ترجمة المعهد العراقي للحوار
البحرين تحت المظلة الأمنية الأميركية.. هشاشة عسكرية وأزمة مالية ومخاطر زعزعة الاستقرار الداخلي
مقدمة
تكشف التطورات الأمنية والعسكرية التي شهدتها منطقة الخليج خلال عام 2026 عن معضلة استراتيجية تواجه البحرين، تتمثل في التناقض بين اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة لتوفير الحماية العسكرية والردع الإقليمي، وبين المخاطر التي يفرضها وجود المنشآت والقواعد العسكرية الأميركية على أراضيها، خصوصاً عندما تتحول المواجهة بين واشنطن وطهران إلى صراع مباشر.
فالمملكة التي تستضيف مقر الأسطول الخامس الأميركي، وتشكّل إحدى أهم نقاط الارتكاز للانتشار العسكري الأميركي في منطقة الخليج، وجدت نفسها أمام تداعيات مباشرة للمواجهة الإقليمية، شملت استهداف منشآت عسكرية وبنى تحتية اقتصادية وصناعية، فضلاً عن الضغوط المالية التي تفاقمت بفعل اضطراب النشاط الاقتصادي وتراجع الإنتاج.
وتتجاوز هذه المعضلة مسألة قدرة البحرين على مواجهة التهديدات العسكرية؛ إذ تطرح تساؤلات أعمق بشأن طبيعة العلاقة بين الدولة المضيفة للقواعد الأجنبية والقوة العسكرية الموجودة على أراضيها، ومدى امتلاك الدولة المضيفة القدرة على التأثير في القرارات الاستراتيجية التي قد تجعل أراضيها جزءاً من ساحة المواجهة.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الوجود العسكري الأميركي في البحرين بوصفه ضمانة أمنية منفصلة عن محيطها الإقليمي، بل باعتباره جزءاً من منظومة عسكرية أوسع ترتبط بحسابات واشنطن في الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي، وبالمنافسة الاستراتيجية مع إيران.
وتتمثل المفارقة الأساسية في أن البنية العسكرية التي يفترض أن تعزز أمن المملكة قد تتحول، في ظروف التصعيد، إلى عامل يزيد من تعرضها للتهديد، فيما تتحمل الدولة المضيفة جانباً كبيراً من التداعيات المادية والاقتصادية والسياسية، رغم أن قرار الدخول في المواجهة أو توسيع نطاقها لا يقع بالضرورة ضمن صلاحياتها.
أولاً: البحرين.. موقع جغرافي يتجاوز حدود الدولة الصغيرة
تستمد البحرين أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي في قلب الخليج، وقربها من الممرات البحرية الحيوية التي تربط أسواق الطاقة العالمية بالمحيط الهندي، فضلاً عن موقعها القريب من السواحل الإيرانية والارتباط الجغرافي المباشر بالمملكة العربية السعودية عبر جسر الملك فهد.
ورغم محدودية مساحتها وإمكاناتها العسكرية مقارنة بالقوى الإقليمية الكبرى، فإن المملكة تحتل موقعاً متقدماً في الحسابات العسكرية الأميركية، بسبب استضافتها مقر القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية في المنطقة والأسطول الخامس.
ويعود الوجود البحري الأميركي في البحرين إلى عام 1948، فيما أصبحت المنشآت العسكرية فيها مركزاً لوجستياً وعملياتياً مهماً للعمليات البحرية الأميركية في نطاق مسؤولية القيادة البحرية المركزية.
وتتيح هذه المنشآت للولايات المتحدة إدارة جانب مهم من عملياتها البحرية، وتنسيق تحركات القطع العسكرية، وتوفير الدعم اللوجستي والاتصالات والصيانة، فضلاً عن تعزيز التعاون مع القوات البحرية للدول الحليفة.
ولا تقتصر أهمية البحرين على حماية مياهها الإقليمية، بل تمتد إلى دعم الانتشار العسكري الأميركي في مساحات جغرافية أوسع، تشمل الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
وترتبط هذه الأهمية بثلاثة ممرات استراتيجية رئيسية:
- مضيق هرمز: يمثل الشريان الأهم لتصدير النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
- باب المندب: يشكل نقطة اتصال بحرية أساسية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
- قناة السويس: تمثل أحد أهم الممرات التجارية والعسكرية التي تربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي عبر البحر الأحمر.
وبذلك، فإن أي اضطراب في المنشآت العسكرية الأميركية الموجودة في البحرين لا يقتصر تأثيره على المملكة، بل يمكن أن يمتد إلى منظومة الانتشار البحري الأميركي وقدرتها على إدارة العمليات وتأمين خطوط الملاحة.
غير أن هذه الأهمية نفسها تجعل البحرين أكثر عرضة لأن ينظر إليها الخصوم باعتبارها جزءاً من البنية العسكرية الأميركية، وليس مجرد دولة تستضيف منشآت أجنبية.
ثانياً: الأسطول الخامس.. من مظلة ردع إلى نقطة تعرض عسكري
يمثل الأسطول الخامس الأميركي الركيزة الأساسية للحضور العسكري الأميركي في البحرين، وتتمثل وظيفته في دعم العمليات البحرية ومراقبة الممرات الاستراتيجية وتوفير القدرات اللوجستية والقيادية للقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.
لكن المواجهة الأميركية الإيرانية التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 كشفت عن جانب آخر من هذه المعادلة، يتمثل في أن المنشآت العسكرية التي تستضيفها البحرين يمكن أن تتحول إلى أهداف مباشرة في حال اندلاع مواجهة بين واشنطن وطهران.
وبحسب تقييم خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي الصادر في 23 سبتمبر/أيلول 2026، تعرضت منشأة الدعم البحري الأميركية في البحرين لأضرار كبيرة خلال الأيام الأولى من المواجهة، كما واجهت العمليات اللوجستية البحرية الأميركية تحديات نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية العسكرية.
وتشير التقديرات الأولية الواردة في التقرير الأميركي إلى أن قيمة الأضرار التي لحقت بالمنشأة قد لا تقل عن 400 مليون دولار.
وتشمل الأضرار، وفق المعلومات التي أوردتها خدمة أبحاث الكونغرس، مقر القيادة، ومحطتين للاتصالات عبر الأقمار الصناعية من طراز AN/GSC-52B، ومستودعات، ونحو اثني عشر مبنى آخر.
كما أشار التقرير إلى أن القوات الأميركية اضطرت إلى اتخاذ إجراءات تتعلق بإجلاء بعض العسكريين والدبلوماسيين والموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم، في أعقاب اندلاع المواجهة.
وتبرز أهمية هذه التطورات في أن المنشأة لم تعد مجرد قاعدة ثابتة توفر الدعم للعمليات الأميركية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الاستهداف المتبادل بين القوى المتواجهة.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، نقل تقرير خدمة أبحاث الكونغرس تصريحات لقائد العمليات البحرية الأميركية، الأدميرال داريل كودل، أشار فيها إلى أن العودة إلى مستوى التشغيل السابق للمنشأة لن تكون قريبة، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه إعادة بناء القدرات التشغيلية.
كما أشار التقرير إلى أن البحرية الأميركية اتجهت إلى استخدام منشأة الدعم البحري في دييغو غارسيا بالمحيط الهندي مركزاً لوجستياً بديلاً لتوفير الإمدادات للسفن العاملة في المنطقة، وهو ما أدى إلى إطالة بعض خطوط الإمداد وتغيير ترتيبات الدعم البحري.
وتكشف هذه المعطيات عن أن استهداف منشأة عسكرية واحدة قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات تتجاوز الأضرار المادية المباشرة، لتشمل إعادة توزيع القوات، وتغيير المسارات اللوجستية، وارتفاع تكاليف العمليات، وإعادة تقييم المواقع العسكرية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في المنطقة.
ثالثاً: الاعتماد العسكري على واشنطن وحدود الاستقلال الاستراتيجي
لا تقتصر العلاقة الأمنية بين البحرين والولايات المتحدة على استضافة القواعد والمنشآت العسكرية، بل تشمل منظومة واسعة من التعاون الدفاعي والتسليح والتدريب والتنسيق العملياتي.
وتشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن الولايات المتحدة وفرت نحو 97% من واردات البحرين من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة 2020–2024، وهو ما يعكس مستوى مرتفعاً للغاية من الاعتماد على المورد الأميركي في بناء القدرات العسكرية وتطويرها.
ويترتب على هذا الاعتماد عدد من النتائج الاستراتيجية، أبرزها ارتباط جاهزية القوات البحرينية بمنظومات التسليح الأميركية، وقطع الغيار، وبرامج الصيانة والتدريب، فضلاً عن استمرار الحاجة إلى الدعم الفني والتحديثات المرتبطة بهذه المنظومات.
ولا يعني ذلك أن البحرين تفتقر إلى مؤسساتها العسكرية أو قدراتها الدفاعية الوطنية، لكنها تواجه تحدياً يتعلق بمدى قدرتها على الحفاظ على استقلالية قرارها الدفاعي في ظل الارتباط التقني والعملياتي الواسع بالولايات المتحدة.
وتزداد أهمية هذه المسألة في أوقات الأزمات؛ إذ لا تتعلق القدرة الدفاعية بمجرد امتلاك الطائرات أو منظومات الدفاع الجوي، بل بمدى توافر الذخائر وقطع الغيار والقدرات الاستخبارية والاتصالات والقيادة والسيطرة.
كما أن الدفاع عن دولة صغيرة ذات مساحة جغرافية محدودة يختلف عن الدفاع عن دول واسعة المساحة؛ إذ إن استهداف منشأة حيوية واحدة يمكن أن يؤثر في وظائف اقتصادية أو خدمية أو عسكرية متعددة.
ومن هنا، فإن الاعتماد على القوة الأميركية يوفر للبحرين إمكانات ردع مهمة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى بناء منظومة وطنية قادرة على التعامل مع التهديدات التي قد تنشأ عن استضافة المنشآت العسكرية الأجنبية.
رابعاً: اتفاقيات الدفاع والأمن.. هل تضمن الحماية الأميركية التزاماً تلقائياً؟
تستند العلاقات الأمنية بين البحرين والولايات المتحدة إلى اتفاقيات وتفاهمات متعددة، أبرزها اتفاقية التعاون الدفاعي التي تعود إلى عام 1991، والتي جرى تمديدها لاحقاً، فضلاً عن اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل (C-SIPA) الموقعة عام 2023.
وتستهدف الاتفاقية الأخيرة تعزيز التعاون في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد، وتطوير التنسيق بين المؤسسات المعنية في البلدين، بما يساهم في تعزيز القدرات الدفاعية والأمنية للبحرين.
لكن من المهم التمييز بين اتفاقيات التعاون الدفاعي وبين معاهدات الدفاع المشترك التي تتضمن التزامات محددة بالتدخل العسكري التلقائي عند تعرض أحد الأطراف لهجوم.
فوجود قواعد عسكرية أميركية على الأراضي البحرينية، والتعاون في مجال التسليح والتدريب، لا يعني بالضرورة أن واشنطن ملزمة قانونياً بخوض كل مواجهة عسكرية دفاعاً عن المملكة، أو أن كل هجوم يستهدف البحرين سيؤدي تلقائياً إلى تدخل عسكري أميركي مباشر.
وتتضمن اتفاقيات التعاون الأمني آليات للتشاور والتنسيق وتعزيز التكامل الدفاعي، لكنها لا ينبغي أن تُفسر على أنها ضمانة مطابقة للالتزامات الدفاعية الجماعية المنصوص عليها في حلف شمال الأطلسي.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما تكون الدولة المضيفة للقواعد العسكرية جزءاً من نزاع لا تتحكم بالكامل في توقيته أو نطاقه أو القرارات السياسية التي أدت إليه.
وبالتالي، فإن أحد الأسئلة الأساسية التي تفرضها تجربة عام 2026 يتعلق بمدى قدرة البحرين على التأثير في القرارات العسكرية التي يمكن أن تنعكس مباشرة على أمنها الداخلي، وما إذا كانت ترتيبات التعاون القائمة توفر لها ضمانات كافية للتعامل مع تداعيات التصعيد.
خامساً: الأزمة المالية.. اقتصاد مثقل بالديون قبل المواجهة
لم تكن التحديات المالية التي تواجه البحرين نتيجة مباشرة للمواجهة العسكرية وحدها، بل سبقتها اختلالات هيكلية في المالية العامة، تتعلق بارتفاع الدين الحكومي واستمرار العجز المالي والاعتماد على الإيرادات النفطية.
ووفقاً لتقييم صندوق النقد الدولي الصادر في يناير/كانون الثاني 2026، بلغ الدين الحكومي الإجمالي نحو 134% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، فيما وصل العجز المالي إلى نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام نفسه.
وتكشف هذه المؤشرات عن محدودية قدرة المالية العامة على استيعاب صدمات اقتصادية وأمنية كبيرة دون اللجوء إلى مزيد من الاقتراض أو طلب المساعدات الخارجية.
كما أشار الصندوق إلى أن الإيرادات الحكومية شكلت نحو 17.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024، مقابل نفقات بلغت نحو 28.9%، ما يعكس فجوة واضحة بين الموارد المالية المتاحة والتزامات الإنفاق الحكومي.
وكانت توقعات الصندوق قبل المواجهة تشير إلى إمكانية ارتفاع الدين الحكومي إلى 149.7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، وهو ما يوضح أن المملكة كانت تواجه بالفعل مساراً مالياً صعباً حتى قبل احتساب التداعيات الاقتصادية للحرب.
وتتضاعف خطورة هذا الوضع عندما تتعرض مصادر الإيرادات والقطاعات الإنتاجية إلى اضطرابات متزامنة؛ إذ يؤدي تراجع الإنتاج إلى انخفاض النشاط الاقتصادي، بينما ترتفع الحاجة إلى الإنفاق على إعادة الإعمار والحماية الأمنية والخدمات العامة.
وتعتمد قدرة البحرين على تجاوز هذه المرحلة على مجموعة من العوامل، من بينها استمرار الدعم المالي الخليجي، وإمكانية الحصول على تمويل خارجي بشروط مناسبة، واستعادة النشاط الصناعي والتجاري، إلى جانب تنفيذ إصلاحات مالية تقلص العجز وتحد من تراكم الديون.
سادساً: انكماش الاقتصاد بنسبة 11.3%.. تداعيات المواجهة تتجاوز القطاع العسكري
من أبرز المؤشرات التي يعرضها التقرير التراجع الحاد في التوقعات الاقتصادية للبحرين خلال عام 2026.
فبحسب التقرير، توقع صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2026 انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبحرين بنسبة 11.3% خلال العام، مقارنة بتوقعات سابقة في يناير/كانون الثاني كانت تشير إلى نمو بنسبة 3.3%.
ويمثل ذلك تراجعاً بمقدار 14.6 نقطة مئوية في التوقعات الاقتصادية بين التقييمين، وهو تحول كبير يعكس حجم الصدمة التي تعرض لها الاقتصاد البحريني.
ويجب التمييز هنا بين التوقعات الاقتصادية وبين النتائج النهائية المحققة؛ إذ إن نسبة الانكماش الواردة تمثل تقديراً لصندوق النقد الدولي، وليست بالضرورة النتيجة النهائية للناتج المحلي عند إغلاق حسابات العام.
لكن دلالة هذا التراجع تتجاوز الأرقام، إذ يشير إلى أن آثار المواجهة لم تبقَ محصورة في المجال العسكري، بل امتدت إلى قطاعات الإنتاج والتجارة والطاقة والاستثمار.
وتتجلى المخاطر الاقتصادية في ثلاثة مستويات مترابطة:
1. المستوى الإنتاجي: تراجع قدرة المنشآت الصناعية على العمل بمستوياتها المعتادة، واضطراب الإمدادات والمواد الأولية.
2. المستوى التجاري: ارتفاع المخاطر المرتبطة بالنقل البحري والتأمين والشحن، وتراجع الثقة في استمرارية سلاسل التوريد.
3. المستوى المالي: انخفاض الإيرادات المحتملة، وارتفاع الإنفاق الطارئ، وزيادة الضغوط على الدين العام والتمويل الحكومي.
وتكمن خطورة هذا التداخل في أن تعافي أحد القطاعات لا يعني بالضرورة تعافي الاقتصاد بأكمله؛ فعودة الملاحة إلى طبيعتها، على سبيل المثال، لا تكفي وحدها لإعادة المصانع إلى طاقتها الإنتاجية أو معالجة اختلالات الموازنة العامة.
سابعاً: بابكو وألبا.. استهداف البنية الصناعية يضاعف كلفة الحرب
تُظهر التطورات التي شهدها قطاعا الطاقة والألمنيوم أن تداعيات المواجهة امتدت إلى أعمدة الاقتصاد البحريني، وفي مقدمتها الصناعات المرتبطة بالطاقة والتصدير.
ففي 9 مارس/آذار 2026، أعلنت شركة بابكو إنرجيز حالة القوة القاهرة على عمليات المجموعة، بعد تعرض مجمع مصافيها لهجوم في ظل استمرار المواجهة الإقليمية.
وأوضحت الشركة أن احتياجات السوق المحلية من الوقود كانت مؤمّنة من خلال خطط مسبقة، بما يضمن استمرار الإمدادات وتلبية الطلب المحلي دون انقطاع.
ورغم أهمية هذه الإجراءات في منع حدوث أزمة تموين داخلية، فإن إعلان القوة القاهرة كشف عن حجم المخاطر التي تواجه المنشآت النفطية عندما تصبح جزءاً من نطاق الاستهداف العسكري.
أما في قطاع الألمنيوم، فقد أعلنت شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) عن تراجع صافي إنتاج المنتجات النهائية بنسبة 61% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، ليبلغ 155,469 طناً.
كما تراجعت مبيعات الشركة بنسبة 32% لتصل إلى 280,799 طناً، فيما انخفضت شحنات المنتجات ذات القيمة المضافة بنسبة 38%، لتبلغ 195,891 طناً.
وأرجعت الشركة التراجع في الإنتاج بصورة رئيسية إلى الإيقاف المنظم لثلاثة خطوط إنتاج، في ظل التطورات الإقليمية والقيود المرتبطة بالإمدادات والخدمات اللوجستية.
وتكشف هذه البيانات عن طبيعة المخاطر التي تواجه الصناعات الثقيلة في الدول الصغيرة ذات التركّز الإنتاجي المرتفع؛ إذ يمكن أن يؤدي تعطل جزء من سلسلة الإنتاج أو النقل إلى انعكاسات واسعة على الصادرات والإيرادات والتشغيل.
لكن المفارقة أن التراجع الكبير في الإنتاج تزامن مع ارتفاع أسعار الألمنيوم عالمياً، حيث بلغ متوسط سعر الطن في بورصة لندن للمعادن نحو 3,576 دولاراً خلال الربع الثاني من عام 2026، بزيادة بلغت 46% على أساس سنوي.
وقد انعكس ذلك على النتائج المالية للشركة، التي سجلت ارتفاعاً في الأرباح المنسوبة إلى المساهمين خلال الربع الثاني، رغم انخفاض الإنتاج والمبيعات.
وهذا التباين مهم في قراءة الأضرار الاقتصادية؛ إذ إن ارتفاع الأرباح المحاسبية أو تحسن أسعار السلع لا يعني بالضرورة تعافي القدرة الإنتاجية أو عودة النشاط الصناعي إلى مستوياته الطبيعية.
ثامناً: السعودية والإمارات.. شبكة الدعم الخليجي وحدود الاعتماد المالي
لا يمكن فهم مستقبل البحرين الأمني والاقتصادي بمعزل عن علاقتها بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فالدولتان تمثلان ركيزتين أساسيتين في منظومة الاستقرار الخليجي، وتمتلكان تأثيراً اقتصادياً وسياسياً وأمنياً مهماً في مسار المملكة.
وتكتسب السعودية أهمية استثنائية بالنسبة للبحرين بحكم الجوار الجغرافي والارتباط الاقتصادي المباشر، فضلاً عن الدور السعودي في دعم استقرار النظام المالي البحريني خلال الأزمات السابقة.
أما الإمارات، فتشكل شريكاً اقتصادياً واستثمارياً مهماً، وتربطها بالمنامة علاقات وثيقة في المجالات السياسية والأمنية والمالية.
وتبرز أهمية هذين الدورين في ظل محدودية قدرة البحرين على تمويل احتياجاتها الأمنية والاقتصادية المتزايدة اعتماداً على مواردها الذاتية وحدها، خصوصاً إذا استمرت تداعيات المواجهة العسكرية وأدت إلى تراجع الإيرادات وارتفاع الإنفاق.
لكن الاعتماد على الدعم الخليجي يطرح بدوره أسئلة بشأن طبيعة العلاقة بين المساعدات المالية والاستقلال في اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي.
فالمساعدات الخارجية قد توفر للدولة قدرة على تجاوز أزمة السيولة وتخفيف ضغوط الدين العام، لكنها لا تعالج بالضرورة الاختلالات الهيكلية التي أدت إلى الأزمة، كما أن استمرار الاعتماد عليها قد يجعل الاستقرار المالي مرتبطاً بتوازنات إقليمية وسياسات الدول المانحة.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الدعم السعودي والإماراتي بوصفه أحد أهم عوامل احتواء المخاطر التي تواجه البحرين، لكنه ليس بديلاً عن إصلاح المالية العامة أو تنويع الاقتصاد أو بناء قدرات وطنية أكثر استقلالية.
وتتطلب المرحلة المقبلة تحقيق توازن بين الاستفادة من المظلة الخليجية والحفاظ على مساحة كافية من الاستقلال في إدارة العلاقات الإقليمية، خصوصاً في ظل اختلاف حسابات الدول الخليجية بشأن طبيعة العلاقة مع إيران، وحدود الانخراط في أي مواجهة عسكرية جديدة.
تاسعاً: إيران والبحرين.. معضلة الجغرافيا والأمن المتبادل
تحتل إيران موقعاً مركزياً في الحسابات الأمنية البحرينية، ليس فقط بسبب القرب الجغرافي، بل أيضاً بسبب طبيعة التوترات التاريخية والسياسية والأمنية بين الطرفين.
وتتأثر العلاقة بين البلدين بعوامل متعددة، تشمل التنافس الإقليمي، والوجود العسكري الأميركي في البحرين، والمواقف المتباينة بشأن أمن الخليج، فضلاً عن الملفات السياسية الداخلية التي شكلت أحد مصادر التوتر في العلاقات الثنائية.
ومن المنظور الإيراني، تمثل المنشآت العسكرية الأميركية في دول الخليج جزءاً من منظومة الانتشار العسكري التي تستخدمها واشنطن في إدارة عملياتها الإقليمية، وبالتالي فإن استهداف هذه المنشآت في ظروف الحرب قد يكون جزءاً من استراتيجية الرد على العمليات الأميركية.
أما من المنظور البحريني، فإن وجود تلك المنشآت لا يعني بالضرورة رغبة المملكة في الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، لكنه يجعلها عرضة لتداعيات الصراع عندما تصبح القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها أهدافاً عسكرية.
وهنا تظهر إحدى أكثر المعضلات تعقيداً في العلاقات بين البلدين: كيف يمكن للبحرين الحفاظ على تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تجنب تحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة للصراع مع إيران؟
لا يبدو أن الإجابة تكمن في خيار واحد، سواء عبر إنهاء الوجود الأميركي أو الدخول في مواجهة مستمرة مع طهران، بل في بناء معادلة أمنية تتيح للبحرين حماية مصالحها الوطنية، وتمنحها قدرة أكبر على إدارة التوازنات الإقليمية.
ويشمل ذلك تعزيز قنوات الاتصال الدبلوماسي، وتطوير آليات منع التصعيد، وتوسيع مجالات التعاون الخليجي بشأن أمن الملاحة، إلى جانب وضع قواعد أكثر وضوحاً بشأن استخدام المنشآت العسكرية الموجودة على الأراضي البحرينية في العمليات الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن التقارب الدبلوماسي قادر وحده على إزالة الخلافات الاستراتيجية، لكنه قد يحد من احتمالات سوء التقدير ويمنح الدول الصغيرة مساحة أكبر لحماية مصالحها عندما تتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى.
عاشراً: الاستقرار الداخلي.. التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية
تتجاوز آثار المواجهة العسكرية الأضرار المادية التي تصيب المنشآت العسكرية والاقتصادية، لتشمل البيئة السياسية والاجتماعية داخل الدولة.
فالتاريخ السياسي البحريني يتسم بوجود توترات داخلية تعود جذورها إلى مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية، وقد شهدت المملكة منذ عام 2011 احتجاجات واسعة وتطورات أمنية وسياسية تركت آثاراً مستمرة على طبيعة العلاقة بين الدولة والمعارضة.
وفي هذا السياق، فإن أي أزمة اقتصادية واسعة قد تعيد طرح ملفات تتعلق بتوزيع الموارد والإنفاق العام وفرص العمل ومستوى الخدمات، خصوصاً عندما تتزامن مع إجراءات أمنية استثنائية وتراجع النشاط الاقتصادي.
ويشير التقرير إلى أن مخاطر زعزعة الاستقرار الداخلي لا يمكن فصلها عن التداخل بين ثلاثة عوامل رئيسية:
1. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية
يمكن أن يؤدي الانكماش الاقتصادي وتراجع النشاط الصناعي والتجاري إلى التأثير في فرص العمل والدخل ومستويات المعيشة، كما أن ارتفاع الدين العام قد يفرض على الحكومة اتخاذ إجراءات مالية تتعلق بالدعم والضرائب والإنفاق العام.
وتصبح هذه الإجراءات أكثر حساسية عندما تتخذ في بيئة اقتصادية تعاني أصلاً من آثار مواجهة عسكرية وتراجع الثقة الاستثمارية.
2. الإجراءات الأمنية وتداعيات الحرب
إن اتساع المخاوف الأمنية قد يدفع السلطات إلى تشديد الإجراءات المتعلقة بحماية المنشآت الحيوية ومراقبة التهديدات الداخلية والخارجية.
لكن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن الوطني واحترام الحقوق والحريات، وتجنب تحويل التدابير الاستثنائية إلى مصدر إضافي للتوتر السياسي والاجتماعي.
3. التداخل بين الاستقطاب الداخلي والتنافس الإقليمي
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بسبب موقع البحرين في التنافس بين إيران والولايات المتحدة، وما يحيط بالعلاقات السياسية الداخلية من حساسيات تاريخية ومذهبية.
لكن من الضروري عدم اختزال المجتمع البحريني أو المعارضة السياسية في مواقف خارجية، أو افتراض أن التوترات الداخلية تعكس بالضرورة صراعاً بالوكالة بين القوى الإقليمية.
فالتفاعلات الداخلية لها أسبابها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتتطلب قراءتها الاعتماد على أدلة مستقلة، وليس الاكتفاء بالتفسيرات الأمنية.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن قدرة الدولة على احتواء الضغوط الداخلية ستعتمد على مدى نجاحها في حماية النشاط الاقتصادي، وتوفير الخدمات، والحفاظ على تماسك المؤسسات، وإدارة العلاقة مع مختلف مكونات المجتمع.
وعليه، فإن الاستقرار الداخلي لا يرتبط فقط بقدرة الأجهزة الأمنية على مواجهة التهديدات، بل أيضاً بقدرة النظام السياسي على معالجة أسباب التوتر وتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة.
الحادي عشر: بريطانيا والوجود العسكري الغربي.. توسيع المظلة أم تعقيد الالتزامات؟
إلى جانب الولايات المتحدة، تحتل بريطانيا موقعاً مهماً في المنظومة الأمنية البحرينية، إذ ترتبط المملكة بعلاقات دفاعية وتاريخية مع لندن، التي تمتلك منشآت عسكرية في البحرين وتشارك في ترتيبات الأمن البحري في المنطقة.
ويشير التقرير إلى أن انضمام بريطانيا إلى اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل في يونيو/حزيران 2025 عزز الإطار السياسي للتعاون الأمني بين الأطراف المعنية.
وتكمن أهمية الدور البريطاني في أن لندن تمتلك مصالح استراتيجية في أمن الخليج والملاحة البحرية، كما تسعى إلى الحفاظ على حضور عسكري في المنطقة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي وإعادة تعريف دورها الدولي.
لكن توسيع نطاق التعاون الأمني لا يعني بالضرورة أن البحرين حصلت على ضمانات دفاعية تلقائية إضافية، إذ ينبغي التمييز بين التنسيق السياسي والعسكري وبين الالتزامات القانونية التي تفرض تدخلاً عسكرياً عند تعرض دولة ما لهجوم.
كما أن تعدد الأطراف الخارجية المشاركة في توفير الحماية قد يرفع مستوى التنسيق والقدرات الدفاعية، لكنه قد يزيد في المقابل من تعقيد إدارة المسؤوليات في حال اندلاع أزمة كبيرة.
وتبرز هنا أهمية تحديد طبيعة العلاقة بين المنشآت العسكرية الأجنبية والسيادة الوطنية، ومدى وضوح الترتيبات المتعلقة باستخدام الأراضي البحرينية في العمليات العسكرية، فضلاً عن آليات التعامل مع الأضرار التي قد تصيب المنشآت المدنية أو البنية التحتية الوطنية نتيجة التصعيد.
إن التحدي الذي تواجهه البحرين لا يتعلق بمجرد زيادة عدد الشركاء العسكريين، بل بمدى قدرتها على تحويل هذه الشراكات إلى منظومة حماية متكاملة لا تجعل أمن المملكة رهينة لقرارات خارجية لا تمتلك السيطرة الكاملة عليها.
الثاني عشر: السيناريوهات الاستراتيجية لمستقبل البحرين حتى عام 2031
يضع التقرير السنوات الخمس المقبلة في إطار اختبار لقدرة البحرين على التوفيق بين استعادة الاستقرار الأمني وإعادة بناء الاقتصاد ومعالجة الاختلالات المالية، مع استمرار التنافس الإقليمي والدولي في منطقة الخليج.
ويمكن قراءة المسارات المحتملة من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: التعافي وإعادة بناء منظومة الردع
يقوم هذا السيناريو على احتواء التصعيد العسكري، واستعادة المنشآت العسكرية الأميركية لقدراتها التشغيلية، وإعادة تشغيل القطاعات الصناعية المتضررة، إلى جانب توفير دعم مالي خليجي ودولي يساعد البحرين على تجاوز تداعيات الأزمة.
وفي هذا المسار، يمكن للبحرين أن تستفيد من إعادة تقييم منظومتها الدفاعية، وتعزيز قدرات الإنذار المبكر والدفاع الجوي، وتطوير البنية التحتية للاتصالات والخدمات اللوجستية.
كما يمكن أن يؤدي تحسن البيئة الأمنية إلى استعادة ثقة المستثمرين وشركات الشحن والتأمين، بما يدعم النشاط التجاري والصناعي.
غير أن نجاح هذا السيناريو يتطلب معالجة الاختلالات المالية السابقة للحرب، وليس الاكتفاء بإعادة بناء المنشآت المتضررة.
السيناريو الثاني: استمرار الهشاشة والاعتماد الخارجي
يفترض هذا السيناريو استمرار حالة من التوتر الإقليمي دون اندلاع مواجهة شاملة جديدة، مع بقاء المخاطر الأمنية والاقتصادية عند مستويات مرتفعة.
وفي هذه الحالة، قد تتمكن البحرين من المحافظة على استقرار مؤسسات الدولة، لكنها ستواجه صعوبة في استعادة مستويات النشاط الاقتصادي السابقة، خصوصاً إذا استمر تراجع الإنتاج الصناعي وارتفاع تكاليف التأمين والنقل والتمويل.
كما قد تتزايد الحاجة إلى الدعم المالي الخارجي، سواء من الولايات المتحدة أو دول الخليج، فيما تظل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة محدودة بفعل ارتفاع الالتزامات المالية.
ويمثل هذا السيناريو حالة من الاستقرار الهش، حيث لا تنهار مؤسسات الدولة، لكنها تبقى معرضة لتأثيرات أي صدمة إقليمية أو مالية جديدة.
السيناريو الثالث: تصعيد إقليمي جديد وتفاقم الضغوط الداخلية
يمثل هذا السيناريو الأكثر خطورة، إذ يفترض تجدد المواجهة الأميركية الإيرانية واتساع نطاق الاستهداف العسكري ليشمل منشآت إضافية في الخليج.
وفي هذه الحالة، قد تتعرض المنشآت العسكرية والبنية التحتية الاقتصادية في البحرين لموجة جديدة من المخاطر، فيما ترتفع تكاليف إعادة الإعمار والدفاع والحماية.
كما يمكن أن تتأثر الملاحة البحرية وسلاسل التوريد وقطاع الطاقة، الأمر الذي يضع مزيداً من الضغوط على المالية العامة ويزيد صعوبة معالجة الدين السيادي.
وعلى المستوى الداخلي، قد يؤدي استمرار الضغوط الاقتصادية وتوسع الإجراءات الأمنية إلى زيادة التوترات الاجتماعية والسياسية، خصوصاً إذا لم تتوافر سياسات فعالة لاحتواء آثار الأزمة.
لكن هذا السيناريو يظل احتمالاً تحليلياً وليس تنبؤاً حتمياً؛ إذ إن تحقق نتائجه يعتمد على طبيعة التصعيد ومدته، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، وقدرة البحرين وشركائها على منع اتساع المواجهة.
الثالث عشر: الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام المنامة
في ضوء هذه المعطيات، تبدو البحرين أمام ضرورة إعادة تقييم منظومتها الأمنية والاقتصادية، ليس من خلال التخلي عن تحالفاتها القائمة، بل عبر تطوير مقاربة أكثر توازناً تضع المصالح الوطنية في مقدمة الاعتبارات.
ويمكن تحديد مجموعة من الأولويات الاستراتيجية:
أولاً: تعزيز استقلالية القرار الأمني.
يتطلب ذلك تطوير آليات التشاور مع الشركاء العسكريين، وضمان وجود رؤية بحرينية واضحة بشأن استخدام الأراضي والمنشآت الوطنية في العمليات الإقليمية، بما يحد من احتمالات تعرض المملكة لتداعيات قرارات لا تملك التأثير الكافي فيها.
ثانياً: تنويع الشراكات الدفاعية.
إن الاعتماد الواسع على مورد عسكري واحد يجعل منظومة الدفاع أكثر ارتباطاً بقرارات وسياسات ذلك المورد. ومن ثم، فإن تنويع مصادر التسليح والتعاون التقني، وتطوير القدرات الوطنية في الصيانة والإسناد والاتصالات، يمكن أن يعزز المرونة الدفاعية على المدى الطويل.
ثالثاً: إعادة تقييم انتشار المنشآت العسكرية.
ينبغي أن تشمل المراجعة الأمنية توزيع الوظائف العسكرية واللوجستية، وتوفير بدائل للاتصالات والإمداد، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية، بما يقلل من مخاطر تركّز القدرات العسكرية في مواقع جغرافية محدودة.
رابعاً: إصلاح المالية العامة.
تحتاج البحرين إلى استراتيجية مالية متوسطة وطويلة الأمد تتعامل مع الدين العام والعجز المالي، وتوسع مصادر الإيرادات غير النفطية، وتحسن كفاءة الإنفاق، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية لأي إجراءات إصلاحية.
خامساً: حماية البنية التحتية الاقتصادية.
تتطلب المرحلة المقبلة وضع خطط لاستمرارية الأعمال في قطاعات الطاقة والألمنيوم والاتصالات والمياه والنقل، إلى جانب توفير بدائل تشغيلية وسلاسل إمداد أكثر مرونة.
سادساً: تخفيف التوترات الإقليمية.
إن تطوير قنوات الاتصال مع إيران، وتعزيز التنسيق الخليجي، وإيجاد آليات إقليمية لحماية الملاحة ومنع التصعيد، يمكن أن يسهم في تقليل المخاطر التي تواجه البحرين، دون أن يعني ذلك التخلي عن علاقاتها الأمنية القائمة.
سابعاً: تعزيز الاستقرار الداخلي.
يجب ألا تقتصر معالجة المخاطر على الجوانب الأمنية، بل ينبغي أن تشمل توسيع المشاركة السياسية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وضمان التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق العامة.
الخلاصة: هل تستطيع البحرين حماية نفسها من كلفة المظلة الأميركية؟
تقدم التجربة البحرينية خلال عام 2026 نموذجاً مهماً لفهم التحديات التي تواجه الدول الصغيرة التي تستضيف قواعد عسكرية لقوى دولية كبرى، وتعتمد على تلك القوى في توفير الحماية والردع.
فمن جهة، يمنح الوجود العسكري الأميركي البحرين أهمية استراتيجية كبيرة، ويوفر لها إمكانات دفاعية وعسكرية يصعب تحقيقها بالاعتماد على قدراتها الذاتية وحدها. ومن جهة أخرى، يجعل هذا الوجود أراضيها جزءاً من الحسابات العسكرية للخصوم الإقليميين، ويعرض منشآتها وبنيتها التحتية لمخاطر قد لا تكون مرتبطة مباشرة بقرار وطني بحريني.
وتكشف الأضرار التي لحقت بمنشأة الدعم البحري الأميركي، والاضطرابات التي طالت مصفاة بابكو وقطاع الألمنيوم، عن أن تداعيات المواجهة لم تقتصر على المجال العسكري، بل امتدت إلى البنية الاقتصادية للدولة، في وقت تواجه فيه المنامة أصلاً تحديات كبيرة تتعلق بالدين العام والعجز المالي.
وتكمن المفارقة في أن البحرين قد تكون مستفيدة من استمرار الحضور الأميركي من منظور الردع والتوازن الإقليمي، لكنها تتحمل في الوقت نفسه جزءاً كبيراً من كلفة المخاطر المترتبة على هذا الحضور، سواء من خلال تعرض منشآتها للاستهداف أو اضطرارها إلى تخصيص موارد إضافية لحماية البنية التحتية وإعادة تأهيلها.
ومن هنا، فإن القضية الأساسية ليست الاختيار بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين استمرار التحالفات العسكرية والانفتاح الدبلوماسي، بل القدرة على بناء سياسة خارجية وأمنية توازن بين الشراكات الدولية ومتطلبات السيادة الوطنية.
كما أن معالجة الأزمة المالية والاقتصادية لا تقل أهمية عن إعادة بناء القدرات الدفاعية؛ لأن الدولة التي تعاني من ارتفاع الدين العام وضعف الإيرادات ستكون أقل قدرة على تحمل صدمات أمنية متكررة، حتى لو امتلكت منظومات دفاعية متطورة.
وفي المحصلة، فإن مستقبل البحرين حتى عام 2031 سيتحدد بقدرتها على معالجة ثلاث معادلات مترابطة: الحماية العسكرية دون الوقوع في فخ التعرض الاستراتيجي، والشراكات الخارجية دون تآكل استقلالية القرار، والاستقرار السياسي دون تجاهل الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.
فالمظلة الأمنية الخارجية قد توفر الردع، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان استقرار الدولة، ولا تعوض غياب المرونة الاقتصادية أو ضعف القدرة على إدارة التوازنات الإقليمية.
والاختبار الحقيقي أمام المنامة سيكون في قدرتها على الانتقال من نموذج يعتمد أساساً على الحماية الخارجية، إلى نموذج يجمع بين الردع الدولي والقدرات الوطنية والاستقرار الاقتصادي والانفتاح الدبلوماسي، بما يضمن ألا تتحول الجغرافيا التي منحت البحرين أهميتها الاستراتيجية إلى مصدر دائم لهشاشتها الأمنية.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments