00:00:00
توقيت بغداد
2026فبراير12
الخميس
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ترجمة المعهد العراقي للحوار

لغز إبستين: صعود من الظل إلى قلب السلطة

قال جيفري إبستين لصحيفة نيويورك بوست عام 2011: «أنا لست مفترساً جنسياً، أنا مجرم»، مضيفاً «هذا هو الفرق بين قاتل وشخص يسرق رغيف خبز».

وبعد ثماني سنوات، توفي إبستين في 10 أغسطس/آب 2019 داخل زنزانته في سجن بنيويورك، بينما كان محتجزًا من دون كفالة بانتظار محاكمته بتهمة إدارة «شبكة واسعة» من الفتيات القاصرات لأغراض جنسية.

وكما يتضح من الاقتباس الافتتاحي، فقد ظل ينكر هذه الاتهامات باستمرار. وجاء ذلك بعد أكثر من عقد على إدانته بتهمة طلب الدعارة من قاصر، وهي الجريمة التي أدرج بسببها اسمه في سجل مرتكبي الجرائم الجنسية.

وُلد جيفري إبستين ونشأ في نيويورك، وكان في منتصف سبعينيات القرن الماضي يدرّس الرياضيات والفيزياء في مدرسة دالتون الخاصة بالمدينة. وكان قد درس هذين التخصصين في الجامعة، لكنه لم يتخرج قط.

ويُقال إن والد أحد طلابه أُعجب به إلى درجة أنه عرّفه إلى أحد كبار الشركاء في بنك الاستثمار «بير ستيرنز» في وول ستريت.

وخلال أربع سنوات فقط، أصبح شريكاً في الشركة. وفي عام 1982 أسس شركته الخاصة تحت اسم «جي إبستين وشركاه».

كانت الشركة تدير أصولاً لعملاء تتجاوز قيمتها مليار دولار أمريكي، وحققت نجاحاً سريعاً. وسرعان ما بدأ إبستين في إنفاق ثروته، فاشترى قصراً في فلوريدا، ومزرعة في نيو مكسيكو، ويُقال إنه امتلك أكبر منزل خاص في نيويورك. كما بدأ في مصاحبة مشاهير وفنانين وسياسيين.

«رجل رائع»

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2002 لمجلة نيويورك في تقرير عن إبستين: «أعرف جيف منذ 15 عاماً. إنه رجل رائع».

وأضاف: «من الممتع التواجد معه. ويقال إنه، مثلي، يحب النساء الجميلات، وكثير منهن شابات نسبياً». وأكد ترامب حينها أن «جيفري يستمتع بالتأكيد بحياته الاجتماعية».

وقال ترامب لاحقاً إن علاقته بإبستين انقطعت في أوائل العقد الأول من الألفية، قبل سنوات من اعتقاله الأول، ونفى دائماً أي مخالفة مرتبطة به.

وأعلن البيت الأبيض أن ترامب «طرد إبستين من ناديه قبل عقود بسبب تحرشه بالموظفات». كما قال ترامب إن إبستين كان «يستدرج» شابات يعملن في منتجع مارالاغو. وأضاف: «عندما فعل ذلك، لم يعد هناك طريق للعودة».

إلى جانب ترامب، عُرف إبستين بصداقاته مع شخصيات بارزة أخرى، دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتكابهم مخالفات.

في عام 2002، اصطحب الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، والممثلين كيفن سبيسي وكريس تاكر، في رحلة إلى أفريقيا على متن طائرته الخاصة.

وفي عام 2003 حاول مع المنتج السينمائي هارفي واينستين شراء مجلة نيويورك دون نجاح، وهو العام نفسه الذي تبرع فيه بـ30 مليون دولار لجامعة هارفارد.

ووافق بيل وهيلاري كلينتون على الإدلاء بشهادتيهما في تحقيق للكونغرس حول إبستين.

كما كان إبستين صديقًا للسياسي البريطاني بيتر ماندلسون، الذي أعرب لاحقاً عن ندمه على تلك العلاقة، والتي أدت عام 2025 إلى فقدانه منصبه سفيراً لبريطانيا في واشنطن واستقالته من حزب العمال. وتخضع علاقتهما لتحقيقات تتعلق بتسريب معلومات حكومية سرية.

ورغم صداقاته الصاخبة، حاول إبستين الحفاظ على خصوصية حياته، وكان يُقال إنه يتجنب المناسبات الاجتماعية والعشاء في المطاعم.

ارتبط بعلاقات مع نساء مثل إيفا أندرسون دوبين، ملكة جمال السويد السابقة، وغيلين ماكسويل، ابنة قطب الإعلام البريطاني روبرت ماكسويل. لكنه لم يتزوج قط.

ووصفت روزا مونكتون، المديرة التنفيذية السابقة لشركة تيفاني آند كو، إبستين في مقابلة عام 2003 بأنه «غامض جدًا» و«كجبل جليد كلاسيكي»، إذ إن الجزء الأهم من حياته كان مخفيًا تحت السطح.

الإدانة والصفقة القضائية

في عام 2005، أبلغ والدا فتاة تبلغ 14 عاماً الشرطة في فلوريدا بأن إبستين اعتدى عليها جنسياً في منزله في بالم بيتش.

وخلال تفتيش المنزل، عثرت الشرطة على صور لفتيات في أنحاء المنزل. وذكرت صحيفة ميامي هيرالد أن إساءاته للقاصرات تعود لسنوات، وأن أكثر من 50 امرأة قدّمن روايات متشابهة.

وبحسب تحقيق للصحيفة استند إلى أكثر من ألفي وثيقة فيدرالية، فإن معظم الضحايا كنّ من خلفيات محرومة. وكان يُزعم أنه يدفع لهن مقابل جلسات تدليك تنتهي غالبًا بعلاقات جنسية.

وأطلقت وسائل الإعلام على طائرته الخاصة لقب «لوليتا إكسبرس» في إشارة إلى نقله قاصرات بين الولايات بين عامي 1999 و2007.

وفي عام 2008، أبرمت النيابة صفقة قضائية مع إبستين، تجنب بموجبها اتهامات فيدرالية قد تؤدي إلى السجن مدى الحياة، مقابل الحكم عليه بالسجن 18 شهراً. وخلال تلك الفترة سُمح له بمغادرة السجن 12 ساعة يومياً، ستة أيام في الأسبوع للعمل في مكتبه. وأُفرج عنه بعد 13 شهراً.

وصفت ميامي هيرالد الاتفاق بأنه «صفقة القرن»، مشيرة إلى أنه حدّ من نطاق التحقيقات وأوقف مسار تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي.

واستقال المدعي الفيدرالي ألكسندر أكوستا عام 2019 بسبب هذه القضية، رغم دفاعه عن قراراته. ومنذ 2008، سُجل اسم إبستين في نيويورك كمجرم جنسي من المستوى الثالث، وهو تصنيف مدى الحياة يشير إلى خطر عالٍ لتكرار الجريمة.

الأمير أندرو

أثار ظهور أندرو مونتباتن وندسور، المعروف سابقاً بالأمير أندرو، إلى جانب إبستين في نيويورك عام 2010 جدلاً واسعاً.

وقال في مقابلة مع بي بي سي عام 2019 إنه كان يعرف إبستين منذ 1999، وإنه سافر إلى نيويورك عام 2010 لإنهاء صداقته معه، معرباً عن ندمه على الإقامة في منزله.

لكن رسائل بريد إلكتروني نُشرت لاحقاً أظهرت استمرار التواصل بينهما لفترة أطول مما أقر به. وفي عام 2025 جُرّد من ألقابه الملكية.

وادعت إحدى الضحايا، فيرجينيا روبرتس (المعروفة سابقاً بفيرجينيا جوفري)، أنها أُجبرت على إقامة علاقة جنسية معه عندما كانت في السابعة عشرة. ونفى الأمير أندرو الاتهامات، لكنه دفع ملايين الدولارات عام 2022 لتسوية القضية خارج المحكمة.

اعتقاله ووفاته

اعتُقل إبستين في 6 يوليو/تموز 2019 في نيويورك بعد عودته من باريس بطائرته الخاصة. وكان الادعاء يسعى لمصادرة قصره في مانهاتن.

أنكر جميع التهم وأعلن براءته، وبقي محتجزاً في مركز متروبوليتان الإصلاحي. وفي يوليو نُقل إلى المستشفى لفترة قصيرة إثر إصابة في الرقبة، دون توضيحات رسمية.

وفي 31 يوليو 2019، تبيّن أن محاكمته لن تبدأ قبل صيف 2020. لكنه لم يمثل أمام المحكمة مطلقاً، إذ توفي في زنزانته في 10 أغسطس 2019.

محاكمة غيلين ماكسويل

بعد وفاة إبستين، تحولت الأنظار إلى صديقته السابقة غيلين ماكسويل. اعتُقلت في يوليو 2020 بتهمة مساعدة إبستين في استغلال قاصرات وتجنيد ضحايا.

وفي ديسمبر 2021، أدانتها هيئة محلفين في نيويورك بخمس من ست تهم، بينها الاتجار الجنسي بقاصر. حُكم عليها بالسجن 20 عاماً، ما يعني أنها قد تقضي بقية حياتها خلف القضبان.

ووفق الادعاء، كانت ماكسويل تلعب دوراً محورياً في إدارة شؤون منزل إبستين وتنسيق أنشطته الاجتماعية.

وبعد إدانتها، قالت: «أكبر ندم في حياتي هو أنني التقيت جيفري إبستين»، مضيفة أنها تأسف لمعاناة الضحايا وتأمل أن يمنح الحكم بعض السلام. لكن فريق دفاعها طعن في الحكم، إلا أن المحكمة العليا الأمريكية رفضت الاستئناف.

Comments