آرثر ميكيلينو محلل مستقل يركز على التنافس الاستراتيجي
مفارقة تشاغوس: ماذا تكشف عودة ترامب عن طبيعة التنافس الاستراتيجي المعاصر؟
في 20 كانون الثاني/يناير 2026، تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن دعم إدارته السابق لاتفاق بريطانيا بشأن جزر تشاغوس، واصفاً قرار نقل السيادة إلى موريشيوس مع إعادة استئجار قاعدة دييغو غارسيا العسكرية بأنه «عمل من الغباء العظيم» تم «من دون أي سبب على الإطلاق».
وقد كان هذا التدخل لافتاً ليس فقط بسبب نبرته الحادة، بل أيضاً لتناقضه مع موقف الإدارة ذاته قبل أشهر قليلة. فقبل ثمانية أشهر فقط، كان وزير الخارجية ماركو روبيو قد وصف الاتفاق بأنه «إنجاز تاريخي» يضمن استمرار تشغيل منشأة ذات أهمية استراتيجية قصوى على المدى الطويل.
وذهب ترامب أبعد من ذلك، إذ ربط صراحةً بين التنازلات البريطانية في تشاغوس وحجته بشأن ضرورة استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند. فكتب قائلًا: «تخلي المملكة المتحدة عن أراضٍ بالغة الأهمية» هو «حلقة جديدة في سلسلة طويلة جداً من الأسباب المرتبطة بالأمن القومي التي تجعل الاستحواذ على غرينلاند أمراً لا بد منه».
وما قد يبدو تناقضًا في المواقف، يكشف في الواقع عن مسألة أعمق: تعايش إطارين غير متوافقين لفهم التنافس الاستراتيجي. أحدهما يعطي الأولوية للإجراءات القانونية، والشرعية الإجرائية، والحلول المؤسسية. أما الآخر فيقيّم النتائج من حيث القوة والموقع والميزة النظامية بعيدة المدى.
تقدم قضية تشاغوس مثالاً واضحاً على سبب ظهور القرارات الناتجة عن المنطق الليبرالي المؤسسي، في نظر أنصار الواقعية السياسية، كأدلة على تآكل استراتيجي لا على حوكمة قائمة على المبادئ.
منطق الصفقة
في أيار/مايو 2025، وافقت المملكة المتحدة على نقل سيادة أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس، مع الاحتفاظ بحق تشغيل قاعدة دييغو غارسيا بموجب عقد إيجار لمدة 99 عامًا (المادة 13)، وبتكلفة سنوية قُدّرت بـ101 مليون جنيه إسترليني. وتظل القاعدة مقرًا لمنشأة عسكرية مشتركة بريطانية–أمريكية تشكل محورًا لإسقاط القوة عبر المحيط الهندي والشرق الأوسط وشرق أفريقيا.
وقد صوّر المسؤولون البريطانيون الاتفاق باعتباره حلًا لنزاع قانوني طويل الأمد مع ضمان استمرار الوصول العسكري. ففي عام 2019، خلص الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية إلى أن فصل بريطانيا للجزر عن موريشيوس عام 1965 خالف القانون الدولي. ومع تصاعد الطعون القانونية والضغوط الدبلوماسية، جرى تصوير الأمر على أنه تهديد للأمن القانوني طويل الأمد للقاعدة. ولاحقًا، اعترفت الحكومة البريطانية بأنها اضطرت لتسليم الجزر لأن القاعدة العسكرية أصبحت «مهددة» بعد قرارات قضائية قوّضت موقفها، ونسبت النتيجة صراحةً إلى القيود القانونية لا إلى إعادة حسابات استراتيجية.
يعكس هذا الإطار منطقاً استراتيجياً ليبرالياً ديمقراطياً نموذجياً، حيث يُنظر إلى القانون الدولي باعتباره قيداً ملزماً يتطلب الامتثال حتى عندما يعقّد التموضع الاستراتيجي. ويُفهم الظلم التاريخي باعتباره أمراً يستوجب المعالجة بغض النظر عن تداعياته الراهنة. وتُفترض الشرعية الإجرائية كضمان لنتائج دائمة.
وتتم المفاوضات مع موريشيوس على أساس مساواة شكلية، مع تجاهل عدم تكافؤ القوى في التحليل.
السياق العقائدي
ينسجم تدخل ترامب مع الإطار الوارد في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2025. ورغم قابلية مزاعمها للنقاش، فإنها تمثل عقيدة رسمية وتجسّد تصورًا متزايد الحضور في التفكير الاستراتيجي الأمريكي: أن النخب الحاكمة الأوروبية استبطنت أطرًا لاتخاذ القرار غير ملائمة لبيئات دولية تنافسية.
تحذّر الاستراتيجية من «محو حضاري» أوروبي، وتذهب إلى أن القارة قد تصبح «غير قابلة للتعرّف خلال عشرين عامًا أو أقل». وتعزو هذا المسار لا إلى التهديدات الخارجية وحدها، بل إلى هياكل حكم نُخبوية تتسم بما تصفه بـ«انعدام الثقة بالنفس»، وتنتج سياسات منفصلة عن واقع القوة. وتُعرض عملية صنع القرار الاستراتيجي الأوروبية باعتبارها مقيّدة بالإجرائية والقانونية والنفور من التفكير القائم على القوة.
ضمن هذا الإطار، تصبح قضية تشاغوس حالة نموذجية، لا استثناءً، لكيفية إعادة تشكيل الموقع الاستراتيجي عبر المسار القانوني، بينما يُقدَّم ذلك على أنه تثبيت أو ضمان للاستقرار.
الواقع الاستراتيجي
موريشيوس، التي يبلغ عدد سكانها نحو 1.3 مليون نسمة، وناتجها المحلي الإجمالي قرابة 12 مليار دولار، ولا تمتلك قدرة عسكرية مستقلة تُذكر، لا تملك النفوذ المادي الذي يمكّنها من إجبار قوة كبرى على التخلي عن أراضٍ ذات أهمية استراتيجية. وتوجد قضية تشاغوس بوصفها ظاهرة جيوسياسية لأنها مندمجة في بيئة استراتيجية أوسع.
على مدى العقد الماضي، عمّقت موريشيوس علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الصين، بما في ذلك مشاركتها في مشاريع مرتبطة بمبادرة «الحزام والطريق». وهذه العلاقات لا تعني سيطرة مباشرة، لكنها تغيّر من خيارات موريشيوس الاستراتيجية. وبالتوازي، أصبحت المنتديات القانونية والمؤسسية الدولية ساحات يُدار فيها تنافس القوى الكبرى بشكل غير مباشر، عبر بناء التحالفات، وصياغة الأجندات، والضغط المعياري بدلًا من القوة الصلبة.
من هذا المنظور، تنسجم نتيجة تشاغوس مع نمط أوسع تُستخدم فيه الآليات القانونية والمؤسساتية لإعادة تشكيل البيئات الاستراتيجية. فقد حوّلت بريطانيا سيطرة سيادية مطلقة إلى ترتيب إيجار يحافظ على الوصول العملياتي اليوم، لكنه يُدخل أشكالاً جديدة من التعرض طويل الأمد للمخاطر. ولا تكمن الهشاشة في الحاضر أو في التشغيل، بل في البعد القانوني والسياسي والزمني. فالسيادة باتت في مكان آخر، والوصول أصبح مرهونًا بتوافق مستمر عبر عقود، في ظل بيئة لدى أطراف خارجية فيها حوافز لزرع النفوذ.
يخلق عقد إيجار لمدة 99 عاماً مظهراً للاستمرارية، لكنه يرسّخ اختلالات تفاوضية مستقبلية. فما كان تحكمًا غير مشروط، أصبح وصولاً مشروطاً، خاضعاً للتطور السياسي والطعن القانوني وتغيّر الاصطفافات. ولم تُطلق رصاصة واحدة؛ بل تم التموضع عبر وسائل بنيوية.
صدام الأطر
رد فعل ترامب ذو دلالة تحليلية، لا بسبب اتساقه أو دقته الدبلوماسية، بل لأنه يعكس إدراكاً غريزياً بأن أمراً استراتيجياً لا رجعة فيه قد وقع. ويشير التناقض بين التأييد الدبلوماسي السابق والإدانة اللاحقة إلى إعادة تقييم حين نُظر إلى التداعيات من منظور قائم على القوة.
من هذا المنظور، يبدو التخلي عن سيادة قائمة تصرفاً غير عقلاني. فالوصول بعقد إيجار أدنى مرتبة جوهريًا من السيطرة السيادية. ويُفهم المسار القانوني لا كتحكيم محايد بل كأداة تنافسية. ولا تُعامَل الدول الصغيرة بوصفها أقرانًا مجردين، بل كعُقد داخل شبكات نفوذ أوسع.
يجد المسؤولون البريطانيون، العاملون ضمن الإطار الليبرالي المؤسسي، صعوبة في التعبير عن هذا المنطق دون حرج. فالحساب الاستراتيجي يبدو غير مبدئي، وعدم تكافؤ القوة يبدو غير لائق. ومع ذلك، بينما فاوضت بريطانيا موريشيوس كما لو أن القوة لم تعد تنظّم نتائج النظام الدولي، تعامل الآخرون مع المسألة كصراع على الموقع والوصول والنفوذ.
ويذكّر هذا الانقسام بمنطق «حوار ميلوس»، حين رفضت أثينا نداءات ميلوس إلى العدالة بوضوح قاسٍ: الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما يجب عليهم. وتمثل الليبرالية المؤسسية محاولة مستمرة لتجاوز هذا المنطق عبر القانون والإجراءات. والسؤال الذي تطرحه قضية تشاغوس هو: هل يظل هذا التجاوز قابلاً للاستمرار حين يواصل المنافسون العمل ضمن أطر صريحة قائمة على القوة؟
القراءة الحضارية
المشكلة الأعمق ليست إخفاقاً أخلاقياً بل عدم تطابق إدراكي. فالنخب الليبرالية الديمقراطية تطبّق بشكل متزايد أطر حوكمة صُممت للشرعية الداخلية على بيئات دولية لا يشترك الخصوم فيها بالافتراضات ذاتها. تُستبطن القيود من جانب واحد. وتُحترم الإجراءات حتى حين تُستخدم كسلاح من الآخرين. وتُعامل المعايير القانونية كغايات لا كأدوات.
وينتج عن ذلك نمط متكرر: يقيّد القانون الدولي الديمقراطيات الليبرالية بينما يُستدعى انتقائياً من قبل المنافسين. تُحترم المؤسسات من بعض الفاعلين وتُستغل استراتيجياً من آخرين. وتبدو النتائج التي تُعرض بوصفها مبدئية، من خارج الإطار، خسائرَ كان يمكن تجنبها في الموقع والنفوذ.
ما الذي تكشفه القضية؟
تكشف حلقة تشاغوس عن عدم توافق جذري بين أطر استراتيجية أصبحت الآن مُعلنة صراحةً في العقيدة الأمريكية.
إطار يعامل القانون الدولي كقيد ملزم، والشرعية الإجرائية كعامل استقرار، والمظلومية التاريخية كأمر يستوجب التعويض، والمؤسسات كمحكّمين محايدين. وإطار آخر يعامل القانون كأداة، والشرعية كثانوية أمام الموقع، والمظلومية كرافعة، والمؤسسات كساحة متنازع عليها.
يتعايش الإطاران داخل النظام الدولي. وتبرز المشكلة حين لا تستطيع النخب التعبير إلا عن أحدهما، وحين يُعامل الآخر بوصفه غير شرعي لا مختلفًا فحسب.
قد يحلّ الاتفاق البريطاني ظلماً تاريخياً بوسائل قانونية. وقد يزرع في الوقت ذاته هشاشة استراتيجية طويلة الأمد في بنية عسكرية حيوية. هاتان القراءتان غير متناقضتين. لكن الصعوبة تكمن في عجز الخطاب الليبرالي الديمقراطي عن التعامل مع القراءة الثانية دون الشعور بأنها خيانة للقيم.
الخلاصة
يؤدي تدخل ترامب وظيفة تحليلية بغض النظر عن دوافعه. فهو يكشف ديناميات يميل الخطاب الليبرالي المؤسسي إلى حجبها، ويتماشى مع تحوّل عقائدي أوسع بات صريحاً في الوثائق الاستراتيجية الأمريكية.
ما لا يمكن إنكاره هو أن بريطانيا حوّلت السيطرة السيادية إلى وصول مشروط مدفوع الأجر، وبررت القرار بالتزامات قانونية دولية، وقدّمت النتيجة بوصفها أمنًا استراتيجيًا لا تسوية استراتيجية.
وما يستحق اهتماماً مستداماً هو: لماذا أصبح التفكير القائم على القوة أكثر صعوبة في التعبير لدى النخب الليبرالية، ولماذا تصف العقيدة الأمريكية الرسمية هذا بوصفه مشكلة بنيوية، وهل ما تزال الأطر المصممة للشرعية الداخلية كافية لتنافس استراتيجي طويل الأمد؟
تكشف قضية تشاغوس، في صورة مصغّرة، صدامًا بين من يفكرون بالإجراء والقانون والشرعية، ومن يفكرون بالقوة والموقع والميزة. وأي الإطارين سيكون الأجدر بالبقاء يبقى سؤالاً مفتوحاً. لكن تجاهل وجود هذا الصدام قد يكون بحد ذاته الهشاشة التي تكشفها هذه القضية.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments