بقلم د. محمد أكرم ظهير - مختص في العلوم السياسية وعضو هيئة تدريس في جامعة أوكارا الباكستانية
استقلال استراتيجي أم انسحاب عالمي؟ مستقبل الدور الأميركي
برزت الأحادية الأميركية كخاصية مميزة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، خصوصًا بعد نهاية الحرب الباردة، حيث سعت واشنطن بشكل متزايد إلى تحقيق مصالحها الاستراتيجية بعيداً عن التوافق الدولي أو المؤسسات متعددة الأطراف.
وقد تجلت هذه المقاربة في العديد من القرارات العسكرية والسياسية والاقتصادية التي أبرزت أولوية المصالح الوطنية الأميركية على حساب التعاون العالمي.
بلغت الأحادية ذروتها خلال رئاسة جورج دبليو بوش، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر، عندما تبنت الولايات المتحدة استراتيجية دفاعية استباقية، متجاوزة المنتديات الدولية مثل الأمم المتحدة لتبرير تدخلات عسكرية، من أبرزها غزو العراق عام 2003.
دافع أنصار الأحادية داخل الإدارة الأميركية عن هذا النهج بالقول إن القوة العسكرية والاقتصادية غير المسبوقة لأميركا تفرض عليها مسؤولية فريدة في قيادة الشؤون العالمية وتشكيل النظام الدولي. واعتبروا أن عدم كفاءة المؤسسات متعددة الأطراف وما تفرضه من تسويات سياسية قد يعيق التحرك السريع والحاسم، خاصة في مواجهة الإرهاب والدول المارقة.
غير أن منتقدي الأحادية اعتبروا أن هذا المسار يقوض المعايير الدولية، ويهمش المؤسسات العالمية، ويثير الاستياء وعدم الاستقرار، لا سيما في دول الجنوب العالمي.
لم تقتصر النزعة الأحادية على المجال العسكري فحسب، بل امتدت إلى السياسات الاقتصادية والبيئية. فعلى سبيل المثال، انسحاب الولايات المتحدة من بروتوكول كيوتو بشأن تغير المناخ عام 2001 أظهر تردد واشنطن في الالتزام بتعهدات تُعد ضارة باقتصادها الوطني. كما عزز قرار إدارة ترامب بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ عام 2017 الانطباع بتخلي أميركا عن الجهود العالمية الجماعية.
اقتصادياً، فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية وقيوداً تجارية دون استشارة دولية، خاصة خلال حربها التجارية مع الصين، مما عكس أولوية المصالح الاقتصادية الوطنية على حساب استقرار الاقتصاد العالمي. وبينما حققت هذه الإجراءات أحياناً مكاسب استراتيجية قصيرة الأجل، إلا أنها عرضت شرعية الولايات المتحدة الدولية للخطر وأثرت سلبًا على علاقاتها مع حلفائها التقليديين.
رغم هذا النهج الحازم، واجهت الأحادية الأميركية قيوداً بنيوية ومعيارية؛ إذ شكّل القانون الدولي، والرأي العام العالمي، وصعود التعددية القطبية تحديات أمام استمرارية السياسات الأحادية. ومع تصاعد نفوذ قوى ناشئة مثل الصين وروسيا وتكتلات إقليمية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، أصبحت الولايات المتحدة تجد صعوبة متزايدة في التصرف دون عواقب أو معارضة.
علاوة على ذلك، غالباً ما أثبتت تكاليف التصرف الأحادي - عسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً - أنها غير مستدامة. فقد استنزفت الحروب المطولة في العراق وأفغانستان موارد الولايات المتحدة وكشفت حدود قدرتها على فرض نفوذها دون دعم دولي واسع. كما تسببت السياسات الأحادية في توتر علاقات واشنطن مع حلفائها الأساسيين في أوروبا وآسيا، مما دفع البعض منهم إلى إعادة النظر في تحالفاتهم الاستراتيجية والعمل على تعزيز استقلالهم الإقليمي.
تجاوزت تداعيات الأحادية الأميركية الحسابات الجيوسياسية الفورية، إذ تحدت المبادئ الأساسية للنظام الدولي الليبرالي الذي يقوم على التعددية والقوانين الدولية والسيادة المشتركة. ومع استمرار الولايات المتحدة في التصرف خارج هذه الأطر، برزت تساؤلات حول مستقبل الحوكمة العالمية ومصداقية المؤسسات الدولية.
وبينما سعى بعض الأطراف الدولية إلى ملء الفراغ الذي خلفه تراجع الدور الأميركي، خشي آخرون من أن يؤدي ذلك إلى حالة من عدم اليقين الاستراتيجي والفوضى التنافسية. كما أثرت الأحادية الأميركية على التصورات العالمية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث أضعفت الأفعال التي بدت أنانية أو متناقضة مع القيم الديمقراطية من السلطة الأخلاقية للولايات المتحدة، وقدمت للأنظمة السلطوية ذرائع لتبرير تصرفاتها الأحادية.
مع ذلك، فإن الأحادية الأميركية لم تكن دائماً نهجاً ثابتاً؛ بل كانت تتغير بتغير القيادات السياسية والظروف العالمية والأولويات الاستراتيجية المتطورة. فعلى سبيل المثال، تبنى الرئيس أوباما أسلوبًا مغايرًا، ركز على الدبلوماسية والتحالفات والقوة الناعمة، مقارنة مع نهج سلفه الأحادي. ومع ذلك، استمرت بعض عناصر الأحادية حتى في تلك الفترات، مما يعكس الصراع الدائم في السياسة الخارجية الأميركية بين الاستثنائية والانخراط الدولي.
في الختام، رغم أن الأحادية مكنت الولايات المتحدة من فرض نفوذها عالمياً، إلا أنها كشفت أيضاً عن التناقضات والحدود التي تواجهها القوة حين تُمارس دون شرعية أو تعاون أوسع. ومع استمرار تغير المشهد العالمي، يبقى مستقبل الأحادية الأميركية محل جدل، مما يستدعي إعادة توازن دقيقة بين حماية المصالح الوطنية والاضطلاع بالمسؤوليات الدولية.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments