00:00:00
توقيت بغداد
2026مايو29
الجمعة
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ترجمة: المعهد العراقي للحوار

الهند وتركيا ومنظومة S-400: صفقة محتملة تحمل أبعاداً جيوسياسية معقدة

أعادت تقارير صحفية تركية الجدل حول مستقبل منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 التي حصلت عليها أنقرة عام 2019، بعدما أشارت إلى احتمال إعادة بيعها للهند عبر ترتيبات غير مباشرة مع موسكو. هذه التطورات تفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة بشأن التوازنات الاستراتيجية في آسيا، والعلاقات الروسية – التركية – الهندية، فضلاً عن انعكاساتها على علاقة أنقرة ونيودلهي بالولايات المتحدة وحلف الناتو.

خلفية الصفقة التركية–الروسية

تركيا اشترت منظومة S-400 من روسيا في صفقة بلغت 2.5 مليار دولار، وحصلت على فوجين من هذه المنظومة المتطورة. إلا أن هذه الخطوة تسببت بعقوبات أمريكية على أنقرة، وأدخلتها في مواجهة سياسية مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي، ما جعل تفعيل هذه المنظومة معقداً وحساساً، إذ لم يتم نشرها بشكل عملي حتى الآن رغم إعلان وزير الدفاع التركي يشار غولر في 2024 أن بإمكان بلاده تشغيلها خلال ساعات.

روسيا بين الحرب الأوكرانية والالتزامات مع الهند

الهند بدورها وقعت مع موسكو عام 2018 على صفقة لشراء خمس وحدات من S-400 بقيمة تقارب 5 مليارات دولار، تسلمت منها ثلاث وحدات فقط حتى اليوم، بينما تأجل تسليم الوحدات المتبقية بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا وتعطّل سلاسل الإمداد العسكرية الروسية. في هذا السياق، تبرز فكرة إعادة شراء روسيا للمنظومات التركية وإعادة تصديرها للهند كحل مؤقت لالتزاماتها تجاه نيودلهي.

أنقرة بين الضغوط الغربية والمصالح مع موسكو

تركيا لا تزال تواجه معضلة استراتيجية. فمن جهة، ترغب في الحفاظ على شراكتها مع روسيا التي تطورت في مجالات الطاقة والتجارة والدفاع، ومن جهة أخرى لا تريد استفزاز واشنطن وحلف الناتو أكثر مما هو قائم. لذلك، قد يشكل السماح بإعادة المنظومات لروسيا – دون بيعها مباشرة للهند – مخرجاً دبلوماسياً لأنقرة، بحيث تظهر أنها لم تخرق التزاماتها بعدم تصدير السلاح، فيما تتحمل موسكو المسؤولية عن إعادة التصدير.

الهند ومخاوف التوازن مع الصين وباكستان

الهند تعتبر امتلاك منظومات S-400 أمراً بالغ الأهمية في ظل سباق التسلح مع الصين، والتوتر الدائم مع باكستان. تقارير سابقة أثارت القلق في نيودلهي من احتمال أن تبيع أنقرة هذه المنظومات لإسلام آباد، وهو ما نفته تركيا أكثر من مرة.

لكن في حال انتقلت منظومات أنقرة إلى الهند، فسيعزز ذلك الموقف الدفاعي الهندي بشكل مباشر في مواجهة الخصوم الإقليميين.

البعد الأمريكي

من الناحية الأمريكية، أي صفقة إضافية بين روسيا والهند في مجال الدفاع قد تزيد من تعقيد علاقات واشنطن مع نيودلهي، خصوصاً أن الولايات المتحدة تسعى لتقليل اعتماد الهند على السلاح الروسي وتشجيعها على تنويع مصادر تسليحها.

ومع ذلك، يظل للهند وضع استثنائي كونها شريكاً رئيسياً في الاستراتيجية الأمريكية لموازنة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وحتى اللحظة، لم يصدر أي موقف رسمي من موسكو أو أنقرة بشأن هذه التقارير. لكن مجرد تداول فكرة إعادة بيع منظومات S-400 عبر روسيا للهند يكشف حجم التعقيدات الجيوسياسية التي تحيط بهذه الصفقة، ويعكس في الوقت ذاته التداخل بين المصالح الدفاعية والضغوط السياسية التي تواجهها كل من تركيا والهند في علاقاتهما مع القوى الكبرى.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل منظومة S-400 بين تركيا والهند

1. إتمام الصفقة عبر إعادة التصدير

المسار: روسيا تستعيد المنظومات من تركيا، ثم تقوم بترقيتها وتسليمها للهند كجزء من عقد 2018.

الانعكاسات:

الهند: تعزز قدراتها الدفاعية بسرعة دون انتظار استكمال خطوط الإنتاج الروسية المتأثرة بالحرب.

تركيا: تخرج من مأزق امتلاك منظومات لا تستطيع استخدامها بفعالية، وتخفف الضغوط الغربية عبر إظهار أنها لم تبيعها مباشرة.

روسيا: تحافظ على التزاماتها مع شريك استراتيجي كالهند وتُظهر مرونة في مواجهة العقوبات الغربية.

الولايات المتحدة والناتو: ينظران بحذر إلى الخطوة، لكن الاعتراض قد يكون أقل حدة من بيع مباشر لباكستان أو طرف آخر معاد.

2. رفض تركيا التخلي عن المنظومات

المسار: أنقرة تؤكد تمسكها بالمنظومات وتشغيلها تدريجيًا رغم الضغوط الغربية.

الانعكاسات:

تركيا: تواجه مزيدًا من التوتر مع واشنطن وربما عقوبات إضافية، لكنها تظهر استقلالية قرارها الدفاعي.

الهند: تضطر للانتظار أكثر حتى تُكمل روسيا إنتاج وتسليم الوحدات المتبقية، ما يضعف موقفها الدفاعي على المدى القريب أمام الصين.

روسيا: تتعرض لمزيد من الضغط لتسريع التزاماتها تجاه نيودلهي رغم العقوبات وسلاسل الإمداد المرهقة.

3. إلغاء أو تجميد الاتفاقية الثلاثية

المسار: لا تركيا تعيد المنظومات ولا روسيا تسلّم للهند وحدات إضافية قريبًا.

الانعكاسات:

الهند: قد تلجأ لتسريع التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة وفرنسا (أنظمة الدفاع مثل باتريوت أو أستر-30) لتقليل الاعتماد على روسيا.

تركيا: تبقى محاصرة بالضغوط الغربية، وتفشل في إيجاد مخرج عملي لأزمة الـ S-400.

روسيا: تخسر ثقة جزئية من شريك استراتيجي مثل الهند، ما قد يدفع الأخيرة إلى تنويع شراكاتها الدفاعية.

4. تفاهم سياسي أكبر

المسار: يتم ربط المنظومة بصفقة أو تفاهم سياسي أوسع يشمل ملفات الطاقة أو العلاقات الإقليمية.

الانعكاسات:

الهند: تحصل على ضمانات استراتيجية أكبر من موسكو.

تركيا: قد تساوم واشنطن أو بروكسل للحصول على تنازلات في ملفات أخرى (مثل تحديث طائرات F-16 أو ملف الاتحاد الأوروبي).

روسيا: تستثمر في هذه الخطوة لتعزيز تحالفاتها خارج المحور الغربي.

وبحسب مراقبين يعد السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير هو إعادة المنظومات عبر روسيا للهند كحل وسط، نظراً للضغوط الواقعية على موسكو لتلبية التزاماتها الدفاعية مع نيودلهي، ولرغبة تركيا في التخفف من عبء المنظومة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الناتو.

Comments