00:00:00
توقيت بغداد
2026فبراير14
السبت
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

د. نادية حلمي - ترجمة المعهد العراقي للحوار

أهمية قمة منظمة شنغهاي للتعاون بالنسبة للدول النامية في الجنوب العالمي والعالم الثالث

تعكس قمة منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) لعام 2025، المنعقدة في مدينة تيانجين الصينية، عرضاً بارزاً للتضامن بين دول الجنوب العالمي في مواجهة الهيمنة الأمريكية والغربية.

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ قادة الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون المشاركين في القمة إلى لعب دور أكبر في حماية السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والعالمي، معتبراً بلاده قوة عالمية مستقرة ستدعم العالم النامي.

وحثّ الرئيس شي جميع أعضاء المنظمة على الاستفادة من السوق الهائلة التي يمتلكونها، وكشف في خطابه الافتتاحي عن طموحه في تأسيس نظام عالمي جديد للأمن والاقتصاد يشكل تحدياً مباشراً للولايات المتحدة.

تأتي تصريحات الرئيس الصيني في ظل مساعي بكين لتقديم نفسها قائداً رئيسياً للعالم النامي، فيما تُعَدّ القمة في تيانجين فرصة لتعزيز التضامن مع دول الجنوب العالمي. كما أن المجتمع الدولي، وخاصة دول الجنوب، يعلّق آمالاً كبيرة على منظمة شنغهاي للتعاون للعب دور محوري في الحوكمة الأمنية والاقتصادية العالمية في مواجهة السياسات والإملاءات الأمريكية المهيمنة.

أكد الرئيس شي جينبينغ في خطابه الافتتاحي أن «منظمة شنغهاي تمثل نموذجاً لنمط جديد من العلاقات الدولية، وأنه ينبغي علينا الدعوة إلى التعددية القطبية العادلة والمنظمة، وإلى عولمة اقتصادية شاملة، والعمل على بناء نظام أكثر عدلاً وإنصافاً للحكم العالمي».

وقد وافق العديد من قادة الدول النامية على خطاب الرئيس الصيني وأيدوه، من بينهم رجب طيب أردوغان (تركيا)، مين أونغ هلينغ (ميانمار)، ك.ب. شارما أولي (نيبال)، برابوو سوبيانتو (إندونيسيا)، أنور إبراهيم (ماليزيا)، ومحمد معازو (المالديف)، إلى جانب مشاركة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والأمين العام لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) كاو كيم هورن.

تُعد قمة 2025في الصين الأكثر أهمية في تاريخ منظمة شنغهاي منذ تأسيسها عام 2001، إذ تُعقد في ظل أزمات متعددة تؤثر مباشرة في أعضائها، بدءاً من المواجهة التجارية بين الولايات المتحدة والصين والهند، مروراً بالحرب الروسية على أوكرانيا، والقضية النووية الإيرانية، والضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على طهران، وصولاً إلى حرب غزة، وقضية تايوان، وغيرها من القضايا الدولية الملتهبة.

كما تخضع القمة لإجراءات أمنية وعسكرية مشددة وغير مسبوقة مقارنة بالقِمم السابقة، حيث انتشرت العربات المدرعة في شوارع عديدة، وأُغلقت مساحات واسعة من مدينة تيانجين الصينية، فيما عُلّقت لافتات باللغتين الصينية والروسية تشيد بـ "روح تيانجين" والثقة المتبادلة بين موسكو وبكين.

من المهم إدراك التزام الصين هذا العام خلال القمة بالعمل على ثلاثة مسارات رئيسية لمساعدة دول الجنوب العالمي والعالم الثالث. فعلى الصعيد السياسي، سيتم اعتماد "إعلان تيانجين" و"استراتيجية التنمية العشرية" لوضع رؤية طويلة الأمد للتعاون.

وعلى الصعيد الأمني، سيجري تعزيز الترتيبات المشتركة لمكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار الإقليمي. أما على الصعيد الاقتصادي، فسيُدفع التعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي، والتنمية الخضراء، والمدن الذكية، إضافة إلى تعزيز التجارة والاستثمار كركائز أساسية لتماسك "أسرة شنغهاي".

أشار مساعد وزير الخارجية الصيني ليو بينغ إلى أن قمة تيانجين ستكون الأكبر في تاريخ المنظمة، مؤكداً أن التطورات المتسارعة في الوضع الدولي تتطلب تعزيز التضامن والتعاون. وفي إشارة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة، قال: «إن العقليات القديمة القائمة على الهيمنة وسياسات القوة ما تزال مؤثرة، حيث تحاول بعض الدول تقديم مصالحها الخاصة على حساب الآخرين، وهو ما يهدد السلام والاستقرار العالميين».

يُذكر أن خطاب الرئيس شي جينبينغ حظي بموافقة جميع القادة المشاركين، خاصة مع تنامي دعوته في قمة تيانجين لجميع شركاء منظمة شنغهاي إلى رفض عقلية الحرب الباردة والمواجهات القائمة على التكتلات، والتأكيد على ضرورة دعم أنظمة التجارة متعددة الأطراف.

هذه الرسالة تُعَدّ إشارة واضحة إلى حرب الرسوم الجمركية التي شنّها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الصين، والتي أثّرت بشكل غير متناسب على اقتصادات الدول النامية، بما في ذلك الهند الحليف الجديد لواشنطن. وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن «الصين تلعب دوراً أساسياً في دعم التعددية العالمية».

في حين نجحت روسيا في جذب غالبية الأعضاء إلى مواقفها، تسعى الهند إلى تحقيق توازن بين دعوتها للسلام والحفاظ على علاقاتها مع كييف، في الوقت الذي تشتري فيه كميات كبيرة من النفط الروسي. وكانت أوكرانيا قد دعت أعضاء المنظمة إلى اتخاذ موقف واضح برفض "العدوان الروسي".

وخلال القمة، وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بأنه "صديق عزيز"، معتبراً أن العلاقات بين البلدين تتطور بشكل ديناميكي وغير مسبوق. ويعكس ذلك كله مستوى عالياً من التضامن بين سياسات دول الجنوب العالمي بقيادة الصين وحليفتها الوثيقة روسيا.

أما الولايات المتحدة فقد اعتبرت قمة منظمة شنغهاي في تيانجين حدثاً "غير مرحب به"، في ضوء الهجمات المتكررة للرئيس الأمريكي ترامب على تكتلات الجنوب العالمي، وتهديداته بشلّ مجموعة "بريكس" من خلال الرسوم العقابية، واعتباره سياساتها "معادية لأمريكا".

وعليه، يمكن القول إن قمة منظمة شنغهاي للتعاون لعام 2025 في تيانجين تمثل نموذجاً متعدد الأطراف صاغته الصين، وهو مختلف عن النماذج التي تهيمن عليها القوى الغربية والولايات المتحدة. كما أن المشاركة الواسعة في فعاليات القمة تعكس تنامي النفوذ الصيني وقدرة منظمة شنغهاي على جذب الدول غير الغربية القادرة على مواجهة واشنطن وسياساتها واحتكار الغرب.

Comments