00:00:00
توقيت بغداد
2026يناير25
الأحد
6 °C
بغداد، 6°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ترجمة: المعهد العراقي للحوار

هل الشرق الأوسط على أعتاب هجوم "استباقي"

عاد الشرق الأوسط مجدداً إلى لعبة جيوسياسية خطِرة؛ لعبة بات فيها الحدّ الفاصل بين التهديد اللفظي والعمل العسكري رقيقاً كالشعرة. وفي خضم تصريحات متناقضة وتحركات عسكرية خفية، تواجه إيران أصعب خياراتها الأمنية. 

وتشير التقارير إلى أن الأجواء الراهنة لا تتأثر فقط بالتهديدات الصريحة الصادرة عن الولايات المتحدة وإسرائيل، بل إن التحليلات تتركز أيضاً على احتمال تنفيذ "هجوم استباقي" من قبل إيران؛ وهو سيناريو قد يجرّ المنطقة بسرعة إلى صراع شامل.

ورداً على التصعيد غير المسبوق في لهجة التهديد من قبل حكومات أجنبية، أصدرت أمانة مجلس الدفاع بياناً تبنّت فيه موقفاً حازماً وغير قابل للتراجع. واعتبر البيان أن أمن إيران واستقلالها ووحدة أراضيها "خط أحمر لا يمكن تجاوزه"، مؤكداً أن أي اعتداء أو استمرار في السلوكيات العدائية سيُواجَه بـ"ردّ متناسب وحاسم وحاسم التأثير".

غير أن أهمية هذا البيان لا تقتصر على الإدانة فقط. فقد لوّح مجلس الدفاع بشكل غير مباشر بإمكانية توجيه ضربة عسكرية استباقية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، معلناً أن إيران لا تحصر نفسها في ردّ الفعل بعد وقوع الهجوم، بل تعتبر «المؤشرات العينية للتهديد» جزءاً من معادلتها الأمنية. ويعني هذا أن طهران مستعدة، في حال رصد دلائل كافية على قرب وقوع هجوم، إلى المبادرة بالتحرك واتخاذ إجراء قبل حدوث الاعتداء. وقد حمّل البيان صراحةً مخططي السلوكيات العدائية المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا المسار.

ويعكس هذا الموقف فهماً عميقاً لدى طهران لطبيعة المرحلة الراهنة. فإيران، بحسب سعيد خطيب ‌زاده نائب وزير الخارجية، تواجه "خيارات صعبة" ولا مجال للخطأ، بل يقع على عاتقها الدفاع عن مصالحها الوطنية بالقوة والحكمة والصمود. وكانت إيران قد أظهرت سابقاً، خلال حرب الأيام الـ12، امتلاكها الإرادة والقدرة على الرد على المعتدي؛ وهي الحرب التي بدأت بتغريدة للرئيس الأمريكي دعا فيها إلى "الاستسلام غير المشروط"، وانتهت في اليوم الثاني عشر بطلب الطرف المقابل "وقف إطلاق نار غير مشروط"، في ما اعتُبر هزيمة استراتيجية للمعتدين.

التناقضات الإسرائيلية ومعضلة الاستراتيجية الخفية

وتتسم أجواء التوتر، أكثر من أي شيء آخر، بالغموض والتناقض في المواقف الإسرائيلية. فالأخبار الواردة من تل أبيب تحمل خطوطاً إخبارية متباينة تماماً، ما يجعل تحليل الاستراتيجية الحقيقية لإسرائيل أمراً بالغ الصعوبة. ففي حين تتحدث بعض التقارير عن استعداد إسرائيل لشن هجوم، تشير تقارير أخرى إلى احتمال ضربة استباقية إيرانية، فيما يقدّم خط ثالث رواية مختلفة تماماً.

وقبل نحو شهرين، كان بنيامين نتنياهو قد بعث برسالة «مطمئنة» إلى إيران عبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نفى فيها أي نية لبدء حرب جديدة. وجاءت هذه الرسالة في وقت كان نتنياهو يهدد فيه، في الكنيست، بأن إسرائيل لن تسمح لإيران بإعادة بناء برنامجها الصاروخي والنووي، محذّراً من «عواقب وخيمة» في حال أقدمت طهران على أي هجوم.

ويطرح هذا التناقض سؤالاً جوهرياً: ما هي الاستراتيجية الحقيقية لإسرائيل؟ هل رسالة التطمين مجرد خدعة، أم محاولة لمنع إيران من تنفيذ ضربة استباقية؟ ويرى محللون أن إسرائيل قد تخشى أن تعتبر إيران الهجوم الإسرائيلي أمراً محسوماً فتُبادر بالتحرك. 

ومن هذا المنطلق، فإن إرسال رسالة طمأنة عبر بوتين قد يكون محاولة ذكية للحيلولة دون ذلك. غير أن وجود هذا القلق لا يعني التخلي عن خيار الحرب، بل قد يهدف إلى احتفاظ إسرائيل بزمام المبادرة وتوقيت اندلاع الصراع، لا سيما في ظل الاضطرابات الأخيرة التي رفعت منسوب المخاطر.

وقد أدت تهديدات ترامب ونتنياهو الأخيرة إلى تصعيد كبير في أجواء التوتر. وجرى تداول احتمال الهجوم الاستباقي الإيراني كـ«خط تحليلي»، قد يكون نابعاً من تقديرات استخباراتية إيرانية، أو مجرد أداة لتبرير هجمات إسرائيلية محتملة تحت عنوان إحباط تهديد وشيك. كما أن التحركات العسكرية الإيرانية رداً على التهديدات الأمريكية قد تدفع إسرائيل إلى التفكير جدياً في ضربة استباقية.

سياسة «لا حرب ولا سلم» وإضعاف الداخل

يبدو أن الهدف الرئيسي للولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران هو الإبقاء على حالة «لا حرب ولا سلم». فهذا الوضع المعلّق من شأنه أن يقود بطبيعته إلى عدم استقرار اقتصادي، وربما سياسي جزئي داخل إيران، وهو ما يعتقد الطرفان أنه سيؤدي إلى إضعافها بشكل أكبر.

وترافقت هذه الاستراتيجية مع عقوبات خانقة فرضت ضغطاً مضاعفاً على البنية الداخلية الإيرانية. ففي الداخل، اندلعت احتجاجات دفعت الحكومة إلى تعديل موازنة عام (2026) عبر رفع الأجور والمزايا لاحتواء جانب من السخط الشعبي. غير أن مسعود بزشكيان، رئيس الحكومة، أقرّ بعد يوم واحد من إقرار الخطوط العامة للموازنة المعدّلة، بأن الدولة لا تملك الموارد الكافية لتنفيذ هذه الزيادات، وأن البلاد تعاني نقصاً مالياً نتيجة العقوبات. 

وفي الوقت نفسه، أعلنت المتحدثة باسم الحكومة عن ارتفاع متوقع بنسبة 20 إلى 30 في المئة في أسعار السلع الأساسية. وتوفّر هذه الظروف الاقتصادية أرضية مثالية لاستراتيجية «لا حرب ولا سلم».

وفي السياق ذاته، أفادت بعض المصادر الدولية بأن إيران تبذل جهوداً واسعة للحصول على معدات خاصة لتصنيع الصواريخ؛ وهي معدات تُعرَّف رسمياً على أنها لأغراض مدنية، لكنها تُستخدم عملياً في إنتاج مكونات أساسية للصواريخ الباليستية وأجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم. وتشير هذه التحركات، الهادفة إلى تطوير صواريخ باليستية دقيقة قادرة على ضرب عمق الأراضي الإسرائيلية، إلى مستوى الجاهزية الدفاعية الإيرانية. 

وتضيف هذه المصادر، التي تُسهم عملياً في تحريض قوى خارجية على مهاجمة إيران، أن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليست عشوائية، بل تستند إلى معلومات استخباراتية دقيقة حول أنشطة إيرانية سرّية في المجال الصاروخي.

مقاربتان أمريكيتان وتأثير فنزويلا

في الولايات المتحدة، تبرز مقاربتان رئيسيتان تجاه إيران. الأولى، وهي «الضغط الأقصى والانتهازية» (القريبة من الجمهوريين وترامب)، ترى في الاحتجاجات الداخلية فرصة تاريخية لإضعاف النظام أو إسقاطه، وتؤكد على تشديد العقوبات وإطلاق رسائل تهديد. أما المقاربة الثانية، «الحذِرة والاستقرارية» (القريبة من الديمقراطيين)، فمع دعمها لمطالب الشعب الإيراني، تحذّر من أي تدخل عسكري أو تصعيد قد يقود إلى حرب شاملة. وقد شدد السيناتور مارك وارنر على ضرورة بحث سبل دعم عملية دون الانزلاق إلى تدخل عسكري مباشر.

غير أن الخطوة الأمريكية الأخيرة في فنزويلا (اختطاف نيكولاس مادورو) غيّرت حسابات إسرائيل والولايات المتحدة بشأن إمكانية تنفيذ إجراء مماثل ضد الجمهورية الإسلامية. ففي السابق، لم يكن المسؤولون الإسرائيليون يرون في الاحتجاجات وسيلة كافية لـ«تغيير النظام»، لكن مؤشرات جديدة ظهرت حول بحث نوع من التدخل المحدود لاستغلال الحركة الاحتجاجية في إيران لهذا الغرض.

ومع ذلك، فإن الموقع الاستراتيجي لإيران يختلف جذرياً عن فنزويلا. فالأخيرة تقع ضمن نطاق النفوذ المباشر لواشنطن، بينما قد يؤدي أي فوضى في الخليج ومضيق هرمز إلى أزمة عالمية غير قابلة للسيطرة. كما أن القواعد الأمريكية في المنطقة تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية. وبالتالي، فإن احتمال تدخل عسكري أمريكي مباشر عبر إنزال قوات بذريعة دعم المحتجين في إيران يكاد يكون معدوماً، وتبدو تهديدات ترامب في هذا السياق أقرب إلى الدعاية منها إلى خطة فعلية.

الجاهزية العسكرية وتكتيكات المفاجأة

لا يزال احتمال اندلاع حرب ضد إيران مرتفعاً، والسؤال الأساسي بات يتعلق بتوقيت حدوثها. تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن إيران لن توقف برامجها الصاروخية والنووية. ورغم أن الطرفين يراقبان تطورات الاحتجاجات الجارية، فإن من غير المرجح أن يعتبروا هذه الاحتجاجات تهديداً إسقاطياً حاسماً. ومن ثم، إذا لم تبلغ هذه الاحتجاجات المستوى الذي يتوقعونه واتجهت إلى الانحسار، فقد يلجؤون إلى التخطيط لهجوم يستهدف مراكز أمنية وأهدافاً حساسة لمنع عودة الاستقرار.

وفي حال اندلاع حرب جديدة، يُرجّح أن تكون طريقة تنفيذها قائمة على عنصر المفاجأة إلى أقصى حد. ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحرب ستقع أم لا، بل ما هي التكتيكات غير المتوقعة التي ستُستخدم. فالتجارب السابقة، مثل العملية الخاصة في فنزويلا أو أساليب حرب الأيام الـ12 الإسرائيلية (كاغتيال قادة بارزين في اللحظات الأولى)، تشير إلى سعي الأطراف المتحاربة إلى عمليات سريعة وحاسمة بدلاً من صراع طويل الأمد.

ويرى مسؤولون إيرانيون أن القدرات الدفاعية والصاروخية لإيران، على عكس العراق وليبيا، غير قابلة للتفاوض، لأنها تشكل ركيزة الردع في مواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية. ويُنظر إلى طرح الملف الصاروخي كأداة تستخدمها واشنطن كسيف «داموكليس» مسلط على طهران لزيادة الضغط. وفي هذا السياق، قال اللواء مرتضى قرباني، المستشار الأعلى لقائد الحرس الثوري، إن «400 وحدة من الحرس والجيش أصابعهم على الزناد، ومستعدون، فقط ليمسّوا البلاد بسوء، سيجعلونها أرضاً محروقة». كما أكد اللواء وحيدي، نائب رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، أنه «لا ينبغي الخوف من القوة الظاهرية للعدو». وتعكس هذه التصريحات مستوى الثقة العسكرية لدى طهران.

الدبلوماسية واليقظة الشعبية

في موازاة هذا التصعيد، تتواصل الجهود الدبلوماسية لخفض التوتر. فقد أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية أن بلاده على تواصل مع طهران وواشنطن، وتدعم أي حوار يهدف إلى منع التصعيد. وقال ماجد الأنصاري إن الفرصة لا تزال قائمة أمام الحلول الدبلوماسية والسياسية بشأن إيران. وعلى الصعيد الدولي، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن قلقها العميق من التهديدات الإسرائيلية ضد إيران، ووصفتها بـ«غير المسؤولة». ودعت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، دعاة الحرب إلى تجنب التصعيد وعدم تكرار «الأخطاء الفادحة لشهر يونيو/حزيران 2025 (حرب الأيام الـ12)».

من جهته، وصف وزير الخارجية الإيراني تصريحات ترامب بأنها «انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة»، مطالباً بإدانتها. وحذّر عباس عراقچي من أن الصمت تجاه هذه التهديدات ستكون له «تداعيات خطيرة»، مؤكداً أن إيران لن تتردد في الرد الحاسم والرادع على أي اعتداء.

ورغم أن عمليات عسكرية محدودة، مثل الاغتيالات أو الهجمات على مواقع نووية، ليست مستبعدة من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل، فإن اندلاع حرب شاملة على المدى القريب يبدو غير مرجح، خاصة في ضوء الخسائر التي تكبدتها إسرائيل في حرب الأيام الـ12، وانشغال واشنطن بملف فنزويلا. وتبدو هذه التهديدات أقرب إلى محاولة الحفاظ على حالة «لا حرب ولا سلم» التي تُضعف الاستقرار الاقتصادي والسياسي في إيران.

وفي هذا السياق، يبرز الدور الحاسم للشعب الإيراني في إحباط التدخلات الخارجية. فالإيرانيون، بحس وطني مرتفع، يرفضون أي تدخل خارجي ويفضلون معالجة قضاياهم واحتجاجاتهم داخلياً. وتمثل هذه اليقظة الشعبية عاملاً يجعل التدخلات الخارجية غير فعّالة، بل وقد تأتي بنتائج عكسية.

 

Comments