00:00:00
توقيت بغداد
2026فبراير16
الاثنين
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: الدكتور جون كالابريس - ترجمة المعهد العراقي للحوار

عودة اللاجئين السوريين: لحظة مفصلية

لا يزال وصول الحرية إلى سوريا هشّاً للغاية. فحتى مع حصول الحكام الجدد في البلاد على اعتراف دبلوماسي، ونوايا حسنة، وتخفيف مبكر للعقوبات الغربية، تبقى سوريا ممزقة جغرافياً واجتماعياً ومؤسسياً. ويحاول الملايين إعادة بناء حياتهم وسط الأنقاض. وقد أشاد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مؤخراً بـ«صمود وشجاعة» السوريين، وهو ما انعكس في «موجة العودة» الكبيرة منذ 8 ديسمبر 2024، والتي شملت 1.2 مليون لاجئ و1.9 مليون نازح داخلياً.

وقد اغتنم المسؤولون في دمشق اللحظة، حيث روّج حاكم المصرف المركزي عبد القادر حصرية لخطط إحياء الليرة السورية وتحويل البلاد إلى «مركز مالي إقليمي». غير أن تصاعد وتيرة العودة يعكس الضغوط بقدر ما يعكس الآمال، إذ تدفع إليه وتيرة التعافي غير المتكافئة داخل سوريا، وتدهور الأوضاع في دول اللجوء، وتراجع الاهتمام الدولي. ومن دون استراتيجية عالمية منسقة واستشرافية، قد لا تمثل هذه العودة نهاية الأزمة السورية، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.

الدوافع العاطفية والسياسية وراء العودة

بالنسبة لكثير من السوريين، تمثل العودة إلى الوطن فعلاً عاطفياً بقدر ما هو سياسي. فقد أفرزت سنوات المنفى إرهاقاً واغتراباً وحنيناً إلى المكان والكرامة. وأظهرت استطلاعات أجرتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في سبتمبر 2024 ويناير 2025 هذا التداخل بين الأمل والضرورة؛ إذ أشار اللاجئون إلى «تحسن الأوضاع الأمنية» و«سقوط النظام السابق» و«لمّ شمل الأسرة» كأسباب رئيسية. لكن اليأس كان دافعاً قوياً أيضاً، مع تصاعد كراهية الأجانب في تركيا ولبنان، وتراجع فرص العمل في الأردن، واستنزاف الدعم الإنساني.

ولا ينبغي التقليل من الجاذبية العاطفية للوطن. فذكرى «البيت» تمثل مرساة عاطفية ورمزاً موحداً بين المهجرين. وعلى مدى أكثر من عقد، ظل شعار «سوريا وطني» حاضراً في مجتمعات اللاجئين، مجسداً الإصرار على العودة رغم المخاوف. وقد أزال سقوط الأسد حاجزاً نفسياً تمثل في الخشية من الاعتقال أو التجنيد الإجباري عند العودة. وكما قال أحد العائدين: «أستطيع مواجهة الأنقاض، لكن ليس النظام».

وتُعد سوريا استثنائية من حيث سرعة العودة بعد الحرب، إذ بدأت العودة خلال أشهر قليلة من سقوط الأسد، ما وضع مؤسسات الدولة الهشة أمام اختبار لم تكن مستعدة له.

جغرافيا العودة وطابعها الطوعي

تبرز جغرافيا العودة هذا الخلل؛ إذ عاد ما لا يقل عن 170 ألف سوري من الأردن، و379 ألفاً من لبنان، ونحو 560 ألفًا من تركيا. ورغم ضخامة هذه الأعداد، فإن طوعيتها ليست كاملة. فالتضييق القانوني، والتضخم، وتصاعد الخطاب المعادي للاجئين في دول الاستضافة جعلت الحياة اليومية غير قابلة للاستمرار، ما دفع كثيرين إلى العودة. ويُعدّ النموذج التركي مثالاً واضحاً على بيئة متشددة دفعت أكثر من نصف مليون سوري إلى المغادرة منذ سقوط الأسد، في ظل أزمة اقتصادية وتداعيات الزلزال وتنامي العداء الاجتماعي.

وفي أدبيات اللجوء، تُعد «العودة الطوعية» الحل الأمثل. لكن في الحالة السورية، بات مفهوم الطوعية يتآكل؛ إذ يوقّع اللاجئون في لبنان وغيره على استمارات «موافقة» في ظل أزمات اقتصادية خانقة وقيود قانونية وضغوط اجتماعية، ما يعيد تعريف العودة من دليل على السلام إلى أداة تطبيع مُدار.

عودة إلى ماذا؟

سوريا التي يعود إليها اللاجئون ليست دولة متماسكة، بل فسيفساء من سلطات متداخلة. فالحكومة الانتقالية في دمشق، برئاسة أحمد الشرع، تملك سيطرة هشة وغير متكافئة. ويظل تمثيل الأقليات في الحكومة رمزياً أكثر منه فعلياً. وتسيطر هيئة تحرير الشام على وزارات وأجهزة أمنية رئيسية، بينما تحتفظ قوات سوريا الديمقراطية بإدارة ذاتية في الشمال الشرقي، وتعمل فصائل مدعومة من تركيا في ريف حلب، فيما تفرض ميليشيات محلية ودروز نوعاً من الحكم الذاتي في الجنوب.

هذا التشظي يخلق فرصاً ومخاطر في آن واحد. ففي بعض المناطق، أتاح الحكم المحلي إعادة إعمار جزئية ووقفًا لإطلاق النار. لكن الانقسامات الطائفية والمجتمعية لا تزال قائمة. وقد شهدت السويداء في يوليو 2025 اشتباكات جديدة، فيما استمرت الضربات الإسرائيلية، ومددت تركيا تفويض عملياتها العسكرية في سوريا ثلاث سنوات إضافية. وبذلك، فإن عودة اللاجئين لا تعني بالضرورة المصالحة أو السلام الدائم.

وبالنسبة للعائدين، يتجسد هذا الواقع في معادلة يومية للبقاء. إذ لا يزال نحو 16.5 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات، ويقيم 1.2 مليون في مخيمات أو مستوطنات غير رسمية. وتمثل الأمن والحكم وفرص العيش عوائق متشابكة أمام الاستقرار.

مفارقة إعادة البناء

رغم تراجع حدة القتال، فإن إعادة الإعمار تكشف دماراً أعمق. ووفق تقييم البنك الدولي (2011–2024)، فقدت سوريا نحو ثلث رأس مالها، بخسائر بلغت 216 مليار دولار، منها 52 ملياراً في البنية التحتية وحدها. وكانت حلب وحمص من أكثر المناطق تضرراً.

وتتفاقم الأزمة مع ضياع وثائق الملكية؛ إذ لا يمتلك سوى 38% من أصحاب المنازل السابقين وثائق سارية، بعد حرق أرشيفات ومصادرات قانونية سابقة. ويواجه العائدون خطر التحول إلى «متعدين» في قراهم أو نازحين مجدداً.

كما تنتشر ما بين 100 ألف و300 ألف ذخيرة غير منفجرة في أنحاء البلاد، مع تسجيل 1600 إصابة عام 2025، بينهم 165 طفلاً. وتعرقل هذه المخلفات إعادة البناء والزراعة.

وتجسد هذه العوائق «مفارقة المُعيد»: إذ تحتاج سوريا إلى الاستقرار لإعادة البناء، لكنها تحتاج إلى إعادة البناء لتحقيق الاستقرار.

أمة بلا طاقة

الوضع الإنساني قاتم؛ إذ تشير تقارير إلى دمار المدارس والمستشفيات، وتعطل أكثر من نصف شبكات المياه و80% من شبكات الكهرباء. ويعتمد السكان على مولدات خاصة وسط رفع تدريجي للدعم وزيادة التعرفة، ما فاقم الضغوط المعيشية.

ورغم رفع بعض العقوبات، يبقى التعافي الاقتصادي هشاً، مع مبادرات صغيرة ممولة من المغتربين في البناء والطاقة الشمسية والزراعة، لكنها محدودة وغير منسقة.

تراجع المانحين

في وقت تتزايد فيه الاحتياجات، تتراجع المساعدات الدولية. فقد خُفّض تمويل الأمم المتحدة بنحو مليار دولار خلال 2024–2025، مع مؤشرات على مزيد من التخفيضات. كما قلصت دول أوروبية مساعداتها، فيما يظل إسهام الصين محدوداً.

ولم يُموَّل سوى 29% من خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025، مع تقليص الحصص الغذائية وإغلاق برامج تعليمية وضغط على المستشفيات.

من المساعدة إلى التعافي المشترك

برزت دعوات إلى نموذج «التعافي المشترك»، القائم على شراكات أفقية بين مؤسسات محلية ومستثمرين من الشتات وجهات دولية، لدمج الإغاثة بالتنمية المستدامة. غير أن غياب التنسيق قد يعمّق الانقسامات، ما يتطلب هيكلاً مزدوجاً يجمع بين المرونة المحلية والإشراف الوطني.

بين التجدد والانتكاس

من المرجح استمرار العودة خلال 2026 بوتيرة أبطأ، مع بروز خيبات أمل وصعوبات في الاندماج. وقد تعني «العودة» في حالات كثيرة انتقالاً داخلياً بدلاً من استقرار دائم.

وستعتمد قدرة سوريا على تحويل هذه اللحظة إلى تعافٍ مستدام على نوعية العودة لا عددها، وعلى إعادة بناء البنية التحتية والحقوق والثقة في آن واحد. فسقوط الأسد أنهى حقبة، لكنه لم يُنهِ أسباب النزوح. وإذا أسيء تفسير العودة بوصفها تعافياً كاملاً، فقد تُغفل هشاشة سوريا المستمرة، حيث قد تعني العودة ببساطة شكلًا جديدًا من أشكال النزوح.

Comments