جيه سكوت ماركوس – زميل باحث أول مشارك في مركز دراسات السياسات الأوروبية (CEPS)
بعد انتخابات أميركية مفصلية.. الديمقراطية في الولايات المتحدة لا تزال تقف على أرضية هشة
إن الرفض الواسع الذي عبّر عنه الناخبون الأميركيون لدونالد ترامب وحلفائه خلال انتخابات التجديد النصفي، يُعدّ لافتاً للغاية من حيث حجمه واتساع نطاقه، بل إنه تجاوز حتى أكثر نتائج استطلاعات الرأي تفاؤلاً.
فقد أظهرت النتائج والتوقعات في الساعات الأولى من يوم 4 تشرين الثاني/نوفمبر أن الحزب الديمقراطي حقق انتصارات واسعة في سباقات مجلس الشيوخ التي كان يأمل الفوز بها، بما في ذلك ولايات كان تحقيق انتصار ديمقراطي فيها يبدو شبه مستحيل في الظروف الاعتيادية، مثل تكساس وكانساس وأيوا، فضلاً عن تحقيق فوز مفاجئ في ولاية كارولاينا الجنوبية.
وبذلك، تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وهي نتيجة كان يُنظر إليها قبل بضعة أشهر فقط على أنها مستبعدة إلى حد كبير.
ثلاث وسائل لتقويض انتخابات التجديد النصفي
تُعد انتخابات التجديد النصفي، عادةً، بمثابة استفتاء فعلي على أداء الرئيس الأميركي في منتصف ولايته. وقد باتت النتائج واضحة الآن؛ إذ ارتفعت نسبة المشاركة بين الناخبين المؤيدين للديمقراطيين، في حين كانت مشاركة أنصار حركة «ماغا» أقل من ذلك. لقد رفض الرأي العام الأميركي سياسات ترامب بصورة حاسمة.
لكن السؤال المهم الآن هو: ماذا سيحدث بعد ذلك؟
قبل انطلاق هذه الدورة الانتخابية، توقّع كاتب المقال أن يلجأ ترامب وحلفاؤه إلى ثلاثة أساليب للتعامل مع الانتخابات:
أولاً، التلاعب بالعملية الانتخابية، عبر جعل التصويت أكثر صعوبة أمام المعارضة أو تقليل تأثير أصواتها.
ثانياً، التشكيك في نزاهة النتائج والطعن في شرعيتها إذا خسر الجمهوريون.
ثالثاً، وضع العراقيل أمام الكونغرس المنتخب حديثاً، بما يجعل أداء مهامه الدستورية أمراً صعباً أو مستحيلاً.
ولم يحقق الأسلوبان الأول والثاني مكاسب كبيرة لترامب، لكن الاحتمال الثالث لا يزال مطروحاً ولم تتضح نتائجه بعد.
كان الأسلوب الأول واضحاً بأشكال متعددة، لكنه لم يكن بالفاعلية التي ربما تمناها ترامب. فقد لجأت ولايات أميركية عديدة إلى إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية بصورة منحازة بشكل فاضح، بهدف تضخيم القوة التصويتية للجمهوريين. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الخطوة قد أفادتهم بالفعل.
وتقوم عملية التلاعب بترسيم الدوائر الانتخابية على تركيز أصوات الخصم في عدد محدود من الدوائر، مقابل توزيع أصوات الحزب المعني بصورة أكثر توازناً على دوائر متعددة. لكن هذه الاستراتيجية قد تنقلب على أصحابها عندما يحقق الحزب المستهدف أداءً انتخابياً يفوق التوقعات.
كما جرت محاولات للتدخل في التصويت عبر البريد، والاستيلاء على قوائم الناخبين، وترهيب مجالس الانتخابات والعاملين فيها، إلى جانب إجراءات أخرى. غير أن المحاكم أوقفت العديد من هذه التدابير، التي كانت مخالفة بصورة واضحة للقانون أو للدستور.
أما محاولات التشكيك في نتائج الانتخابات، فقد كانت متوقعة تماماً.
ووفقاً لاستطلاع حديث أجراه باحثون بقيادة صحيفة «واشنطن بوست»، يتفق الديمقراطيون والجمهوريون إلى حد كبير بشأن نزاهة الانتخابات ودقتها؛ إذ قال 70% من الديمقراطيين و67% من الجمهوريين إنهم يثقون بنزاهتها.
ومع ذلك، أعرب 36% من الجمهوريين عن عدم ثقتهم في أن ترامب سيقبل خسارة الجمهوريين، مقارنة بـ77% من المستقلين و94% من الديمقراطيين.
وتشير هذه الأرقام إلى أن ترامب لن يحقق على الأرجح نجاحاً كبيراً من خلال هذه الاستراتيجية أيضاً؛ فكما في قصة الراعي الذي اعتاد إطلاق تحذيرات كاذبة من الذئب، سبق له أن قوض مصداقيته بنفسه.
وهذا يترك الاحتمال الثالث، المتمثل في محاولات تعطيل عمل الكونغرس الجديد. فقد لجأ قادة الأنظمة السلطوية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، في كثير من الأحيان، إلى تقويض نتائج الانتخابات من خلال منع المجالس التشريعية المنتخبة حديثاً من الانعقاد، أو التلاعب بإجراءات المصادقة على النتائج والإجراءات التشريعية، أو إضعاف الضوابط المؤسسية، واستخدام آليات تبدو قانونية لمنع المساءلة الديمقراطية الطبيعية.
حالة من السلطوية التنافسية
تكشف أحداث السادس من كانون الثاني/يناير 2021 عن مدى التحول الذي شهدته الولايات المتحدة.
وقد عبّر علماء السياسة ليفيتسكي وواي وزيبلات عن ذلك بالقول: «يواجه الأميركيون حكومة سلطوية. ففي عام 2025، لم تعد الولايات المتحدة ديمقراطية كاملة بالمعنى الذي تُعدّ فيه كندا وألمانيا، بل وحتى الأرجنتين، دولاً ديمقراطية».
ويرى هؤلاء الباحثون أن الولايات المتحدة تطورت إلى شكل من أشكال «السلطوية التنافسية»، حيث تبقى المؤسسات الديمقراطية الرسمية قائمة، لكن الحكام القائمين في السلطة يعملون بصورة منهجية على ترجيح كفة المنافسة لمصلحتهم، من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام والمحاكم والإدارة الانتخابية وغيرها من الآليات.
وبذلك، يحتفظ النظام بمظهر ديمقراطي رسمي، لكن المنافسة السياسية لم تعد عادلة بصورة حقيقية.
وفي الولايات المتحدة، تعرضت الضمانات المؤسسية للإضعاف. فقد تمتعت الديمقراطية الأميركية بمسيرة استمرت 250 عاماً، بفضل نظام فعال للفصل بين السلطات، إلا أن هذا الفصل لم يعد يؤدي دوره بالفاعلية المطلوبة.
فوجود رئيس ينتمي إلى حركة «ماغا»، ووزارة عدل خاضعة لنفوذ الحركة نفسها، ومحكمة عليا تهيمن عليها توجهات «ماغا»، إلى جانب كونغرس غير فاعل، جعل هذه المؤسسات عاجزة خلال العامين الماضيين عن توفير منظومة حقيقية من الرقابة والتوازن بين السلطات.
وفي الوقت نفسه، أضعفت المحكمة العليا فاعليتها، ربما من دون قصد، من خلال قرارها الصادر عام 2024، الذي منح الرئيس حصانة كاملة من الملاحقة الجنائية الفيدرالية عن جميع أفعاله الرسمية.
ومن دون تحرك من السلطة التنفيذية، مدفوع بإرادة الرئيس، لا تستطيع المحكمة العليا فرض تنفيذ أحكامها.
ومن الممكن أن يشكل الكونغرس المنتخب حديثاً أداة رقابية مؤثرة، لكن ذلك مرهون بقدرته على الانعقاد وممارسة صلاحياته، وهو تحديداً ما أصبح معرضاً للخطر الآن.
غير أن الحد من سلطات الحاكم المستبد لا يعتمد حصراً على الآليات المؤسسية؛ فالدعم الشعبي والشعور بشرعية السلطة يمثلان عنصرين أساسيين أيضاً.
ولهذا السبب، غالباً ما يتردد الحكام المستبدون في إلغاء الانتخابات، حتى عندما تصبح بلا معنى فعلي. فعندما يفقد الحاكم الدعم الشعبي والشرعية، يمكن الإطاحة به بطرق متعددة، كما حدث عندما أقال ملك إيطاليا بينيتو موسوليني واعتقله عام 1943.
وربما لا يكون ترامب مهتماً كثيراً بدراسة التاريخ، لكنه يدرك على الأرجح هذه الحقيقة.
عامان مضطربان في الأفق
إن اتساع انتصار الديمقراطيين وقوته يشيران إلى أن أي محاولات جمهورية لتقويض عمل الكونغرس أو تعطيله باتت أقل احتمالاً بكثير مما كانت ستكون عليه لو تحقق فوز ضيق أو غير واضح.
فحتى الرئيس الأميركي المتقلب المزاج والمفرط في الثقة بالنفس، قد يجد صعوبة في تجاهل إرادة الناخبين.
وخلال الفترة المتبقية من ولاية ترامب، يُفترض أن يتمكن الكونغرس الفاعل من منع المزيد من التجاوزات على الصعيد الداخلي، أو الحد منها على الأقل، لكن قدرته على التأثير في السياسة الخارجية قد تكون أقل.
ومع ذلك، يبدو أن عامين من الجمود السياسي مرجحان، في ظل احتمال لجوء ترامب إلى استخدام حق النقض الرئاسي (الفيتو) لتعطيل التشريعات.
ويتمثل أحد الأسئلة المهمة في المرحلة المقبلة في ما إذا كانت الانتخابات الحالية تعكس تحولاً جذرياً وحقيقياً ومستداماً في السياسة الأميركية، أم أنها مجرد رد فعل مؤقت على الحرب والتضخم.
لكن من الواضح أن السنوات المقبلة ستتطلب إصلاحات جوهرية إذا كان من المطلوب استعادة الديمقراطية الأميركية حيويتها السابقة.
فثمة حاجة إلى وضع قيود حقيقية وقابلة للتنفيذ على ما يمكن للرؤساء تطبيقه من خلال الأوامر التنفيذية، فضلاً عن فرض حدود واضحة على قدرتهم على شن الحروب من دون تفويض من الكونغرس.
وفي مجال السياسة الخارجية، ينبغي تعزيز الدور الرقابي للكونغرس.
أما المحكمة العليا، فتحتاج إلى تحديد مدد زمنية لعضوية قضاتها، إلى جانب وضع معايير أخلاقية ملزمة وقابلة للتنفيذ تحكم عملهم.
ولا تتطلب هذه التغييرات تعديلات دستورية، وهي عملية يكاد يكون تمريرها مستحيلاً في الظروف الراهنة.
لكن تنفيذ هذه الإصلاحات لن يكون ممكناً من دون توافق سياسي واسع بين رئيس أميركي مستقبلي وكونغرس مستقبلي، إلى جانب توافر الإرادة السياسية اللازمة.
وهذا هدف بالغ الصعوبة، حتى في أفضل الظروف؛ إذ إن تحقيقه سيكون، في جميع الأحوال، مشروعاً يمتد عبر جيل كامل.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments