00:00:00
توقيت بغداد
2026فبراير24
الثلاثاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

مركز أوراسيا ريفيو

اليمن وأمن البحر الأحمر: تحولات الصراع وتداعياته على السياسة الأميركية (2015–2026)

تشكل اليمن منذ أكثر من عقد إحدى أبرز ساحات التفاعل بين الصراعات الداخلية والتنافسات الإقليمية والدولية، نظراً لموقعها الجيوسياسي المشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية وأكثرها حيوية لحركة التجارة الدولية وأمن الطاقة. وقد أدى تداخل العوامل المحلية مع التدخلات الخارجية إلى تحويل النزاع اليمني من حرب أهلية تقليدية إلى أزمة أمن إقليمي مركّبة تمس أمن البحر الأحمر وتوازنات القوى في الشرق الأوسط، وتفرض نفسها على أجندة السياسة الأميركية بصورة متجددة.

بدأت المرحلة الراهنة من الصراع اليمني عام 2015، عندما سيطرت جماعة الحوثي (أنصار الله) على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال وغرب البلاد، ما دفع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى طلب دعم عسكري خارجي. تدخل تحالف بقيادة السعودية عسكرياً في مارس من العام ذاته، لتتحول اليمن إلى ساحة صراع بالوكالة بين الرياض وطهران، في ظل دعم إيراني متزايد للحوثيين عسكرياً وتقنياً. ومع مرور الوقت، تعمقت الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وبرز المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة انفصالية مدعومة إماراتياً، الأمر الذي أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد السياسي والعسكري.

منذ هدنة عام 2022، تراجعت حدة المواجهات البرية الواسعة، إلا أن غياب تسوية سياسية شاملة أبقى خطوط التماس مجمدة دون معالجة جذرية لأسباب النزاع. وفي أواخر 2025، شهد المعسكر الحكومي إعادة ترتيب عميقة بعد تدخل سعودي ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، ما أدى إلى حلّه وإعادة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وتعزيز موقع السعودية بوصفها الراعي الأمني والسياسي الرئيسي للحكومة اليمنية. ورغم هذه التحولات، بقيت جماعة الحوثي القوة المهيمنة في شمال غرب اليمن، مع استمرارها في تعزيز قدراتها العسكرية والصاروخية.

التحول الأهم في مسار الصراع تمثل في انتقاله إلى المجال البحري منذ أكتوبر 2023، حين بدأت جماعة الحوثي تنفيذ هجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وربطت هذه العمليات بالحرب في غزة. هذا التطور نقل اليمن من هامش الاهتمام الدولي إلى صدارة النقاشات المتعلقة بأمن الملاحة الدولية، إذ تعرضت خطوط التجارة لضغوط متزايدة، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن، وأعيد نشر أصول عسكرية غربية في المنطقة لضمان حرية الملاحة. كما شنت الجماعة هجمات بعيدة المدى على أهداف داخل إسرائيل، ما منحها بعداً إقليمياً يتجاوز حدود النزاع الداخلي.

في هذا السياق، أعادت الولايات المتحدة صياغة مقاربتها تجاه اليمن. فبعد سنوات من تقليص الانخراط المباشر، وسّعت واشنطن عملياتها العسكرية ضد الحوثيين في ربيع 2025 بهدف ردع الهجمات البحرية. كما أعادت تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية، وفعّلت أدوات العقوبات الاقتصادية، ودفعت باتجاه مقاربة دولية في مجلس الأمن تركز على حرمان الحوثيين من الموارد العسكرية والمالية. غير أن هذه السياسة سعت في الوقت ذاته إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة مع إيران، إدراكاً لحساسية التوازنات الإقليمية واتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط.

تعكس هذه التطورات تحوّلاً في طبيعة التهديد الذي يمثله الحوثيون. فالجماعة لم تعد مجرد فاعل محلي ينازع السلطة في صنعاء، بل أصبحت لاعباً يمتلك قدرات تؤثر في معادلة الردع البحري والإقليمي.

الدعم الخارجي، وتراكم الخبرة القتالية، وتطوير منظومات الطائرات المسيّرة والصواريخ، كلها عناصر عززت من قدرتها على فرض معادلات ردع غير متماثلة في البحر الأحمر. هذا التحول يضع اليمن ضمن ما يمكن وصفه بمركّب أمن البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية في مساحة جغرافية ضيقة ولكن شديدة الحساسية.

في المقابل، يظل البعد الإنساني أحد أكثر أوجه الأزمة مأساوية. فاليمن، الذي كان أصلاً من أفقر الدول العربية، يعاني من انهيار اقتصادي واسع النطاق، ونقص حاد في التمويل الإنساني، وقيود على وصول المساعدات، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ورغم انخفاض وتيرة المعارك الكبرى منذ 2022، فإن البنية التحتية المتضررة، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار الانقسام المؤسسي، كلها عوامل تُبقي الأزمة الإنسانية في مستوى حرج. إن استمرار التدهور الإنساني لا يمثل فقط مأساة اجتماعية، بل يشكل أيضاً عاملاً مفاقماً لعدم الاستقرار، ويوفر بيئة ملائمة لنشاط الجماعات المتطرفة.

 

على المستوى الاستراتيجي، يمكن قراءة المشهد اليمني ضمن إطار أوسع من التنافس الإقليمي بين السعودية وإيران، حيث يمثل اليمن إحدى ساحات اختبار النفوذ. كما يرتبط الملف اليمني بحسابات الردع الأميركية تجاه إيران، خاصة في ظل تداخل مسارات التوتر الإقليمي من غزة إلى البحر الأحمر. هذا الترابط يجعل من أي تصعيد في إحدى الساحات عاملاً محتملاً لإعادة إشعال الجبهات الأخرى، ويعزز من هشاشة الاستقرار النسبي القائم.

تبدو السيناريوهات المستقبلية مفتوحة على احتمالات متعددة. فقد يستمر الجمود العسكري الداخلي مع تصعيد بحري متقطع يهدف إلى تحسين شروط التفاوض. وقد يؤدي اتساع المواجهة الإقليمية إلى انخراط أعمق للقوى الدولية، بما يرفع مخاطر الانزلاق إلى صراع أوسع. أما السيناريو الأقل كلفة، فيتمثل في تسوية سياسية تدريجية، تتطلب توافقاً إقليمياً وضمانات أمنية متبادلة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية على أسس شراكة أكثر شمولاً.

خلاصة القول إن اليمن لم يعد مجرد نزاع داخلي معزول، بل تحول إلى محور تفاعل بين أمن الملاحة الدولية، والتنافس الإقليمي، واستراتيجيات الردع الكبرى. إن أي مقاربة تركز على الأداة العسكرية وحدها لن تكون كافية لضمان استقرار طويل الأمد، ما لم تُدمج ضمن رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة السياسية والاقتصادية، وتدعم مساراً تفاوضياً قابلاً للاستدامة. فاستقرار اليمن بات شرطاً ضرورياً لاستقرار البحر الأحمر، وأحد المفاتيح الأساسية لفهم ديناميات الأمن في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

Comments