ترجمة المعهد العراقي للحوار
هل تستطيع بغداد تحقيق السيادة العسكرية الكاملة؟
تواجه القوات المسلحة العراقية مسؤولية كبيرة في تأمين حدود البلاد وحماية الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية عقب انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق. وتمثل هذه المرحلة فرصة لإثبات قدرة الجيش العراقي على تولي كامل المسؤولية دون الاعتماد على دعم خارجي، مع التركيز على بناء جيش وطني مهني مدرب ومجهز بأحدث الأسلحة والتقنيات العسكرية.
يمتد تاريخ الجيش العراقي لأكثر من قرن، وكان لعقود من أبرز الجيوش في المنطقة والعالم. وخاض معارك داخلية وخارجية، بدءاً من الحرب القاسية مع إيران، مروراً بغزو الكويت، وصولاً إلى مواجهة الغزو الأمريكي، ثم قتال تنظيم داعش.
احترافية تحت الضغط
أكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، صباح النعمان، أن العراق يمضي بثبات نحو بناء “منظومة عسكرية احترافية قائمة على تراكم الخبرات الميدانية من معارك حُسمت لصالح الدولة”، مشيراً إلى أن هذه الرؤية “تنطلق من عقيدة وطنية موحدة وولاء حصري للدولة والدستور”.
وفي ما يتعلق بالتسليح، أوضح النعمان أن الجيش العراقي يسعى إلى تحقيق الاكتفاء التقني عبر إحياء التصنيع العسكري المحلي وتوطين التكنولوجيا العسكرية، إضافة إلى تطوير القوة الجوية، والاستعداد لحروب الفضاء السيبراني، والاستفادة من خبرة الجيش في حرب المدن ومكافحة الجماعات الإرهابية، “ليصبح من بين الجيوش الرائدة في المنطقة من حيث التجهيز والعديد”.
ومع ذلك، لا يزال الطريق أمام تعزيز قدرات الجيش العراقي مليئاً بالتحديات. فعلى الرغم من أن اتفاقية الإطار الاستراتيجي لعام 2008 بين العراق والولايات المتحدة أرست شراكة أمنية رسمية تركز على تدريب وتجهيز ودعم القوات العراقية، فإنها لم تُلبِّ كامل احتياجات البلاد العسكرية والأمنية. وازدادت الفجوة وضوحاً مع ربط واشنطن صفقات السلاح بشروط معقدة حدّت من قدرة العراق على شراء ونشر قدرات عسكرية حيوية.
صحيح أن الدعم الأمريكي لم يتوقف؛ فبين عامي 2015 و2024 قدمت واشنطن 1.25 مليار دولار ضمن برنامج التمويل العسكري الأجنبي لتعزيز قدرات القوات الأمنية العراقية وجهود مكافحة الإرهاب، إضافة إلى أكثر من 590 مليون دولار لبرامج تدمير الأسلحة. إلا أن هذا الدعم ركّز بشكل أساسي على الاستقرار ومكافحة الإرهاب، وليس على بناء جيش مستقل استراتيجياً وقادر على الردع الإقليمي.
وزاد من تعقيد المشهد تعرض الولايات المتحدة لضغوط من حلفاء إقليميين، بينهم إسرائيل وعدد من دول الخليج، عارضوا تزويد العراق بأسلحة متقدمة قد تغيّر موازين القوى في المنطقة، خشية أن يؤدي تعزيز القدرات العسكرية العراقية إلى تقوية نفوذ إيران بشكل غير مباشر. ونتيجة لذلك، واجه العراق ثغرات أمنية مطولة، سواء في التفاوض على صفقات السلاح أو في تشغيل ونشر بعض المنظومات المتقدمة.
في ثمانينيات القرن الماضي، كان الجيش العراقي من بين أقوى الجيوش عالمياً خلال ذروة الحرب مع إيران. إلا أن هذه القوة المؤسسية انهارت بعد الغزو الأمريكي عام 2003، عندما أصدر رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة، Paul Bremer، قراراً بحل الجيش، ما اضطر العراق إلى إعادة بنائه من الصفر.
وخلال عقود، خاض الجيش حروباً إقليمية، من بينها حرب عام 1948 عقب إعلان قيام Israel، وحرب أكتوبر 1973 بين سوريا ومصر وإسرائيل، كما واجه انتفاضات داخلية، أبرزها في إقليم كردستان، ما شكّل عقيدته العملياتية وتشابكاته السياسية.
ويحتل العراق اليوم المرتبة السادسة في الشرق الأوسط وفق مؤشر “غلوبال فاير باور” لعام 2026، غير أن استعادة الاستقلال الاستراتيجي تتطلب أكثر من ترتيب رقمي؛ إذ تستلزم استقلالاً وظيفياً فعلياً.
الإصلاح والقيادة ونقاط الضعف البنيوية
اعتمد الجيش العراقي الجديد بعد 2003 نظام التطوع لبناء مؤسسة عسكرية مهنية يختار أفرادها الخدمة العسكرية طوعاً. غير أن خبراء تحدثوا لشفق نيوز أشاروا إلى أن من أبرز نقاط الضعف “ضباط الدمج”، وهم أشخاص منتمون إلى كيانات سياسية جرى إدماجهم في الجيش بعد تغيير النظام.
ويرى الخبير العسكري علاء النشو أن تأسيس جيش وطني محترف يتطلب موارد كبيرة، تبدأ بإنشاء مدارس ومعاهد وأكاديميات عسكرية لتدريب الضباط والمقاتلين، وتمتد إلى إعداد فرق وفِرَق قادرة على قيادة عمليات داخلية وخارجية.
وأوضح النشو أن إعداد الجندي المحترف لا يقتصر على التدريب البدني، بل يشمل التأهيل الجسدي والنفسي والمناورات التكتيكية التي تمكّنه من التعامل مع مختلف السيناريوهات العسكرية، من العمليات الهجومية والدفاعية إلى القتال أثناء الانسحاب. وشدد على ضرورة إبعاد المؤسسة العسكرية عن الصراعات الحزبية والسياسية، ومكافحة الفساد والمحسوبية، وإبعاد غير المؤهلين، لا سيما ضباط الدمج.
كما دعا إلى منح التشكيلات العسكرية صلاحيات مباشرة لمواجهة أي تهديد حدودي دون تدخل من “الفصائل المسلحة”، وإنشاء مجلس عسكري من قادة وضباط سابقين للإشراف على تطوير القدرات القتالية والتنظيمية والمعنوية، إلى جانب إرسال كوادر للتدريب داخل العراق وخارجه، خصوصاً في دول ذات خبرة عسكرية متقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا.
فجوات الدفاع الجوي وسؤال السيادة
يتفق الخبيران على أن تطوير القوة الجوية أصبح عاملاً حاسماً في حماية العراق. وبين أغسطس/آب 2024 وأكتوبر/تشرين الأول 2025، تسلم الجيش العراقي 15 طائرة تدريب من طراز “بيل 505” أمريكية الصنع، إضافة إلى مروحيات “كاراكال” فرنسية مخصصة لمهام البحث والإنقاذ والنقل الجوي والإسناد الأرضي.
وتمثل هذه الطائرات نقلة نوعية في التدريب وتأهيل الطيارين، فضلاً عن تعزيز الإسناد الناري للقوات البرية. كما يستعد العراق لاستلام منظومة الدفاع الجوي الكورية الجنوبية “إم-سام” خلال فبراير/شباط الجاري لحماية حدوده من أي خروقات جوية محتملة.
غير أن كثيراً من الخبراء يرون أن ذلك غير كافٍ، إذ يفتقر العراق حالياً إلى منظومات دفاع جوي شاملة، وأنظمة صواريخ متقدمة، وأنظمة إنذار مبكر ومراقبة جوية، وقدرات دفاع جوي أرضية متكاملة، وهي عناصر أساسية لمواجهة التهديدات الخارجية. كما تحتاج المؤسسة العسكرية إلى تكامل وظيفي أكبر على المستوى العملياتي، وهو ما ظهر في حروب إقليمية حديثة حين لم يتمكن العراق من فرض موقفه السياسي الرافض لاستخدام أجوائه في هجمات على إيران، وهو سيناريو قد يتكرر في حال اندلاع مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وطهران من جهة أخرى.
من جانبه، أكد الخبير العسكري عدنان الكناني أن العراق يمتلك حالياً قدرات جوية متقدمة تشمل طائرات مقاتلة وطائرات مسيرة وصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، ومنظومات دفاع جوي لحماية الحدود، إضافة إلى تصنيع عسكري محلي لتأمين الأسلحة والمعدات في حال العدوان أو صعوبات الاستيراد، وقوات برية متنوعة تشمل القوات الخاصة والمشاة والمشاة الآلية والدروع والمدفعية، فضلاً عن قدرات الحرب الإلكترونية.
وشدد الكناني على أهمية وجود قيادة وطنية كفؤة لإدارة التدريب والتسليح وتنفيذ العمليات، محذراً من أن “وجود قيادات غير مؤهلة يشكل تهديداً لقدرة الجيش على حماية الدولة”.
ويبدو أن ثمة حاجة ملحة لوضع استراتيجية أمن قومي عراقية تأخذ في الحسبان متطلبات المرحلة المقبلة. فتهديد تنظيم داعش لا يزال قائماً، فيما تثير الهيمنة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، بما في ذلك استخدام الأجواء العراقية، مخاوف متزايدة. كما أن التطورات العسكرية لدى دول الجوار مثل تركيا وإيران والسعودية تفرض تسريع وتيرة التطوير العسكري لحماية الموقف السياسي العراقي.
هذا الواقع العراقي ليس خافياً على واشنطن، غير أن التحدي الأكبر يكمن في إقناعها بالمساعدة في تلبية هذه الاحتياجات وتعزيز البنية العسكرية العراقية في ظل قيود وتحفظات أمريكية يصعب أن تتراجع عن ضمان تفوق إسرائيل من جهة، وإضعاف طهران وحلفائها من جهة أخرى، وهي معادلة لا تزال تستنزف العراق ومساعيه للتقدم على أكثر من صعيد.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments