00:00:00
توقيت بغداد
2026يناير25
الأحد
6 °C
بغداد، 6°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم غيلهيرمي شنايدر خبير في العلاقات الدولية - ترجمة المعهد العراقي للحوار

المكسيك عند مفترق طرق «دونرو»

تدخل المكسيك مرحلة لم تعد فيها الولايات المتحدة تفاوض على المصالح فحسب، بل على محيط السلطة وحدودها. إن لغة «مبدأ مونرو» مهمة لأنها تعيد ترتيب ما تعتبره واشنطن مشروعاً داخل نطاقها الجغرافي. وعندما تصبح الأولوية مبدأً صريحاً، لا يعود الشركاء مجرد شركاء، بل يتحولون إلى متغيرات في معادلة أمنية تُقاس نتائجها بدرجة الامتثال وسرعة التنفيذ.

هذا التحول بات واضحًا بالفعل في الملف المكسيكي: فمشكلة عصابات المخدرات يُعاد تأطيرها من مأساة مشتركة إلى اختبار لسيادة الدولة. ووفق هذا المنطق، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت الولايات المتحدة والمكسيك ستتعاونان، بل ما إذا كانت المكسيك ستقبل بوجود عملياتي مُعرّف أمريكياً باعتباره ثمن الوصول والاستقرار.

والتقارير التي تفيد بأن واشنطن تضغط من أجل مرافقة قوات أميركية أو ضباط استخبارات للوحدات المكسيكية تختصر جوهر اللحظة؛ فالطلب ليس رمزيًا، بل يمسّ الولاية والصلاحيات.

وقد رسمت القيادة المكسيكية خطاً علنياً واضحاً: لا لتدخل عسكري أجنبي على الأراضي المكسيكية. هذا الموقف ليس مجرد تعبير عن نزعة قومية، بل ضرورة مؤسسية. فبمجرد التنازل عن السلطة العملياتية، يصبح التراجع عنها بالغ الصعوبة؛ إذ إن كلفة الشرعية الداخلية تكون دائمة، بينما تبقى المكاسب الأمنية غير مؤكدة وقابلة للتوظيف سياسيًا في واشنطن. وتدرك المكسيك أن أثمن التنازلات هي تلك التي تُغيّر السوابق.

مع ذلك، لا يحتاج خطاب الحرب إلى أن يتحول إلى حرب فعلية ليكون فاعلاً استراتيجياً؛ يكفي أن يصبح محتملًا. فتحذيرات إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA) بشأن «أنشطة عسكرية» فوق مناطق مرتبطة بالمكسيك والممر الهادئ الأوسع تعمل كآلية تطبيع؛ فهي تُعوّد الأسواق والرأي العام على افتراض خلفي بوجود مخاطر عسكرية، حتى حين تبقى العلاقة الرسمية تعاونية. وفي ظل عقيدة الهيمنة النصف كروية، تصبح الضبابية نفسها أداة.

هنا يزداد مفترق الطرق المكسيكي حدة: فهامش مناورة المكسيك حقيقي، لكنه بنيوي لا استعراضي. فالتكامل الصناعي في أمريكا الشمالية ليس شعاراً مجرداً، بل هو تناغم يومي لسلاسل الإمداد والعمالة واللوجستيات وتدفقات الطاقة. وتعطيله سيضر بالمصالح الأمريكية أيضاً، لكن ذلك لا يلغي التهديد؛ بل يغيّر أسلوب التفاوض ويدفع المكسيك إلى لعبة إيقاع تُبنى فيها المصداقية عبر منجزات تقنية وأداء مؤسسي، مع رفض التنازلات التي تنقل السلطة.

ويضيف مبدأ مونرو طبقة ثانية: سردية المنافس الخارجي. فهدف العقيدة المعلن بمنع منافسين من خارج نصف الكرة الغربي من التمركز الاستراتيجي لا يقتصر على فنزويلا. بل يشكل عدسة تفسر عبرها واشنطن الموانئ والاتصالات والبنية التحتية والاستثمار وحتى الخيارات التنظيمية في أنحاء المنطقة.

ستُمارَس ضغوط على المكسيك ليس فقط لمحاربة العصابات، بل أيضاً لإثبات أن تحديثها الاقتصادي لا يخلق موطئ قدم يمكن لواشنطن وسمه بمخاطر استراتيجية. وعملياً، قد يجرّ ذلك السياسة الصناعية إلى المجال الأمني.

الوضع الأمثل للمكسيك في هذه البيئة ليس التحدي ولا الاسترضاء، بل «سيادة منضبطة»: تعاون سريع وقابل للقياس، مقترن بخط أحمر صارم حول السيطرة العملياتية. فمشاركة المعلومات الاستخباراتية، وتعطيل التدفقات المالية، واعتراض المواد الكيميائية الأولية، وتتبع الأسلحة، وتسليم المطلوبين، كلها يمكن تأطيرها كأفعال سيادية تُنتج نتائج مشتركة. وما يجب مقاومته هو إعادة تعريف الأراضي المكسيكية كبيئة تشغيلية مفتوحة لإسقاط القوة الأميركية.

المفارقة التي يتعين على المكسيك إدارتها هي مفارقة اللحظة الجديدة: ما هو تقني أصبح سياسياً، والسياسي بات يُعبَّر عنه بشكل متزايد عبر إجراءات تقنية. تستطيع واشنطن المطالبة بـ«إجراءات ملموسة» وفي الوقت ذاته الإيحاء بأن الوجود الأمريكي وحده هو ما يضفي الشرعية عليها. وعلى المكسيك أن تردّ بقدرة دولة مرئية بما يكفي لتلبية مطلب النتائج، ومسوّرة مؤسسياً بما يكفي للحفاظ على السلطة.

عند هذا المفترق، لا يتمثل السؤال الحاسم في ما إذا كانت المكسيك قادرة على التعاون، بل في ما إذا كانت قادرة على مأسسة هذا التعاون بطريقة تحرم الولايات المتحدة من حجة أن العمل الأحادي ضروري. فمبدأ مونرو هو عقيدة للشرعية، لا للقوة فقط. ومن ثم، يجب أن يكون ردّ المكسيك «عقيدة كفاءة»: إثبات أن السيادة ليست عائقًا أمام النتائج، بل شرطاً لتحقيق نتائج مستدامة.

إذا نجحت المكسيك، فستحوّل القرب الجغرافي إلى نفوذ تفاوضي، وتحافظ على التكامل دون قبول التبعية. أما إذا فشلت، فسيشهد نصف الكرة الغربي مرحلة تُصاغ فيها السوابق، حيث تصبح الاستثناءات العملياتية «المؤقتة» خط الأساس الجديد، وحيث تخفي لغة الشراكة تآكلاً هادئاً للاختصاص والسيادة.

Comments