ترجمة المعهد العراقي للحوار
تراجع نفوذ روسيا في جنوب القوقاز: لاعِبون جدد يدخلون الساحة
تتآكل مكانة روسيا في حدودها الجنوبية، لاسيما في أرمينيا وجمهورية أذربيجان، في ظل انشغال موسكو العميق بالحرب في أوكرانيا، وهو ما مهّد الطريق أمام دخول أطراف إقليمية ودولية جديدة، كتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لتعزيز نفوذها في المنطقة، بحسب تقرير لراديو أوروبا الحرة.
في 8 يوليو، التقى رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان، ورئيس أذربيجان إلهام علييف، في أبوظبي لبحث اتفاق سلام محتمل — من دون أي وساطة روسية. ورغم أن اللقاء لم يُفضِ إلى نتائج ملموسة، إلا أن البيان المشترك أكد التزام الطرفين بمواصلة المفاوضات الثنائية وبناء الثقة المتبادلة.
قبل خمس سنوات فقط، كان المشهد مختلفاً تماماً. فبعد حرب الـ44 يوماً بين الطرفين في 2020 حول إقليم ناغورنو قره باغ، الذي تسكنه غالبية أرمنية وتعدّه باكو جزءاً من أراضيها، لعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دور الوسيط في وقف إطلاق النار، ما عزّز موقع موسكو كقوة رئيسة في المنطقة.
لكن هذا الدور بدأ يتراجع لاحقاً. يقول المحلل الأذربيجاني رؤوف ميرقاضييروف إن "أرمينيا وأذربيجان، بعد أكثر من 30 عاماً من الصراع، باتتا أكثر تقارباً من أي وقت مضى، وكلتاهما تسعيان للابتعاد عن النفوذ الروسي، مستفيدتين من انشغال موسكو في الحرب الأوكرانية".
ويرى روبن مهرابيان، الباحث في معهد العلاقات الدولية والأمن في أرمينيا، أن يريفان تعتبر هذا الظرف فرصة للانفكاك عن الهيمنة الروسية. ويقول: "روسيا كانت تُبقي أرمينيا في حالة نزاع دائم لتبرير وجودها العسكري، أما الآن فترغب أرمينيا بحل الخلافات، وطرد النفوذ الروسي. وهو ما لا يروق لموسكو".
ووقّع وزير الخارجية الأرمني آرارات ميرزويان ونظيره الأمريكي أنتوني بلينكن في وقت سابق "ميثاق الشراكة الاستراتيجية" بين يريفان وواشنطن — وهو تطور أثار غضب روسيا.
التحولات بعد حرب 2020 وتفكك الثقة
تدهورت علاقة أرمينيا بروسيا تدريجياً منذ المواجهة المحدودة عام 2016، حين شعر الأرمن أن دعم موسكو كان باهتاً. ويقول ريتشارد غريغوسيَن، مدير مركز الدراسات الإقليمية في يريفان، إن تلك اللحظة كانت بداية "تآكل الثقة" الأرمنية في روسيا كشريك أمني. ويضيف أن موسكو منذ 2016 بدأت بالميل التدريجي نحو أذربيجان.
التوترات تصاعدت بعد حرب 2020، حين استعادت باكو السيطرة على معظم قره باغ، في ظل صمت أو تواطؤ روسي، بحسب يريفان.
ومؤخراً، اعتقلت السلطات الأرمنية الملياردير الروسي-الأرمني سامفيل كارابتيان بتهمة محاولة الانقلاب، في خطوة اعتُبرت تحدياً مباشراً لنفوذ موسكو، نظراً لعلاقاته الوثيقة بالكرملين. وبعدها بأيام، اعتُقل رجل دين أرمني بارز بدعوى التآمر لإسقاط الحكومة، ما دفع موسكو لاتهام يريفان بمهاجمة الكنيسة، واصفة إياها بـ"أحد أركان المجتمع الأرمني". وردت أرمينيا باتهام موسكو بالتدخل في شؤونها الداخلية.
حتى أذربيجان تبتعد
لم تعد أذربيجان أيضاً ترى في روسيا شريكاً يُعتد به. ففي يونيو، علّق علييف اللقاءات رفيعة المستوى مع موسكو، ومنع نائب رئيس الوزراء الروسي من زيارة باكو، وألغى فعاليات ثقافية روسية، عقب مقتل اثنين من أذربيجانيي الأصل في مدينة يكاترينبورغ الروسية، وسط تقارير عن تعذيب.
معضلة "ممر زنغزور" وموقع روسيا
في 2020، أُقر في اتفاق وقف إطلاق النار فتح ممر زنغزور بين أذربيجان وناختشيفان، تحت إشراف جهاز الأمن الفدرالي الروسي (FSB). لكن يريفان تعتبر الممر تهديداً لسيادتها، وتعارض الإشراف الروسي عليه. في مارس 2025، أعلن باشينيان أن "لا قوات أجنبية ستبقى على الحدود بعد توقيع اتفاق السلام"، وهو ما قد يعني استبعاد موسكو من دورها المستقبلي.
الصحفي فاديم دوبنوف يرى أن باكو أيضاً لم تعد متمسكة بالإشراف الروسي. ويضيف: "وجود FSB كان مفهوماً قبل حل قضية قره باغ، أما الآن فالتفاوض المباشر مع أرمينيا أنفع لأذربيجان".
زنغزور: عقدة في طريق "الممر الأوسط"
المنطقة تمثل جزءاً من "الممر الأوسط" الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى، متجاوزاً روسيا. ويقول ميرقاضييروف إن "موسكو تريد الهيمنة على كامل طرق النقل البري والجوي في القوقاز الجنوبي، لكن تركيا الآن في موقع أفضل لقيادة أمن المنطقة".
اللاعبون الجدد: تركيا، أوروبا، وأمريكا
رغم عمق العلاقات الاقتصادية والتاريخية مع موسكو، إلا أن غزو أوكرانيا في 2022 سرّع من تحرر دول جنوب القوقاز من التبعية الروسية. ويقول المحلل الروسي كيريل كريوشيف إن "تركيا أصبحت بوابة روسيا للعالم، وعبر أذربيجان يُعاد تصدير الغاز والنفط الروسي لأوروبا بطريقة قانونية لا تنتهك العقوبات".
ويشير بول غوبل من مؤسسة جيمس تاون إلى تحوّل في عقلية القيادة الأذربيجانية: "علييف بات يدرك أن موسكو بحاجة لأذربيجان أكثر مما تحتاجه هي، وهذا غيّر قواعد اللعبة".
أرمينيا تقترب من تركيا وأوروبا وأمريكا
من جهتها، تعمل يريفان على تحسين علاقاتها مع أنقرة بعد عقود من التوتر، وتمضي قدماً في تعزيز شراكاتها مع واشنطن وبروكسل. زيارة باشينيان الأخيرة إلى تركيا ولقاؤه مع أردوغان كانت خطوة غير مسبوقة. ويقول مهرابيان: "فتح الحدود مع تركيا قد يفتح لنا أبواب السوق الأوروبية، ونحن نسعى بالتوازي لتعميق تعاوننا مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة".
خلاصة
تعيش منطقة جنوب القوقاز تحولات جيواستراتيجية عميقة، مع انحسار نفوذ موسكو وصعود بدائل متعددة. وبينما تحاول روسيا التمسك بما تبقى من أوراقها، تبدو دول المنطقة حريصة على إعادة تعريف علاقاتها وتحالفاتها بما يتناسب مع التوازنات العالمية الجديدة.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments