00:00:00
توقيت بغداد
2026أبريل27
الاثنين
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ترجمة: المعهد العراقي للحوار

السعودية تمدّ نفوذها الناعم في سوريا

بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية التي جعلت سوريا ساحة لتصارع القوى الدولية والإقليمية، تشهد البلاد اليوم مرحلة انتقالية جديدة مع بروز السعودية كأحد أبرز اللاعبين في ملف إعادة الإعمار. فبينما انسحبت روسيا وإيران تدريجياً من المشهد بعد سقوط نظام بشار الأسد، دخلت الرياض بقوة عبر مليارات الدولارات من الاستثمارات، والمشاريع الإنسانية، والمساعدات المباشرة.

دعم سياسي واقتصادي غير مسبوق

محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، قاد حملة دبلوماسية واقتصادية واسعة لإعادة سوريا إلى "المعسكر العربي"، وتمكّن في أيار/مايو من إقناع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب برفع العقوبات عن دمشق، ثم رتب لقاءً تاريخياً بين ترامب وأحمد الشرع، رئيس الحكومة السورية الجديدة.
لاحقاً، وقعت الرياض صفقات كبرى تجاوزت قيمتها 6.4 مليار دولار لإعادة الإعمار، وتكفلت إلى جانب قطر بتسديد 15 مليون دولار من ديون سوريا للبنك الدولي.

استراتيجية "القوة الناعمة"

التحركات السعودية في سوريا لم تقتصر على الاقتصاد فقط، بل شملت جهوداً إنسانية وطبية واسعة. فرق الإغاثة السعودية جابت المدن السورية، وقدمت العلاج للجرحى والمرضى، فيما وعدت الرياض بإعادة بناء المدارس والمستشفيات والمخابز، وتوفير 1.65 مليون برميل نفط لتشغيل محطات الكهرباء.
بحسب مراقبين، تهدف هذه المشاريع إلى ترسيخ صورة المملكة كحليف إنساني وسياسي موثوق، وإلى تقويض النفوذ التركي والقطري في الساحة السورية الجديدة.

ومن أبرز دوافع الرياض لدخول سوريا بقوة، محاربة تجارة حبوب "الكبتاغون"، التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى أكبر صادرات النظام السابق ومصدر تمويل رئيسي له. ترى السعودية أن وقف هذه التجارة هو جزء من استراتيجيتها لحماية الخليج من تدفق المخدرات، وأن خلق بدائل اقتصادية مشروعة سيمنع عودة سوريا إلى محور الفوضى.
ورغم أن السلطات السورية الجديدة أعلنت مراراً عن ضبط ملايين الحبوب، إلا أن مسار التهريب لم يتوقف بالكامل بعد.

توازن إقليمي جديد

المحلل عمر كريم من جامعة برمنغهام يؤكد أن السعودية تسعى إلى "إبقاء سوريا في المعسكر العربي" وتوجيهها في ملفات إقليمية حساسة مثل العلاقة مع إيران وحزب الله. كما أن الرياض تتحرك لخلق توازن مع أنقرة، التي تحاول هي الأخرى تعزيز نفوذها في الداخل السوري عبر تحالفات سياسية واقتصادية.

خلاصة

النفوذ السعودي في سوريا لا يقتصر على مساعدات مالية أو مشاريع إنسانية، بل يعكس رؤية استراتيجية أشمل: تطويق النفوذ الإيراني، تحجيم الدور التركي، ومحاصرة تجارة المخدرات التي تهدد أمن الخليج.
ومع أن هذا التوجه يلقى ترحيباً من قطاعات واسعة من السوريين، إلا أن نجاحه سيظل مرهوناً بقدرة الرياض على الاستمرار في ضخ الأموال وضبط توازناتها مع الحلفاء والخصوم في المشهد الإقليمي المعقد.

Comments