في البلاد.

7- تحديات ومتطلبات التحول الى ممر للطاقة

والتحول إلى ممر طاقة عالمي يمنح العراق ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً يجعل من استقرار وأمن العراق مصلحة مشتركة لجميع القوى الإقليمية والدولية. وهنا يجب ان ننتبه إلى ضرورة التمييز في مشروع طريق التنمية بين قيمة العراق بوصفه ممراً جغرافياً وقيمته بوصفه منتجاً للطاقة وشريكاً اقتصادياً وصاحب قرار في إدارة موارده. وعلى الرغم من أن الفكرة ممكنة تقنياً وبدأ العراق تنفيذ اجزاء منها فعلياً، إلا أن تحول العراق بالكامل إلى ممر للطاقة مستقر يتطلب معالجة بعض المشكلات الهيكلية، منها تحديث البنية التحتية المحلية، بسبب ما تعانيه شبكات النقل والتوزيع الداخلية في العراق من ضائعات كبيرة، إذ إنها بحاجة إلى استكمال ادخال التقنيات الحديثة مثل النقل بالتيار المستمر عالي الجهد(HVDC) ، أو إضافة مستويات جديدة من الجهد المتناوب لنقل الطاقة لمسافات طويلة. وكذلك الحاجة إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي وتوفير التمويل اللازم، حيث ترتبط سرعة إنجاز هذه الخطوط باستقرار الأوضاع السياسية في المنطقة وتوفير التخصيصات المالية المستدامة لأعمال البناء والتأهيل والصيانة.

8- التمويل والتكامل الاقليمي والدولي 

وتحقيقاً لما تقدم، ولضرورة تكامل الطموح التركي والمبادرة العراقية في تنفيذ مشروع القناة الجافة، الذي يوصف بأنه شريان اقتصادي عابر للقارات رغم تزاحمه مع المشاريع العالمية في المنطقة، فإنه لا بد من وجود مساهمة إقليمية من الدول المنضمة إلى مشروع طريق التنمية من خلال صندوق استثماري يمول تنفيذ البنية التحتية، بالأضافة الى الافكار المطروحة لتوفير التمويل اللازم من خلال مقترح صندوق التمويل مقابل النفط مع تركيا (وهو صندوق تمويل مشترك بين العراق وتركيا)، وقروض البنك الدولي لتمويل البنى التحتية في العراق ومقترح تأسيس صندوق استثماري مشترك مع الولايات المتحدة لغرض جذب الاستثمارات الأميركية للمشروع، إضافة إلى استعداد البنك الآسيوي لتمويل مثل هذه المشاريع. وبعد تنفيذ المشروع سوف تتجلى ذروة التطور الاستراتيجي للدول المعنية به في القرن الحالي من خلال الانتقال من التنافس إلى التكامل الإقليمي، كون المشروع سيكون نموذجاً عملياً يخدم الرؤى اللوجستية والاقتصادية المشتركة لهذه الدول في الحاضر والمستقبل ويفتح مجالات تعاون مختلفة بين الشعوب ويجلب إيرادات مالية كبيرة ويوفر فرص عمل كثيرة ويسهم في ترسيخ الأمن بمختلف أبعاده بين دول المنطقة مع ضرورة امتلاك العراق لرؤية واضحة لموقعه وعوائده وشروط مشاركته.

 

Comments