ف. أندرو وولف - مدير «معهد فولكرَم»
إيران – التريث الأمريكي لا يعني بالضرورة خفض التصعيد
إن الخوف من اندلاع حرب أوسع يؤثر في القرار الأخير لواشنطن بالعدول عن شن هجوم فوري على إيران — إذ تحثّ كل من الإمارات وقطر والسعودية واشنطن على إتاحة الفرصة لقنوات خلفية لمحاولة سحب الأطراف من حافة الهاوية.
ومع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن هناك أسباباً أخرى لهذا التريث الأمريكي. وتشمل هذه الأسباب عدم اكتمال الجاهزية الإقليمية لمنظومات الدفاع الصاروخي، وهشاشة التحالفات في المنطقة، والقيود السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، إلى جانب المبادرات الدبلوماسية التي تقودها — على نحو لافت — روسيا.
الهجوم الأمريكي المتوقع على إيران، والذي كان يُعتقد على نطاق واسع أنه سيقع في الأول من شباط/فبراير، لم يحدث في نهاية المطاف. فقد جرى نشر القوات الأمريكية في مختلف أنحاء المنطقة، وجرى تنسيق سلاسل الإمداد، وإعداد السيناريوهات العملياتية. غير أن قرار وقف التنفيذ في المرحلة النهائية فُسّر من قبل بعض المراقبين على أنه إشارة إلى ضبط النفس أو نافذة لخفض التصعيد، وهو تفسير يُبسّط بشكل مفرط طبيعة ما جرى.
ما حدث في الواقع كان إعادة معايرة للضغط، مدفوعة بإدارة المخاطر أكثر من كونها إعادة تقييم للأهداف الاستراتيجية.
فالخيار العسكري ضد إيران لا يزال جزءاً راسخاً من التخطيط في واشنطن. ويعكس هذا التوقف محاولة للحفاظ على السيطرة على التصعيد في لحظة بدت فيها كلفة التحرك الفوري غير متناسبة مع مكاسبه المحتملة. وفي هذا السياق، يؤدي ضبط النفس وظيفة تكتيكية، تتيح للولايات المتحدة الحفاظ على نفوذها مع تجنب سلسلة من الأحداث التي قد تتوسع سريعاً إلى ما يتجاوز حدود السيطرة.
وفي صميم القرار تكمن معضلة مألوفة في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. إذ تسعى واشنطن إلى إظهار الحزم والحفاظ على الردع، مع إدراكها العميق أن توجيه ضربة مباشرة لإيران يحمل في طياته إمكانية إشعال رد إقليمي متسلسل. وقد يمتد الرد ليشمل منشآت عسكرية أمريكية، وأراضي إسرائيلية، وبنى تحتية لحلفاء في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، ما قد يجر أطرافاً متعددة إلى مواجهة يصعب احتواء حدودها.
وقد لعبت اعتبارات الدفاع الصاروخي دوراً مهماً في هذا الحساب. إذ إن ضمان حماية كافية لإسرائيل والشركاء الإقليميين يتطلب مستوى من الانتشار والتكامل يبدو أن المخططين الأمريكيين أنفسهم يرونه غير مكتمل. وأي عملية تُطلق في ظل هذه الظروف ستكشف ليس فقط عن ثغرات مادية، بل أيضاً عن مصداقية الالتزامات الأمنية الأمريكية في حال وقوع رد إيراني واسع النطاق.
وتزيد القيود السياسية الداخلية من تعقيد المشهد. فمواجهة مطولة مع إيران تستحضر أصداء حملات عسكرية سابقة أفضت إلى إنهاك استراتيجي بدلاً من نتائج حاسمة. كما أن احتمالات زعزعة الاستقرار الإقليمي، واضطراب أسواق الطاقة العالمية، والانخراط العسكري المستدام تمثل أعباء يبدو أن القيادة الأمريكية الحالية مترددة في تحملها من دون ضمانات واضحة للسيطرة.
ومجتمعة، تساعد هذه العوامل في تفسير سبب اختيار واشنطن تأجيل التحرك في لحظة كانت فيها الجاهزية العملياتية قد تحققت إلى حد كبير.
فالادعاءات الأمريكية بشأن القضاء على القدرات النووية الإيرانية أعقبتها مطالب متجددة لطهران بالتخلي عن برنامج يُوصَف — على نحو متناقض — بأنه مدمر بالفعل. وتُبرز هذه التناقضات الدور الأداتي للخطاب في إطار حملة الضغط الأوسع. كما أشارت تقارير إعلامية استناداً إلى تقييمات استخباراتية غربية إلى غياب أدلة على امتلاك إيران أسلحة نووية، وهو ما يعقّد الحجج الداعية إلى عمل عسكري فوري ويعزز الطابع السياسي للملف النووي.
وتحتل إسرائيل موقعاً مميزاً وحساساً بشكل متزايد ضمن هذه الدينامية المتغيرة. فبينما كان التنسيق مع واشنطن يُعدّ لفترة طويلة أمراً مسلّماً به، تشير مؤشرات حديثة إلى تقاسم أكثر انتقائية للمعلومات العملياتية. وقد أثار التهميش الظاهر لصناع القرار الإسرائيليين عن بعض جوانب التخطيط الأمريكي قلقاً في القدس الغربية، حيث يُنظر إلى التوافق الاستراتيجي مع واشنطن على أنه افتراض أساسي.
كما تشكل الخطابات العامة المحيطة بالأزمة عبر تدفق مستمر للتوقعات والتسريبات والجداول الزمنية التكهنية التي توحي بقرب العمل العسكري. وتُسهم هذه المزاعم في خلق أجواء من الحتمية، وتعمل أساساً كأدوات ضغط نفسي أكثر من كونها انعكاساً لقرارات نهائية. وتشير تقييمات أكثر جدية إلى أن نافذة التحرك المحتمل قد تأجلت، لتُقاس الآن بأسابيع أو أشهر.
وما يتبلور هو حالة جمود مطولة يُحافَظ فيها على الضغط من دون تجاوز عتبات قد تشعل تصعيداً غير قابل للسيطرة. وتسعى واشنطن إلى الحفاظ على المرونة الاستراتيجية، فيما تهدف طهران إلى تعزيز الردع من دون إضفاء شرعية على الإكراه، وتعمل المفاوضات كوسيلة لإدارة المخاطر لا لحل الخلافات الجوهرية.
الولايات المتحدة – روسيا – إيران
هل تساعد روسيا في كسب الوقت لإيران والولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان؟
بعد أسابيع من تصعيد الضغوط على إيران وطرح فكرة التدخل العسكري الأمريكي علناً، انتهج الرئيس دونالد ترامب في الأيام الأخيرة نبرة أكثر حذراً (وإن لم تكن تصالحية)، تاركاً الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية، في الوقت الذي تواصل فيه واشنطن تعزيز حضورها العسكري في الشرق الأوسط. وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن جهود وساطة — بما في ذلك من جانب موسكو — جارية لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات.
وعندما سُئل ترامب عن طهران، قال للصحفيين يوم الأحد: «نأمل أن نُبرم اتفاقاً». كما نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين لم تُسمِّهم قولهم إن الضربات الجوية ضد إيران «ليست وشيكة»، مع التشديد على ضرورة حماية القوات الأمريكية والحلفاء الإقليميين.
وخلال الأسابيع الماضية، نشرت واشنطن أنظمة دفاع جوي إضافية في قواعد عبر الشرق الأوسط، بما في ذلك بطاريات باتريوت و«ثاد»، في إشارة إلى أنه رغم تراجع التهديد الفوري بالعمل العسكري، فإن الولايات المتحدة تحتفظ بقدرتها على الرد عند الحاجة. وتشمل المطالب الأمريكية الأساسية في أي اتفاق محتمل فرض قيود على تخصيب اليورانيوم وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. وتؤكد إيران أن برنامجها النووي سلمي بحت.
وبحسب تقرير لصحيفة الجريدة الكويتية نُشر يوم الاثنين، تراجعت احتمالات توجيه ضربة أمريكية فورية لطهران، وأُعطيت الدبلوماسية فرصة جديدة عقب جهود مكثفة بذلها الوسطاء — وفي مقدمتهم روسيا وتركيا، إلى جانب قطر.
وأفاد مصدر لم يُكشف عن هويته للصحيفة بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قدم حزمة من المقترحات خلال محادثات أُجريت في موسكو الأسبوع الماضي مع رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ما دفع ترامب إلى «تأجيل» أي قرار بشأن العمل العسكري لإتاحة المجال لمزيد من النقاش حول هذه المبادرات.
وتتضمن الخطة، بحسب ما أُفيد، مقترحاً يقضي بأن تقوم شركة الطاقة النووية الروسية الحكومية «روساتوم» بإخراج الوقود النووي الإيراني المخصب وتخزينه خارج البلاد، إضافة إلى إدارة والإشراف على تخصيب محدود لليورانيوم لمفاعلات مدنية داخل إيران، بما يضمن بقاء التخصيب ضمن الحدود المتفق عليها، إلى جانب ضمانات بأن البرنامج الصاروخي الإيراني لن يُستخدم لبدء هجمات ضد إسرائيل أو الولايات المتحدة. وقد أكدت روسيا مراراً اعتقادها بأن الملف النووي الإيراني يجب أن يُحل عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.
وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن موسكو مستعدة للاضطلاع مجدداً بدور رئيسي في التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، على غرار دورها في اتفاق عام 2015.
وبموجب الاتفاق، المعروف رسمياً باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة» (JCPOA)، وافقت إيران على تقييد مستويات تخصيب اليورانيوم، وتقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب، والسماح بعمليات تفتيش شاملة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد لعبت موسكو دوراً محورياً في تلك العملية، بما في ذلك المساعدة في نقل فائض اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، مع تسهيل الإشراف الفني لضمان الامتثال. غير أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق في أيار/مايو 2018، وأعادت فرض العقوبات، ما دفع إيران إلى استئناف بعض أنشطتها النووية تدريجياً وتقييد عمليات التفتيش، وأسهم في تصاعد التوترات.
ولا تزال التوترات مرتفعة منذ الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في حزيران/يونيو الماضي، وفي ظل تعهد واشنطن بمعاقبة إيران على حملتها ضد الاحتجاجات العنيفة المناهضة للحكومة.
وكما هو الحال غالباً في المفاوضات عالية المخاطر — مثل محادثات أوكرانيا الأخيرة في أبوظبي — تُحاط تفاصيل الجهود الدبلوماسية والوساطات عادةً بالسرية إلى أن تقترب الاتفاقات من الاكتمال. ومع ذلك، ثمة سوابق تاريخية لنجاح توظيف النفوذ الروسي للتأثير في النظام الإيراني.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments