00:00:00
توقيت بغداد
2026يناير07
الأربعاء
14 °C
بغداد، 14°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ملخصات العدد المزدوج (83– 84) من مجلة حوار الفكر

صدر حديثاً العدد المزدوج (83–84) من مجلة "حوار الفكر"، المجلة الفصلية التي يصدرها المعهد العراقي للحوار، متضمّنا مجموعة من الدراسات والأبحاث الفكرية والسياسية والقانونية التي تتناول تحولات النظام الدولي، وأزمات الدولة الوطنية، والتحديات البيئية والسياسية التي تواجه العراق والمنطقة.

ويكرّس هذا العدد، الصادر في كانون الأول 2025، اهتمامه بتحليل القضايا البنيوية في النظام الدولي والواقع العراقي، من خلال مقاربات أكاديمية معمّقة تسعى إلى الربط بين التحليل النظري والتحديات العملية.

ملخص العدد

النظام الدولي من العولمة الغربية الى العولمة الصينية: تحولات القوة والتأثير

م. د. علي حسن هويدي

يركز البحث على التحول الجاري في بنية النظام الدولي من عولمة غربية قادتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لعدة عقود، إلى عولمة صينية آخذة في الترسخ عبر أدوات اقتصادية واستراتيجية جديدة، وضمن سياق تنافس محتدم بين القوى الكبرى. تقوم الفكرة المركزية على أن العولمة لم تعد حكراً على نموذج واحد، وأن الصين تعمل على تقديم نموذج بديل يرتكز على التنمية والبنى التحتية وتعددية الأقطاب، في مقابل النموذج الليبرالي الغربي القائم على السوق الحرة والهيمنة المؤسساتية.

يبدأ البحث بوضع إطار مفاهيمي للعولمة بوصفها عملية نشر خصائص ثقافية واقتصادية على مستوى عالمي، ويؤكد أن العولمة الغربية اتسمت بطمس الهويات واستغلال ثروات الدول النامية. إلا أن صعود الصين الاقتصادي منذ نهاية القرن العشرين، وخاصة بعد عام 2013، جعلها قادرة على طرح عولمة بديلة من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، وبتوجه يوازن بين الانفتاح الاقتصادي والخصوصية السياسية.

ويُبرز البحث أربعة مظاهر تعكس التحولات في الاقتصاد السياسي الدولي:

أن الصين ذات النظام الاشتراكي تقود الدعوة إلى عولمة ذات مضمون رأسمالي.

أن الولايات المتحدة ذات الاقتصاد الرأسمالي تتبنى نزعات حمائية وميركانتيلية جديدة.

استمرار الخلط المفاهيمي في دول الجنوب بين الرأسمالية ونظمها المؤسسية.

صعود التكنوقراط كفاعلين مؤثرين في صناعة القرار العالمي.

تتمحور الإشكالية حول قدرة مشروع العولمة الصينية على فرض نفسه واستدامته وسط بيئة دولية تنافسية، وتسعى الأسئلة البحثية إلى فهم التوجهات الصينية وتحديد خصائص العولمة الجديدة وآفاق دور الصين في الإدارة الاقتصادية العالمية.

في المبحث الأول، يعالج البحث استراتيجية طريق الحرير باعتبارها إطار الصين للهيمنة الاقتصادية عبر شبكة واسعة من الطرق البرية والبحرية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. ويبرز الدور المحوري للحكومة الصينية في مكافحة الفقر، ورفع معدلات الدخل، وإعادة تعريف شرعية الدولة من خلال التنمية. كما يعرض توسع الصين في إنشاء موانئ وقواعد لوجستية على طول الممرات البحرية الاستراتيجية، بهدف تأمين تجارتها وضمان تدفق الطاقة، موازيةً بذلك نظرية «القوة البحرية» لماهان.

أما المبحث الثاني، فيتناول القوة الناعمة الصينية عبر استثمار الدبلوماسية، والثقافة، والإعلام، والمساعدات، والمؤسسات المالية الجديدة مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية وبنك التنمية الجديد (بريكس)، ما يمنح الصين القدرة على منافسة مؤسسات بريتون وودز الغربية. وترتكز القوة الناعمة على خطاب «النهضة السلمية» و»العالم المتناغم»، وعلى بناء شراكات غير مشروطة بمعايير سياسية كما تفعل الدول الغربية.

كما يناقش البحث التحديات التي تواجه الصين، أبرزها:

التباين الكبير بين الدول المنضوية في مشاريعها،

المخاطر الأمنية والسياسية في آسيا الوسطى وأفريقيا،

المخاوف المحلية من النفوذ الصيني،

تعقيدات البيئة الجيوسياسية وصراع القوى الكبرى.

ويخلص البحث إلى أن العولمة الغربية ليست قدراً محتوماً، وأن مبادرة «الحزام والطريق» تعكس تحولاً عميقاً في مركز الثقل الدولي، وتساهم في تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب. وترى الصين أن التكافؤ العسكري لن يتحقق دون التكافؤ الاقتصادي والتكنولوجي، ولذلك فهي تحافظ على علاقات منضبطة مع الغرب إلى حين اكتمال صعودها.

الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة في العراق

سارة كريم

يُعد موضوع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة أحد الركائز الأساسية في بناء الدولة الحديثة، وشرطًا ضروريًا لاستقرار المجتمع وفعالية الأداء المؤسسي. تنبع أهمية الثقة من كونها علاقة تفاعلية تتطلب حضورًا دائمًا وفاعلاً من قبل المؤسسات، وليس مجرد وجود شكلي أو طارئ. فغياب التفاعل الحقيقي يفضي إلى فصل المواطن عن مؤسسات الدولة، مما يحول الأخيرة إلى أدوات بيد السلطة لا الدولة، وتفقد بالتالي دورها في تمثيل المصلحة العامة.

ترتكز الورقة على أن الثقة ليست مفهوماً نظرياً مجرداً، بل شعور شخصي جماعي مبني على قناعة المواطن بعدالة وكفاءة وشفافية مؤسسات الدولة. ومن ثمّ، فإن بناء هذه الثقة يتطلب التزاماً حكومياً بمجموعة من المعايير مثل: احترام سيادة القانون، تحقيق العدالة الاجتماعية، مكافحة الفساد، ضمان الشفافية، وتكريس الحق في الوصول إلى المعلومة.

أسباب تآكل الثقة في الحالة العراقية

يتناول البحث عدداً من المحاور التي تكشف أسباب ضعف الثقة بين المواطن العراقي والدولة:

ضعف سيادة القانون: يعاني المواطن العراقي من شعور دائم بأن القانون لا يُطبق بعدالة على الجميع، بل يُخترق بفعل التحالفات السياسية والعشائرية والمصالح الاقتصادية. ضعف إنفاذ القانون وتسييس القضاء ساهم في انعدام شعور الفرد بالحماية، مما عمّق أزمة الثقة.

أداء المؤسسات التمثيلية: رغم قيام النظام الديمقراطي بعد 2003، إلا أن الأداء البرلماني ظل مرتهنًا بالمحاصصة الحزبية والصفقات السياسية. وبدلاً من تمثيل المصالح العامة، أُقرت القوانين وفق «السلة الواحدة» لمصالح الكتل السياسية، مما أفقد المواطن الثقة بالتمثيل النيابي.

ضعف المؤسسات التنفيذية: تراكمت الإخفاقات في تقديم الخدمات العامة، وتفشى الفساد الإداري، وسط غياب رؤية تنموية واضحة. كما أن اعتماد الدولة على الاقتصاد الريعي قلّص دور المواطن كشريك وحوله إلى «متلقٍ»، ما خلق فجوة شعورية عميقة بين الفرد والدولة.

التحديات الأمنية: من اجتياح داعش إلى احتجاجات 2019، أثبتت المؤسسات الأمنية عجزها عن حماية المواطن، مما عزز شعوره بعدم الأمان، وأضعف الثقة في الدولة بوصفها الضامن الأساسي للاستقرار.

العدالة الانتقالية المشوّهة: على الرغم من وجود مؤسسات مثل «المحكمة الجنائية العليا» و»مؤسسة الشهداء»، فإن غياب الشمولية والعدالة في المعالجة، وتسييس ملفات ما بعد 2003، أدى إلى شعور بالتمييز وعدم الإنصاف، مما زاد من فجوة الثقة.

مظاهر تراجع الثقة

انعكس تراجع الثقة في مظاهر عدة، منها: انخفاض نسب المشاركة الانتخابية، تصاعد الاعتماد على الهويات الفرعية كالعشيرة، تصاعد الاحتجاجات الشعبية، هجرة الكفاءات، وانتشار الخطاب السلبي تجاه الدولة.

هل يمكن استعادة الثقة؟

يرى البحث أن استعادة الثقة ممكنة، لكنها مشروطة أولاً باعتراف الدولة بوجود الأزمة، وثانياً بتوفر الإرادة السياسية الجادة، وثالثاً بتبني سياسات مستدامة لا حلول مؤقتة، تعزز الشفافية والمحاسبة والتمثيل الحقيقي، وتكرس الهوية الوطنية الجامعة.

سياسات العراق تجاه تغيرات المناخ: دراسة في الأبعاد والأولويات والتحديات

م.د. فراس عباس هاشم

بحث تغيرات المناخ

يُعدّ تغيّر المناخ أحد أخطر التحديات العالمية المعاصرة، وقد أصبح عاملاً مؤثراً في استقرار الدول، وأمنها البيئي والغذائي والمائي. ويأتي العراق في مقدمة الدول الأكثر هشاشة أمام الظاهرة، إذ صنّفته تقارير الأمم المتحدة ضمن الدول الخمس الأكثر تضرراً. ويعالج هذا البحث سياسات العراق في مواجهة آثار تغير المناخ، عبر تحليل الأبعاد المعرفية والمؤسساتية والبيئية، وتحديد أولويات المواجهة والتحديات التي تعرقلها.

يبدأ البحث بتأكيد أن ظاهرة تغيّر المناخ لم تعد قضية بيئية فحسب، بل تحولت إلى مشكلة عالمية تهدد التنمية المستدامة، وترتبط مباشرة بارتفاع درجات الحرارة، وتقلّص المساحات الخضراء، والجفاف، وتدهور الموارد الطبيعية. ويبيّن أن الظاهرة تسارعت بفعل النشاط البشري، خصوصاً الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، وتدمير الغطاء النباتي، والتوسع العمراني غير المستدام. وفي هذا السياق، انعكست تغيرات المناخ بقوة على العراق، فارتفعت درجات الحرارة بمعدلات غير مسبوقة، وانخفضت الأمطار، وتراجع الخزين المائي، وتزايد التصحر ليقضم أكثر من مئة ألف دونم من الأراضي الزراعية سنوياً.

يوضح الباحث أن الاهتمام العراقي بقضية المناخ تطور بفعل الضغوط البيئية والاقتصادية والاجتماعية، وباتت الحكومة تتعامل مع الملف باعتباره أولوية وطنية، خصوصاً بعد تزايد موجات النزوح المناخي، وارتفاع ملوحة المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي، واشتداد العواصف الترابية. وعلى الرغم من ذلك، تُظهر البيانات أن قدرة العراق على التكيّف ما تزال محدودة مقارنة بحجم المخاطر.

جرى تناول أثر تغيّر المناخ على الجغرافيا العراقية، حيث أظهر البحث أن العراق يعتمد على موارد مائية خارجية بنسبة تفوق 70%، ما يجعل أي تغير مناخي أو سياسي في دول المنبع مؤثراً بشكل مباشر على أمنه المائي. كما كشف ارتفاع معدلات التبخر في الصيف عن تهديد إضافي لمخزون المياه. ويُبرز البحث اتساع رقعة التصحر بفعل الجفاف وقلة الأمطار، ما يهدد النشاطين الزراعي والرعوي ويزيد من الضغط على المدن المستقبِلة للمهاجرين من المناطق المتضررة.

ينتقل البحث بعد ذلك إلى تحليل السياسات الاستراتيجية العراقية، بدءاً من الخطة الوطنية (2010–2014) التي هدفت إلى إدماج الاعتبارات البيئية في التنمية، واستراتيجية حماية البيئة (2022–2030)، إضافة إلى التزامات العراق الدولية مثل اتفاقية الأمم المتحدة للتغير المناخي، وبروتوكول كيوتو، واتفاق باريس (2021). وتتضمن هذه السياسات أهدافاً لتقليل الانبعاثات، وتطوير الطاقة المتجددة، وتحسين إدارة الموارد المائية، لكن التنفيذ واجه تحديات بنيوية.

وتتمثل أبرز التحديات في:

ضعف التمويل والاعتماد على الموازنة العامة دون جذب كافٍ للاستثمارات الخضراء.

غياب قواعد بيانات مناخية دقيقة تساعد في اتخاذ القرار.

انخفاض كفاءة البنى التحتية خاصة في قطاع المياه والري.

محدودية الوعي المجتمعي والسياسات الإعلامية المتعلقة بالمناخ.

الارتفاع الكبير في تكاليف مشاريع الطاقة النظيفة وعدم جاهزية القطاع الخاص.

ضعف الدبلوماسية المائية في التفاوض مع دول المنبع (تركيا وإيران).

ويخلص البحث إلى أن العراق بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة للسياسات المناخية، تتضمن تعزيز الطاقة المتجددة، وتطوير الإدارة المتكاملة للموارد المائية، ومكافحة التصحر، وتفعيل الدبلوماسية المائية، إلى جانب بناء قدرات مؤسسية وتكنولوجية لمواجهة الظاهرة، بما يضمن حماية الأمن البيئي والغذائي والمائي للبلاد.

فلسفة المواطنة ومستقبل الدولة العراقية: نحو إعادة بناء الخطاب السياسي في العراق

أ.م.د. علي مراد النصراوي

يبحث هذا البحث في مفهوم المواطنة باعتباره حجر الأساس في بناء الدولة الحديثة، وينطلق من واقع الأزمة البنيوية التي يعيشها العراق نتيجة غياب المواطنة الفاعلة، وطغيان الهويات الفرعية على الهوية الوطنية، وما ترتب على ذلك من ضعف في الخطاب السياسي، وانقسام اجتماعي، وتراجع ثقة المواطن بالدولة. ويؤكد الباحث أن بناء دولة مستقرة في العراق يتطلب إعادة صياغة علاقة المواطن بالدولة ضمن إطار عقد اجتماعي جديد ورؤية سياسية وثقافية تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه محور الاستقرار والتنمية.

يبدأ البحث بتعريف المواطنة باعتبارها علاقة تعاقدية يتبادل فيها الفرد والدولة الحقوق والواجبات، وتشمل أبعاداً قانونية وسياسية واجتماعية وثقافية. ثم يستعرض تطور المفهوم تاريخياً، لافتاً إلى أن المواطنة لم تُمارس في العراق بالشكل الحديث بسبب الإرث السياسي المعقد، وغياب المؤسسات الديمقراطية، وهيمنة النخب، والانقسامات المجتمعية، مما منع ترسيخ قيمة المواطن بوصفه وحدة السياسة الأساسية.

في المحور المتعلق بالسياق العراقي، يقدم البحث قراءة تاريخية لمفهوم المواطنة منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921. ففي العهد الملكي، اتسمت المواطنة بالنخبوية وبقيد الهوية القومية والدينية. أما في العهد الجمهوري وما تلاه من أنظمة، فقد شهدت المواطنة تسييساً وإقصاءً ممنهجاً، خصوصاً في فترة حزب البعث، حيث تحولت المواطنة إلى أداة للضبط السياسي. وبعد عام 2003، قدم الدستور نصوصاً واضحة للمواطنة المتساوية، إلا أن النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والقومية عطّل إمكانية تجذير المواطنة المدنية، وعمّق الانتماءات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

يتناول البحث كذلك أزمة الهوية الوطنية، موضحاً أن تعدد الهويات في ذاته ليس مشكلة، بل المشكلة تكمن في استثمار هذا التعدد سياسياً، عبر تعزيز الولاءات الطائفية والعرقية على حساب الدولة. أدى ذلك إلى تفكك المجتمع، وتضارب المصالح، وارتفاع النزعة الأبوية والعشائرية، وضعف الانتماء الوطني، وما نتج عن ذلك من تحديات للأمن الاجتماعي والسياسي.

يخصص الباحث محوراً مهماً لتحليل الطائفية السياسية وتأثيرها العميق في إضعاف مفهوم المواطنة. فالطائفية تحوّلت إلى منهج لإدارة الدولة، عبر تقاسم المناصب والثروات بين المكونات، مما أدى إلى تعطيل بناء دولة المؤسسات. ويرى أن الطائفية السياسية أنتجت فساداً، وعطّلت السياسات العامة، ورسّخت شعور المواطن بالاغتراب، وأدت إلى أزمات خطيرة أبرزها العنف الطائفي، والاقتتال الداخلي، وصعود الجماعات المتطرفة.

وينتقل البحث إلى المحور الثالث المتعلق بإعادة بناء الخطاب السياسي في العراق، مؤكداً أن الخروج من الأزمة يتطلب خطاباً وطنياً جديداً يقوم على:

المواطنة كأساس وحيد للانتماء السياسي، لا الطائفة أو القومية.

إصلاح المنظومة التعليمية والإعلامية لترسيخ الهوية الوطنية الجامعة.

بناء سردية تاريخية مشتركة تعزز الشعور بالمصير المشترك.

العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص باعتبارهما مدخلاً لاستعادة ثقة المواطن بالدولة.

خلق مؤسسات سياسية رصينة تتجاوز المحاصصة وتستند إلى الكفاءة.

ويقترح الباحث خارطة طريق تشمل عقد مؤتمر وطني، وضع ميثاق إعلامي وطني، إصلاح المناهج التعليمية، دعم المشاريع الثقافية، تعزيز الخطاب الديني المعتدل، وتمكين الشباب والنخب الفكرية لبناء ثقافة سياسية مدنية.

ويخلص البحث إلى أن مستقبل الدولة العراقية مرهون بمدى نجاحها في ترسيخ فلسفة المواطنة، وبناء خطاب سياسي عقلاني يعلو فوق الانقسامات، ويعيد للدولة دورها الجامع، وللمواطن مكانته كشريك في بناء الوطن، لا تابعاً لهويات متصارعة.

التأثيرات السياسية على العقود الدولية: دراسة في توازن الإرادة والسلطة

م.م. أسامة حسن هويدي

يبحث هذا البحث في التداخل المعقد بين القانون والسياسة داخل إطار العقود الدولية، محاولاً تفسير كيفية تأثير القرارات والسياسات السيادية للدول على الإرادة التعاقدية التي تُعد الركن الجوهري في صحة العقد وشرعيته. إذ لم تعد العقود الدولية مجرد اتفاقات قانونية محضة، بل أصبحت جزءاً من بيئة دولية متقلبة تتأثر فيها العلاقات الاقتصادية بالعقوبات، التوترات الدبلوماسية، تغير الأنظمة، والتشريعات ذات الطابع السياسي.

يبدأ الباحث بتوضيح الإشكالية الأساسية: هل يمكن اعتبار الإرادة التعاقدية حرة ومستقلة في ظل الضغوط السياسية؟ وهل يحق للدول التدخل في العلاقات الخاصة بحجة حماية سيادتها وأمنها القومي؟ ومن هذه الإشكالية تتفرع الأسئلة المتعلقة بمدى مشروعية العقود المتأثرة بالسياسة، ومسؤولية الأطراف عندما يصبح تنفيذ العقد مستحيلاً بسبب أحداث سياسية لا دخل لهم فيها.

يتناول البحث أولاً مظاهر التدخل السياسي في العقود الدولية، موضحاً دور العقوبات الاقتصادية التي تُستخدم كأداة ضغط سياسي، مثل العقوبات المفروضة على العراق سابقاً أو على إيران وروسيا حالياً. وتُظهر الأمثلة المحلية والعالمية كيف تتسبب هذه العقوبات في تعطيل العقود المشروعة، وانسحاب الشركات، وخلق نزاعات قانونية معقدة. كما يعالج تأثير التوترات الدبلوماسية التي تُفضي إلى تعليق العقود أو انسحاب الشركات خوفاً من ردود فعل سياسية أو اقتصادية، إضافة إلى تأثير تغير الأنظمة السياسية الذي يؤدي إلى مراجعة العقود أو إلغائها، خصوصاً تلك المتعلقة بالموارد الاستراتيجية.

ثم ينتقل البحث إلى تحليل حدود الإرادة التعاقدية في ظل السياسات الدولية، موضحاً أن الإرادة كثيراً ما تكون مقيدة لا حرة، لأنها تخضع لضغوط مباشرة وغير مباشرة، وقد تُجبر الأطراف على التعاقد أو الانسحاب منه لأسباب سياسية. كما يُبرز الباحث الإشكاليات المتعلقة بـ مشروعية العقود التي تتعارض مع العقوبات الدولية أو السياسات السيادية، ويوضح كيف تُعيد الدول تعريف المشروعية وفقاً لمصالحها، مما يخلق حالة عدم استقرار في العلاقات التعاقدية.

ويُفرد البحث جزءاً مهماً لتحليل دور القضاء والتحكيم الدولي في حماية الإرادة التعاقدية. ويعرض نماذج من السوابق القضائية مثل قضيتي Yukos v. Russia و CMS v. Argentina، اللتين تُظهران كيف يمكن للهيئات الدولية إلزام الدول باحترام العقود وعدم استخدام السيادة كذريعة للتنصل من الالتزامات. كما يناقش دور التحكيم الدولي في ضمان الحياد والاستقلالية مقارنة بالقضاء المحلي الذي قد يتأثر بالسلطات السياسية.

وفي محور الحلول، يعرض البحث الآليات القانونية التي تضمن توازناً بين الإرادة والسلطة، ومنها:

إدراج بنود القوة القاهرة والتحوط السياسي لتغطية المخاطر الناشئة عن العقوبات أو القرارات السيادية.

اختيار قانون واجب التطبيق محايد يقلل احتمال تدخل السياسات الداخلية.

تحديد جهة قضائية أو تحكيمية مستقلة للفصل في النزاعات.

ضرورة تطوير تشريعات وطنية ودولية تُنظم العلاقة بين السياسة والقانون في العقود.

ويختتم الباحث بالتأكيد أن تحقيق التوازن بين الإرادة التعاقدية والسلطة السياسية ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يتطلب صياغة قانونية دقيقة، وآليات تحكيم مستقلة، وفهماً متقدماً لطبيعة المخاطر السياسية في العالم المعاصر. فالعقد الدولي اليوم لم يعد وثيقة قانونية فقط، بل هو بناء قانوني-سياسي يجب تحصينه لضمان استقراره في بيئة دولية شديدة التقلب.

 

Comments