00:00:00
توقيت بغداد
2026يناير29
الخميس
10 °C
بغداد، 10°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ترجمة المعهد العراقي للحوار - أحمد فاخر الساعدي

حاملة الطائرات الأمريكية… القوة التي تخفي هشاشتها في صراع الزمن مع إيران

في ذروة التوتر بين إيران والولايات المتحدة، تعود حاملة الطائرات الأمريكية إلى الواجهة باعتبارها الرمز الأكثر كثافة للقوة البحرية الأميركية. حضورها في الخليج أو شرق المتوسط يُقدَّم دائماً بوصفه رسالة ردع كاسحة، تختصر التفوق العسكري الأمريكي في البحار. غير أن القراءة العسكرية المهنية تكشف مفارقة جوهرية: ما يُعرض كقمة الهيمنة، يقوم في الواقع على منظومة شديدة الحساسية، تعتمد قوتها على ما تحمله من طائرات، لا على قدرتها على الصمود أمام الضربات.

ليست قلعة فولاذية

حاملة الطائرات ليست “دبابة عائمة”، ولا حصناً فولاذياً يصمد في معركة مفتوحة، بل هي في جوهرها منصة طيران ضخمة. قيمتها العملياتية كلها تتمركز في سطح الإقلاع والهبوط، وفي أنظمة إدارة الطلعات الجوية، وسلاسة الحركة اللوجستية التي تجعل منها مطاراً متنقلاً.

وهنا تكمن نقطة الضعف: إخراج الحاملة من المعركة لا يتطلب إغراقها أو تدمير بدنها، بل يكفي تعطيل سطح الطيران أو الأنظمة المرتبطة به. ضربة دقيقة واحدة في هذا الموضع قادرة على شل الحاملة لأشهر، وربما لسنوات، لأن إصلاح هذا النوع من الأضرار معقد للغاية، ويتطلب مرافئ متخصصة وبنية صناعية ضخمة لا تتوافر إلا في قواعد محددة داخل الولايات المتحدة أو حلفائها الكبار.

هذه الحقيقة تجعل من الحاملة – رغم ضخامتها – هدفاً هشاً عملياً في أي صراع عالي الكثافة، خصوصاً في بيئات بحرية مغلقة مثل الخليج.

سباق الزمن: من يضغط الزناد أولاً؟

المشهد الإقليمي اليوم لا يُدار بمنطق “هل تقع الحرب؟” بل بمنطق أخطر: متى، ومن يبدأ؟

فالنافذة الاستراتيجية تضيق. الأصول العسكرية الأمريكية في الخليج محدودة، لكنها في حالة تحشيد مستمر، بينما يتصاعد الضغط الإعلامي والسياسي بوتيرة غير مسبوقة. هذا المناخ يخلق شعوراً في طهران بأن الانتظار قد يكون مكلفاً أكثر من المبادرة.

إيران لا تنتظر الضربة

داخل الدوائر الأمنية الإيرانية، يتنامى خطاب يعتبر أن “المؤشرات الملموسة للتهديد” باتت جزءاً من المعادلة الأمنية اليومية، وأن الضربة الاستباقية لم تعد فكرة نظرية.

اللواء المتقاعد في الحرس الثوري، يحيى صفوي، عبّر بوضوح عن هذا التحول حين دعا إلى اعتماد استراتيجية هجومية بدلاً من الاكتفاء بالدفاع التقليدي.

دروس “حرب الأيام الـ12”

التجربة الأخيرة – التي شهدت تنسيقاً أمريكياً إسرائيلياً غير مباشر – أظهرت أن طهران قادرة على الرد السريع، وأن هذا التنسيق لم ينجح في قلب ميزان القوى داخلياً. الخطر الحقيقي، وفق القراءة الإيرانية، ليس الانفلات الداخلي، بل توجيه ضربة في توقيت خاطئ قد تشعل سلسلة ردود لا يمكن احتواؤها.

التكنولوجيا تغيّر قواعد الاشتباك

إيران ترفع مستوى جاهزيتها عبر منظومات صاروخية جديدة، وأسلحة لم يُكشف عن تفاصيلها بعد، إلى جانب حديث متزايد عن امتلاك بطاريات دفاع جوي متقدمة قد تشمل أنظمة من طراز S-400.

الاختبارات العسكرية التي تلت “حرب الصيف” كشفت عن قدرات محسنة لمواجهة أي ضربة جوية أو بحرية، ما يضيق هامش المناورة أمام الخصم.

البعد الدولي: دعم بلا إنقاذ

روسيا والصين لا تسعيان إلى إنقاذ إيران، لكن أي انهيار كامل لطهران سيضر بمصالحهما الاستراتيجية. والدعم الصيني يتركز على مجالات المراقبة والاستطلاع عبر الأقمار الصناعية، بينما تميل موسكو إلى تزويد إيران بمقاتلات وتقنيات متقدمة، مع الحرص على إبقاء ساحة المواجهة بعيداً عن أراضيها.

إذ إن أي مواجهة مقبلة لن تكون سلسلة ضربات متبادلة قصيرة، بل حرب استنزاف طويلة تتداخل فيها الأدوات الهجومية والدفاعية، والضغوط الاقتصادية والنفسية.

في هذا السياق، تحاول طهران الحفاظ على عنصر المبادرة، لأن سؤال “من يضرب أولاً” قد يحدد مستقبل الصراع في المنطقة بأكملها.

فالحرب لم تعد احتمالاً نظرياً، بل لعبة زمن واستراتيجية معقدة.

إيران لا تسعى فقط إلى حماية نفسها، بل إلى إعادة ضبط شروط الاشتباك، بحيث تضمن أن أي مواجهة ستكون مكلفة إلى الحد الأقصى لخصومها، وتحافظ في الوقت ذاته على نفوذها الإقليمي واستقرارها الداخلي.

في هذه المعادلة، لا تبدو حاملة الطائرات رمزاً مطلقاً للقوة بقدر ما تبدو هدفاً حساساً في صراع قد يُحسم بقرار واحد: من يضغط الزناد أولاً؟

Comments