00:00:00
توقيت بغداد
2026فبراير28
السبت
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: سلطان الأمير - عضو هيئة تحرير في مجلة ألفيراتز - ترجمة: فيصل عبد اللطيف

السعودية ونهاية عصر التدخلات الخارجية

في عام 2018، وصف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجماعة الإخوان المسلمين والمنظمات الجهادية (مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية) بأنها محور الشر. في ذلك الوقت، كانت السعودية تخوض حربًا بالوكالة ضد إيران في اليمن، ولم تكن تربطها علاقات دبلوماسية بقطر، وكانت منخرطة بشكل غير رسمي في مقاطعة اقتصادية لتركيا بدعوى دعمها للجماعات الإسلامية.

بعد خمس سنوات، أعلنت السعودية انسحابًا أحاديًا من اليمن، وطبعت العلاقات مع إيران، وساهمت في التوصل إلى وقف إطلاق النار في السودان من خلال دعم الجيش السوداني المتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين. وبعد عام من ذلك، أعلنت الرياض دعمها للقيادة الجديدة لأحمد الشرع في سوريا، على الرغم من خلفيته كزعيم لهيئة تحرير الشام، وهي جماعة جهادية انشقت عن تنظيم القاعدة.

في غضون ذلك، تتسع الفجوة بين الرياض وتحالف تقوده الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. ويتجاوز هذا الأمر حرب إسرائيل على غزة؛ ويمكن ملاحظة ذلك في التصعيدات الأخيرة في اليمن، حيث دعمت الإمارات العربية المتحدة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي أثناء انتقاله إلى منطقة حضرموت، وكذلك في اعتراف إسرائيل بصوماليلاند كدولة مستقلة عن الصومال، الحليف السعودي.

مع ذلك، لا يُمكن تفسير هذه الأحداث على أفضل وجه باعتبارها جزءًا من تحوّل سعودي نحو الإسلام السياسي، كما يرى بعض المراقبين. بل ينبغي النظر إليها كدليل على تغيّر في البيئة الاستراتيجية، إقليميًا وفي الرياض على حد سواء. فمنذ عام 2019، حين دمّر هجوم إيراني على منشآت تكرير النفط في شرق السعودية نصف إنتاج البلاد النفطي، انتهجت المملكة سياسة "عدم الصدام" القائمة على الحياد والتوفيق. ولعلّ هذه السياسة هي التي قادت المملكة، على نحوٍ مُفارق، إلى مواجهات مع التحالف الإماراتي الإسرائيلي.

منذ ستينيات القرن الماضي، مرّت السياسة الإقليمية السعودية بثلاث مراحل رئيسية. ففي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، تطوّرت هذه السياسة لملء الفراغ الذي خلّفه الانسحاب البريطاني من محمياتها شرق السويس عام 1968، وارتكزت في المقام الأول على إدارة التهديدات. وأصبح الإشراف على الترتيبات الأمنية التي كانت تتولاها المملكة المتحدة سابقًا يجري من قبل دول الاقليم. قبل عام 1968، كانت أهمّ مخاوف المملكة العربية السعودية تتمثل في مصر في عهد جمال عبد الناصر، وإسرائيل، والحرب الأهلية في شمال اليمن بين الملكيين والجمهوريين. وما إن غادر البريطانيون حتى برزت تهديدات جديدة. فقد تنافست إيران والعراق على الهيمنة على الخليج. وأصبح جنوب شبه الجزيرة مصدرًا لعدم الاستقرار، بدءًا من التحول الماركسي في جنوب اليمن وصولًا إلى تمرد ظفار ضد النفوذ البريطاني في عُمان. وخشيت الرياض من انهيار النظام السياسي على حدودها فجأةً ودون سابق إنذار.

لمواجهة هذه التحديات، وضعت المملكة العربية السعودية سياسة إقليمية استمرت حتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حين بدأت مرحلة ثانية. لم تكن هذه السياسة استراتيجية مدروسة طويلة الأمد، بل استجابةً ظرفية لسلسلة من الأحداث الحاسمة خلال أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.

اتسمت سياسة هذه الفترة السابقة بأربعة أبعاد. أولها يتعلق بالسياسة العربية، بما في ذلك الوضع المتوتر مع إسرائيل. ففي قمة الخرطوم العربية عام 1976، التي اشتهرت (أو ربما اشتهرت) بـ"اللاءات الثلاث" بشأن إسرائيل - "لا مصالحة، لا اعتراف، لا تفاوض" - توصل الملك فيصل بن عبد الناصر إلى تسوية أنهت صراعهما غير المباشر في اليمن. كما اتفقا على تقديم مساعدات مالية سنوية من السعودية والكويت وليبيا لتمكين مصر من إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد حرب 1976مع إسرائيل.

تغير الوضع بعد وفاة جمال عبد الناصر وصعود أنور السادات في مصر وحافظ الأسد في سوريا، حيث برز مثلث سعودي-مصري-سوري. وقف هذا المثلث "المحافظ"، بتعبير أدق، في مواجهة مجموعة من الدول العربية "المتطرفة"، بما فيها ليبيا بقيادة معمر القذافي، والعراق البعثي، والجزائر بقيادة هواري بومدين، وجنوب اليمن، التي تبنت سياسات عدائية تجاه الملكية والوحدة العربية والعلاقات مع الكتلة الغربية وإسرائيل. خلال سبعينيات القرن الماضي، حدد هذا المثلث الأجندة العربية في قضايا تراوحت بين حرب 1973 وسياسات النفط والتنسيق خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

بعد توقيع مصر على اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978، وثورة 1979 في إيران التي أطاحت بالشاه، ضعفت العلاقات التي كانت تدعم هذه الهيمنة المحافظة. نظم العراق بقيادة صدام حسين مقاطعة عربية لمصر بسبب توقيعها على الاتفاقيات، وانضمت إليها السعودية. خلال الحرب العراقية الإيرانية، تحالفت سوريا مع إيران، بينما دعمت السعودية العراق. إلا أنه في تسعينيات القرن الماضي، مكّن غزو العراق للكويت، إلى جانب انهيار حليفه القوي الاتحاد السوفيتي، المثلث من استعادة قوته. أُعيد دمج مصر، وأحكمت سوريا سيطرتها على لبنان. كما ضعفت دول عربية متطرفة أخرى: فُرض عقوبات على ليبيا، وغرقت الجزائر في حرب أهلية.

تمثّل البُعد الثاني للسياسة الإقليمية للمملكة العربية السعودية في علاقتها مع الولايات المتحدة. فمنذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل سبعينيات القرن الماضي، ارتكزت هذه العلاقة على النفط. إذ مارست شركة أرامكو، عملاق النفط الأمريكي، نفوذاً كبيراً في واشنطن. وفي الوقت نفسه، اعتمدت الولايات المتحدة على النفط السعودي لتنفيذ خطة مارشال، برنامجها لإعادة إحياء أوروبا ما بعد الحرب. ولحماية استثماراتها النفطية الحيوية من السعودية - التي كانت آنذاك دولة حديثة النشأة ذات بنية تحتية محدودة - قدّمت الولايات المتحدة مساعدات اقتصادية وتقنية وعسكرية وتعليمية.

وحتى اندلاع حرب 1973 والحصار الذي فرضته الدول العربية الأعضاء في منظمة أوبك على الدول التي زوّدت الجيش الإسرائيلي بالنفط، اعتمدت الولايات المتحدة على دول غير عربية أخرى لتنسيق سياساتها وحماية مصالحها في الشرق الأوسط. وشمل ذلك المملكة المتحدة في الخليج، وإيران في عهد الشاه، وإسرائيل بدرجة أقل. بالنسبة للسعودية، مثّلت الخلافات السياسية الإقليمية حول القضية الفلسطينية، والتي أشعلت فتيل ثلاث حروب إقليمية خلال تلك الفترة، مصدر توتر مستمر.

أجبر الحظر النفطي السعودي عام ١٩٧٣، الذي تزامن مع الحرب العربية الإسرائيلية، كلا الجانبين على مواجهة حقيقة أن النفط والسياسة الإقليمية لا ينفصلان. ارتفعت الأسعار بشكل حاد، وتكبّدت الولايات المتحدة ضربة اقتصادية هائلة جعلت من المستحيل الاستمرار في التعامل مع العلاقة مع السعودية كترتيب تكنوقراطي هادئ. بعد سبعينيات القرن الماضي، لم تعد العلاقة السعودية الأمريكية مجرد تبادل تجاري بحت للمال مقابل النفط، بل تطورت تدريجيًا إلى علاقة استراتيجية أكثر، تقوم على حماية المصالح المشتركة.

ومن بين جوانب هذا التطور تعزيز الروابط الاقتصادية والترابط المتبادل. شُجعت المملكة العربية السعودية على استيراد السلع والخدمات الأمريكية واستثمار فوائضها النفطية الضخمة في الولايات المتحدة. وكان هذا هو الهدف من المحادثات الأولية التي عُقدت في مارس 1974 بين هنري كيسنجر والأمير فهد، نائب رئيس الوزراء آنذاك، والتي مهدت الطريق لزيارة ريتشارد نيكسون إلى المملكة العربية السعودية في يوليو 1974، وهي أول زيارة لرئيس أمريكي في منصبه. ونتيجةً لهذا الترتيب، تم استقدام مئات الخبراء الأمريكيين إلى المملكة العربية السعودية لمساعدة الوزراء وصناع القرار في إدارة التنمية والتحديث، وتسهيل التعاون بين القطاع الخاص الأمريكي والحكومة السعودية. وشملت النتائج الأخرى إعادة تدوير عائدات النفط السعودية في السندات والأسواق الأمريكية، مما ساهم في استقرار الدولار وتمويل العجز الأمريكي، بالإضافة إلى زيادة صفقات الأسلحة.

جانب آخر من العلاقة تمحور حول تنسيق السياسات الإقليمية. عندما تولى نيكسون الرئاسة عام ١٩٦٩، استمر في سياسة عدم استبدال الهيمنة البريطانية في الخليج، لكنه أعاد صياغتها كجزء من استراتيجية جديدة للحرب الباردة. فبدلاً من التدخلات المباشرة والمكلفة في مناطق متعددة، ستدعم الولايات المتحدة القوى الإقليمية الحليفة. وكلف نيكسون كيسنجر، مستشاره للأمن القومي آنذاك (ووزير خارجيته لاحقاً)، بترجمة هذه الرؤية إلى سياسة في المنطقة. وفي عام ١٩٧٠، وُلدت سياسة "الركيزتين التوأمين". وقد تصورت هذه السياسة إيران كقوة استقرار رئيسية، مع تقديم الدعم للتعاون السعودي الإيراني وإقامة علاقات دبلوماسية مع الدول المستقلة حديثاً في الخليج بعد الانسحاب البريطاني، إلى جانب تقديم المساعدة التعليمية والتقنية.

استمرت هذه السياسة حتى اندلاع ثورة ١٩٧٩ في إيران، مما دفع الرئيس جيمي كارتر إلى تبني سياسة التدخل المباشر في الخليج. وأدى ذلك إلى زيادة التنسيق الإقليمي السعودي الأمريكي خلال رئاسة رونالد ريغان. خلال هذه الفترة، دعمت الدولتان العراق في حربه ضد إيران، ونسقتا تمويل وتسليح المقاتلين الأفغان ضد السوفييت.

بعد غزو العراق للكويت عام ١٩٩٠، أصبح هذا البُعد الأمني أكثر مباشرة ورسوخاً مؤسسياً، إذ ترسخت القوات والمنشآت الأمريكية في منطقة الخليج.

كان البُعد الثالث لسياسة المملكة العربية السعودية الإقليمية هو تحقيق التوازن بين إيران والعراق بطريقة تمنع أيًا منهما من الهيمنة على منطقة الخليج. ومع اتضاح عدم قدرة الولايات المتحدة على ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب البريطاني، برز نظام متعدد الأقطاب في الخليج، حيث كانت إيران والعراق المتنافسين الرئيسيين. أما المملكة العربية السعودية، الأضعف عسكريًا والأصغر ديموغرافيًا بين الدول الثلاث، فقد لعبت دورًا محدودًا. وإدراكًا لهذه القيود، التي حالت دون أي مسعى سعودي للهيمنة الإقليمية، حصرت الرياض سياستها في هدف أكثر تواضعًا يتمثل في منع العراق أو إيران من احتكار المنطقة. وحتى سقوط الشاه عام ١٩٧٩، كانت المملكة أقرب إلى إيران، الحليف الرئيسي لواشنطن في الخليج. ثم اتجهت السعودية نحو العراق في ثمانينيات القرن الماضي لكبح جماح إيران، ثم عادت إلى نهجها المعهود عندما تغير ميزان القوى بعد عام ١٩٩٠.

وكان البُعد الأخير لسياسة السعودية الإقليمية قبل الغزو الأمريكي للعراق هو سعيها الدؤوب لفرض هيمنتها على شبه الجزيرة العربية. وقد شمل ذلك منع أي منافس خارجي من ترسيخ وجوده، وضمان عدم قدرة أي دولة أخرى في شبه الجزيرة على تهديد الهيمنة السعودية.

وفي شرق شبه الجزيرة العربية، تجلى ذلك من خلال دعم السعودية لاستقلال الإمارات التي أصبحت فيما بعد الإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر وعُمان. وفي هذا السياق، عارضت السعودية محاولة شاه إيران بسط نفوذها على البحرين. كما سعت المملكة إلى إقامة اتحاد فيدرالي يضم الإمارات التسع، بما فيها قطر والبحرين، ضمن دولة فيدرالية واحدة. من جهة أخرى، كان الملك فيصل يخشى تكرار فشل اتحاد سلطنات جنوب الجزيرة العربية، الذي انتهى بظهور دولة شيوعية. من ناحية أخرى، كان حريصاً على ضم قطر والبحرين إلى الاتحاد للحد من نفوذ أبو ظبي، نظراً للنزاع الحدودي الطويل الأمد بين المملكة العربية السعودية وأبو ظبي حول واحة البريمي.

لكن الأحداث سارت على نحو مختلف. ففي النصف الثاني من عام ١٩٧١، أعلنت البحرين وقطر استقلالهما، بينما شكلت ست إمارات، بقيادة دبي وأبوظبي، دولة الإمارات العربية المتحدة، التي انضمت إليها لاحقًا رأس الخيمة. ولم تعترف السعودية بدولة الإمارات إلا بعد حل نزاعها الحدودي مع أبو ظبي عام ١٩٧٤. وفي عام ١٩٨١، عقب سقوط الشاه في إيران والحرب العراقية الإيرانية اللاحقة، تقاربت السعودية والإمارات مع البحرين وقطر وعُمان والكويت، حيث أسسوا معًا مجلس التعاون الخليجي.

إلا أن الغزو العراقي للكويت أضعف المجلس ونفوذ السعودية على أعضائه. ورغم نجاح المجلس إلى حد كبير في حماية أعضائه من آثار الحرب العراقية الإيرانية، إلا أن فشله في منع أو عكس الاحتلال العراقي للكويت دفع الدول الأعضاء إلى الدخول في ترتيبات أمنية وعسكرية أحادية الجانب مع الولايات المتحدة.

وقد أتاحت هذه الترتيبات لدول الخليج الأخرى مجالًا لاتباع سياسات خارجية تتسم باستقلال متزايد عن السعودية، بل وتوتر في بعض الأحيان معها. عقب انقلاب القصر الأبيض في قطر عام ١٩٩٥، رسم الأمير حمد بن خليفة مساراً لقطر قائماً على القوة الناعمة، من خلال قناة الجزيرة من جهة، وتطوير شبكة علاقات واسعة مكّنتها من لعب دور الوساطة في النزاعات الإقليمية والدولية من جهة أخرى.

في المقابل، سلكت الإمارات العربية المتحدة مساراً أكثر استقلالية، نظراً لنظامها الاتحادي. وقد أدى تعيين محمد بن زايد رئيساً لأركان القوات المسلحة عام ١٩٩٣ إلى تحول تدريجي نحو الاستثمار في القوة الصلبة والقدرات العسكرية لتعزيز سياسة خارجية مستقلة. وفي الوقت نفسه، دفعها محدودية ثروتها النفطية إلى ترسيخ مكانتها كمركز لرأس المال والسياحة والتجارة.

في اليمن، لم يرتكز النفوذ السعودي على التحالفات الرسمية بقدر ما ارتكز على النفوذ الاقتصادي والرعاية. ازداد عدد العمال اليمنيين في السعودية بشكل ملحوظ، وأصبحت التحويلات المالية ركيزة أساسية للاقتصاد اليمني، لدرجة أن القرارات السعودية كانت تُحدث صدمات اقتصادية فورية عبر الحدود. كما عززت الرياض علاقاتها داخل اليمن من خلال الرواتب والعلاقات مع الشخصيات القبلية والسياسية، مما خلق بنية من التبعية موازية للدولة الرسمية.

عندما انحرفت السياسة اليمنية عن التوجهات السعودية عام ١٩٩٠، كان الأثر الدبلوماسي والاقتصادي بالغًا. فعندما رفض رئيس اليمن الموحد حديثًا، علي عبد الله صالح، إدانة الغزو العراقي للكويت، ردت السعودية بإلغاء الإعفاء من التأشيرة الذي كان يتمتع به اليمنيون منذ عام ١٩٣٤، وترحيل نحو ٨٠٠ ألف يمني دفعة واحدة. جعل هذا التطور النفط، الذي اكتُشف في المناطق الجنوبية من اليمن في منتصف الثمانينيات وكان تحت سيطرة صالح وحلفائه، المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومة الجديدة.

إلى جانب سوء إدارة عملية دمج البيروقراطيتين الحكوميتين السابقتين، أدى ذلك إلى تصاعد التوترات بين النخب اليمنية الشمالية والجنوبية، ما دفع الجنوبيين للمطالبة بإجراء انتخابات. لم تُفلح الانتخابات في رأب الصدع، وانزلقت البلاد تدريجيًا إلى حرب أهلية عقب إعلان قيادة الحزب الاشتراكي الانفصال عام ١٩٩٤. ورغم أن الحرب لم تدم سوى ٧٠ يومًا وانتهت بانتصار صالح، إلا أنها عجّلت بتدهور اليمن بطرق غذّت لاحقًا ظهور قوى مسلحة جديدة على حدود السعودية.

انهارت هذه السياسة الإقليمية السعودية بعد غزو الولايات المتحدة للعراق عام ٢٠٠٣. أدت حرب العراق إلى تحول دور أمريكا في المنطقة من مجرد الحفاظ على الوضع الراهن، الذي كانت السعودية من أكبر المستفيدين منه، إلى تغيير جذري في الخطاب السائد حول كيفية ضمان نظام إقليمي مستدام. فقد عبّر خطاب "الحرية" و"الديمقراطية" عن خلافات جوهرية حول كيفية ضمان نظام إقليمي مستدام. وفي خطاب ألقاه الرئيس جورج دبليو بوش في نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٠٣، قال: "لم تُسهم ستون عامًا من تبرير الدول الغربية لغياب الحرية في الشرق الأوسط وتغاضيها عنه في تحقيق أمننا، لأن الاستقرار على المدى البعيد لا يُمكن شراؤه على حساب الحرية".

 

كانت هذه بداية تباعد تدريجي، ولكنه واضح، بين صناع القرار في السعودية والولايات المتحدة حول أفضل السبل للحفاظ على مصالحهم المشتركة. وقد تفاقم هذا التباعد بسبب سوء إدارة الولايات المتحدة للعراق في مرحلة ما بعد صدام. أدت الحرب أيضًا إلى زيادة العداء الشعبي تجاه القوات الأمريكية المتمركزة في السعودية، ما دفع الولايات المتحدة إلى نقل قاعدة عسكرية من الرياض إلى قاعدة العديد في قطر.

إضافةً إلى تعقيد الشراكة السعودية الأمريكية، حوّلت الحرب العراق من قوة إقليمية مؤثرة إلى ساحة تنافس متجدد بين السعودية وإيران. في البداية، خشيت إيران من أن تصبح أمريكا جارتها الجديدة في أفغانستان والعراق. وجرت محاولة وجيزة، لكنها باءت بالفشل في نهاية المطاف، للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.

لكن سرعان ما تبنت إيران موقفًا هجوميًا في مناطق متعددة. فبعد عام ٢٠٠٥، نجحت في بسط سيطرتها على العراق ودعمت المتمردين ضد الولايات المتحدة هناك. في سوريا، تحولت علاقة إيران بالبلاد من شراكة إلى هيمنة، لا سيما في السنوات التي أعقبت انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه بشار عام 2000. وفي لبنان، تزامن تعزيز النفوذ الإيراني مع تراجع النفوذ السعودي والسوريّ، وتسارع هذا التعزيز باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، عام 2005، وما ترتب عليه من طرد سوريا من لبنان. وعندما عجزت السعودية عن إيجاد بديلٍ مناسبٍ للحريري، ملأ حزب الله، حليف إيران، الفراغ السياسي تدريجيًا.

وأخيرًا، ساهمت الحرب في العراق، بشكل غير مباشر، في تقليص الهيمنة السعودية في شبه الجزيرة العربية. ودفعت هذه الحرب قطر إلى التحول كلاعب إقليمي مهم ذي أولويات مستقلة: فقد حلت قطر محل السعودية في استضافة مركز العمليات الجوية المشتركة الأمريكي؛ ومكّنها تغطية قناة الجزيرة للحرب العراقية والانتفاضة الثانية من الهيمنة على المشهد الإعلامي العربي. ولعبت دوراً رئيسياً في التوسط في الاتفاقات، مثل الاتفاق بين الفصائل اللبنانية في عام 2008 الذي أنهى بنجاح اعتصاماً دام 18 شهراً من قبل المعارضة التي يقودها حزب الله.

أدى التراجع المستمر في قدرات الدولة اليمنية إلى ظهور تحديات مختلفة زادت من تآكل الترتيبات الحساسة التي وضعتها السعودية لاحتواء جارتها الجنوبية. كان من بين هذه التحديات حركة الحوثيين الزيدية الإسلامية، التي سيطرت على صعدة في شمال البلاد، وخاضت ست حروب ضد نظام صالح بين عامي 2004 و2010. كما برزت حركة الحراك الانفصالية الجنوبية. وأخيرًا، بعد هزيمة فرع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في السعودية، انتقل العديد من أعضائه المتبقين إلى اليمن، مستغلين ضعفه المؤسسي. تزامن صعود هذه التهديدات مع تفكك شبكات المحسوبية السعودية داخل اليمن عقب وفاة الزعيم القبلي القوي عبد الله الأحمر عام 2007، وتدهور صحة ولي العهد الأمير سلطان، الذي كان مسؤولاً عن هذه الشبكة.

وأمام هذه التطورات، بدأت الحكومة السعودية تدريجيًا في تبني سياسة إقليمية أكثر حزمًا وتدخلاً. ظهرت أولى بوادر هذه السياسة الجديدة في القمة العربية عام 2007 في الرياض، حين أعلن الملك عبد الله أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق "احتلال غير شرعي"، ودعا إلى "بداية عربية جديدة". وتصاعدت هذه السياسة بين عامي 2007 و2019 مع اتساع رقعة التنافس الإقليمي، مدفوعةً بالثورات والحروب الأهلية المتصاعدة، وتنامي النفوذ الإيراني، وصعود المحور التركي القطري، وانتشار الجماعات الجهادية، وتزايد مركزية صنع القرار الداخلي.

وتجلّى تصاعد التدخل السعودي على ثلاث مراحل. في المرحلة الأولى (2007-2011)، كان التنافس لا يزال محصوراً في عدد محدود من الجبهات، واستثمرت الرياض بكثافة في الفصائل المناهضة لإيران. ففي العراق ولبنان، دعمت السعودية تحالف 14 آذار المناهض لحزب الله في الانتخابات اللبنانية عام 2009، وائتلاف "العراقية" بزعامة رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي في الانتخابات العراقية عام 2010. فاز كلا التحالفين في هذه الانتخابات، لكن خصومهما نجحوا في تقويض انتصاراتهما. ففي العراق، أعادت المحكمة العليا تفسير الدستور للسماح للتحالفين الثاني والثالث الأكبر حجماً بالاندماج بعد الانتخابات والفوز بالأغلبية. أما في لبنان، فقد أدت الاستقالات في يناير/كانون الثاني 2011 إلى انهيار حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري، ومهدت الطريق لظهور حكومة يهيمن عليها حزب الله.

في المرحلة الثانية (2011-2015)، اتسمت السياسة السعودية بطابع أكثر حزمًا وتدخلًا نتيجةً للانتفاضات العربية، التي حوّلت دولًا إقليمية، من بينها سوريا ومصر وليبيا والبحرين، إلى ساحات تنافس إقليمي. كما أدت هذه الانتفاضات إلى ظهور محور تركي قطري-إنجليزي جديد، سرعان ما شكّل تحديًا لكل من السعودية وإيران على النفوذ الإقليمي. وفي نهاية المطاف، أدّى تعامل الرئيس باراك أوباما مع الانتفاضات، إلى جانب سعيه الحثيث لإبرام الاتفاق النووي الإيراني، إلى تعميق الخلاف مع السعودية حول الأولويات الإقليمية. ورغم رفض أوباما للنهج التدخلي المحافظ الجديد لإدارة بوش، إلا أنه بدا أقل التزامًا بحماية حلفاء أمريكا الإقليميين ومصالحهم الجوهرية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في دعمه لاستقالة الرئيس المصري حسني مبارك في مواجهة الاحتجاجات، وإصراره على التوصل إلى اتفاق دبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وأمام هذه التهديدات، تحالفت الرياض مع الإمارات العربية المتحدة، التي باتت أكثر تدخلًا ومعاداةً للإسلاميين، لمواجهة خصومها الإقليميين. بعد وفاة الشيخ زايد آل نهيان عام ٢٠٠٤، تولى ابنه خليفة إمارة أبو ظبي ورئاسة دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما أصبح ابنه محمد ولياً للعهد. وواصل محمد تعزيز مركزية الجيش وجوانب أخرى من السلطة. وعندما أثرت الأزمة المالية العالمية في الفترة ٢٠٠٨-٢٠٠٩ بشدة على دبي، قدمت أبو ظبي حزمة إنقاذ بقيمة ١٠ مليارات دولار، وهي خطوة عززت فعلياً هيمنتها على الحكومة الاتحادية لدولة الإمارات. وعندما عززت انتفاضات الربيع العربي الحركات الإسلامية المتحالفة مع قطر وتركيا، اتخذت الإمارات على عاتقها قيادة حملة إقليمية ضد الإسلام السياسي.

وكان رد السعودية على الربيع العربي أقل أيديولوجية من النهج الإماراتي. فقد تدخلت عسكرياً إلى جانب حكومة البحرين، وفي اليمن، توسطت في اتفاق لانتقال سلمي للسلطة مقابل حصانة كاملة للنظام السابق. أما خارج شبه الجزيرة العربية، فكانت السياسة السعودية أقل تدخلاً، لكنها ظلت حازمة. في عام ٢٠١٣، دعمت السعودية انقلابًا عسكريًا ضد الرئيس المصري المنتخب ديمقراطيًا محمد مرسي، وساندت فصائل المعارضة السورية المختلفة ضد نظام الأسد، وأيدت قرار مجلس الأمن الدولي رقم ١٩٧٣، الذي شكّل أساس تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا.

وشهدت الفترة بين عامي ٢٠١٥ و٢٠١٩ ذروة التدخل السعودي، الذي شمل مواجهة كل من المحور الإيراني والمحور التركي القطري. وتزامن ذلك مع وفاة الملك عبد الله وصعود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي عزز سلطته. وخلال هذه الفترة، اتسع نطاق المحور السعودي الإماراتي ليشمل مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي. وفي مارس ٢٠١٥، قادت السعودية تحالفًا عسكريًا عربيًا ردًا على انقلاب الحوثيين في اليمن. وبدءًا من عام ٢٠١٤، دعمت الإمارات ومصر (حليفتا السعودية) خليفة حفتر في الحرب الأهلية الليبية الثانية ضد حكومة الوفاق الوطني، المدعومة من المحور التركي القطري. في يناير/كانون الثاني 2016، قطعت السعودية جميع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران على خلفية حادثة عنف جماعي في السفارة السعودية بطهران. وفي يونيو/حزيران 2017، انضمت إليها الإمارات ومصر والبحرين، وأعلنت قطع جميع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر. وفي عام 2018، ولا سيما بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، أُطلقت مقاطعة اقتصادية شعبية برعاية حكومية ضد تركيا.

عند انتخاب دونالد ترامب، رأى السعوديون في البداية أن سياسته تجاه المنطقة أكثر توافقًا مع مصالحهم من سياسة أوباما. انسحب ترامب من الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه مع إيران. وبينما أعادت إدارة أوباما 400 مليون دولار من الأموال المجمدة إلى إيران ودفعت 1.3 مليار دولار كفوائد، شنّ ترامب حملة "الضغط الأقصى" المتمثلة في تشديد العقوبات الاقتصادية.

بدا أن التدخل السعودي بلغ ذروته عندما تعرضت حقولها النفطية لهجمات في سبتمبر/أيلول 2019. مثّلت هذه الهجمات نقطة تحول حاسمة نظرًا لدقتها وتطورها، فضلًا عن انخفاض تكلفة تنفيذها. ففي حوالي الساعة 3:30 صباحًا من يوم 14 سبتمبر/أيلول 2019 - أي قبل تسعة أيام فقط من اليوم الوطني السعودي وخمسة أيام بعد عاشوراء - أُطلقت نحو 18 طائرة مسيّرة وعدة صواريخ كروز على منشأة بقيق لمعالجة النفط، الأكبر في العالم، وحقل خريص النفطي ومصنعه. أدت هذه الهجمات إلى تعطيل مؤقت لأكثر من نصف إنتاج النفط السعودي و5% من الإنتاج العالمي. تسببت هذه الهجمات في ارتفاع أسعار النفط بنسبة 14%، وهو أعلى ارتفاع يومي منذ عام 2010 على الأقل.

كشفت هجمات سبتمبر عن ضعف المملكة العربية السعودية وعدم اكتراث الولايات المتحدة بالرد، مما أدى إلى تغيير في السياسة الإقليمية السعودية. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة الطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجوم تراوحت بين 10,000 و15,000 دولار أمريكي للطائرة الواحدة. ولم تتمكن أنظمة الدفاع المتطورة من رصد أو اعتراض أكثر من 90% من الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة التي أُطلقت. وبدا فجأة أن المملكة تفتقر إلى الوسائل اللازمة للدفاع عن نفسها.

وكانت هناك توقعات ودعوات لرد عسكري أمريكي. فعلى سبيل المثال، أوضح فريدريك دبليو كاغان، الباحث البارز ومدير مشروع التهديدات الحرجة في معهد أمريكان إنتربرايز، أن التقاعس عن العمل سيؤدي إلى نفور حليف وتشجيع إيران. لكن ترامب اختار هذا المسار. قال ترامب للصحافة بعد ستة أيام من الهجمات: "أسهل ما يمكنني فعله هو أن أقول: هيا يا رفاق، افعلوا ذلك. وسيكون ذلك يومًا سيئًا للغاية لإيران". ثم دافع عن عدم توجيه ضربة لإيران بحجة أن "الشيء الذي يُظهر القوة هو إظهار قدر من ضبط النفس".

بدلاً من ذلك، اختار ترامب تعزيز دفاعات السعودية. في 28 سبتمبر، أعلن البنتاغون أن الولايات المتحدة سترسل 200 جندي، وبطارية صواريخ باتريوت، وأربعة أنظمة رادار أرضية إلى المملكة. وبعد أسبوعين، أعلن البنتاغون أنه سيرسل 3000 جندي، بالإضافة إلى "سربين مقاتلين، وجناح جوي استكشافي، وبطاريتين من صواريخ باتريوت، ونظام دفاع صاروخي متطور من طراز ثاد". لكن عندما شنت السعودية حرب أسعار النفط في مارس/آذار 2020 بهدف الضغط على منتجي النفط الصخري الروسي والأمريكي، مما أدى إلى انخفاض السعر إلى ما دون 30 دولارًا، اشتد الضغط في واشنطن. وفي مايو/أيار 2020، استدعت الولايات المتحدة 300 جندي من السعودية وسحبت بطاريتين كانتا تحرسان منشآت نفطية هناك.

بعد هذه الهجمات، تبنّت الحكومة السعودية سياسة إقليمية أكثر حيادية وتصالحية. ففي 5 يناير/كانون الثاني 2021، وخلال قمة مجلس التعاون الخليجي في مدينة العلا شمال غرب المملكة العربية السعودية، أعلن السعوديون والقطريون إنهاء نزاعهم الذي دام ثلاث سنوات واستئناف العلاقات. ثم أعلن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن وقفًا أحاديًا لإطلاق النار. وفي يونيو/حزيران 2022، زار ولي العهد السعودي تركيا، ورُفع الحظر الاقتصادي غير الرسمي.

واتُبع النهج نفسه مع إيران. ففي مقابلة أُجريت في أبريل/نيسان 2021، تبنى ولي العهد الأمير محمد موقفًا جديدًا تجاه الجمهورية الإسلامية، قائلًا: "في نهاية المطاف، إيران دولة جارة، وكل ما نرجوه هو إقامة علاقات طيبة". انعكس هذا الشعور في جولات عديدة من المفاوضات، وتكرر في مقابلة مع مجلة "ذا أتلانتيك" في مارس/آذار 2022، حيث صرّح ولي العهد بأن الإيرانيين "جيران، جيران إلى الأبد. لا يمكننا التخلص منهم، ولا يمكنهم التخلص منا. لذا من الأفضل لنا جميعًا التوصل إلى حلول والبحث عن سبل للتعايش". وبعد عام، في مارس/آذار 2023، أعلن البلدان استئناف علاقاتهما.

وقد ساهم هذا النهج "الخالي من الصراع" في الحد من الهجمات الإيرانية وحلفائها على السعودية، ومكّن الرياض من تقديم نفسها كوسيط لا كطرف في كل مواجهة إقليمية. ولهذا السبب صمدت أمام اختبار الصراعات المتعددة في السنوات القليلة الماضية. فبدلاً من الانحياز لأي طرف في الحرب الروسية الأوكرانية، قررت السعودية تبني دور محايد ووسيط. تم اتباع النهج نفسه في حالة السودان عندما اندلعت الحرب الأهلية في أبريل/نيسان 2023. وعندما شنت إسرائيل حربها على غزة عقب هجوم حماس المفاجئ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قادت السعودية مبادرة دبلوماسية لوقف إطلاق النار، وأعربت عن قلقها إزاء الهجمات الإسرائيلية في اليمن، بل وأدانت حرب إسرائيل ضد إيران.

 

لكن نهج السعودية "الخالي من الصراع" له ثمنه. فالموقف الذي يحمي السعودية بشكل فعال يخلق احتكاكاً مع الحلفاء الذين ما زالوا يعملون من خلال التدخل واستخدام الوكلاء. وبشكل أكثر تحديداً، يضع هذا النهج المملكة في خلاف مع حلفائها الإماراتيين، الذين ما زالوا ملتزمين بسياستهم الإقليمية التدخلية والمعادية للإسلاميين. في عام 2020، طبعت الإماراتيون علاقاتهم مع إسرائيل. وأدى دعمهم المتزايد للانفصاليين الجنوبيين في اليمن إلى اشتباكات لم تُحل إلا باتفاق الرياض، الذي أرسى آلية لتقاسم السلطة والتنسيق الأمني بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي. واستمرت الإمارات في إرسال الأسلحة إلى قوات حفتر في شرق ليبيا. عندما اندلعت الحرب الأهلية السودانية عام ٢٠٢٣، دعمت الإمارات العربية المتحدة قوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني.

وقد ازداد هذا الانقسام السعودي الإماراتي وضوحًا مع انهيار المحور الإقليمي الإيراني وتصاعد التدخل الإسرائيلي عقب هجوم ٧ أكتوبر. شنت إسرائيل أولى ضرباتها في شبه الجزيرة العربية ضد أهداف الحوثيين في يوليو ٢٠٢٤. وفي سبتمبر من العام نفسه، شنت إسرائيل هجومًا متطورًا باستخدام أجهزة النداء الآلي على حزب الله، ثم اغتالت زعيمه حسن نصر الله. وفي الشهر التالي، غزت إسرائيل جنوب لبنان، وبحلول نهاية نوفمبر، تضمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل وحزب الله شرطًا يقضي بإعادة انتشار الأخير شمال نهر الليطاني. وبعد يوم من إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، شنت قوات المعارضة السورية في إدلب هجومًا على نظام الأسد للسيطرة على حلب. رغم أن الأهداف الأولية للعملية اقتصرت على حلب، إلا أن الثوار فوجئوا بسرعة انهيار نظام الأسد، مما سمح لهم بدخول دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول. وبعد ستة أشهر من سقوط نظام الأسد، شنت إسرائيل هجومًا على إيران استمر 12 يومًا وانتهى بهجوم ترامب على المنشآت النووية الإيرانية.

دفعت هذه التطورات الإمارات العربية المتحدة إلى التقارب مع إسرائيل في محور مناهض للإسلاميين، وابتعدت عن السعودية. إذن، السؤال ليس ما إذا كان خطاب الرياض قد تغير، فقد تغير بالفعل. السؤال هو ما إذا كان هذا المحور الإماراتي الإسرائيلي سيسمح للسعودية بالاستمرار في عزل نفسها عن حروب الاختيار. في ديسمبر/كانون الأول الماضي، اتخذ المحور الإماراتي الإسرائيلي خطوتين دفعتا السعودية إلى تبني موقف أكثر حزمًا. ففي ديسمبر/كانون الأول، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في اليمن على مساحات واسعة من الأراضي في جنوب البلاد. وفي 26 ديسمبر/كانون الأول، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بصوماليلاند كدولة مستقلة. وقد انطوت كلتا الحادثتين على دعم للحركة الانفصالية في منطقة قريبة من الحدود السعودية.

كان رد الفعل السعودي مدروسًا وسريعًا. فقد شنت المملكة هجومًا على شحنة أسلحة إماراتية، ثم منحت الإمارات مهلة 24 ساعة لمغادرة اليمن. وعندما أعلنت الإمارات انسحابها، عقد السعوديون مؤتمرًا لليمنيين الجنوبيين، أعلن فيه وفد المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه. وبدعم من السعودية، تمكنت القوات الحكومية اليمنية من استعادة معظم الأراضي التي كان المجلس الانتقالي الجنوبي يسيطر عليها. أما بالنسبة للصومال، فقد كان رد الفعل السعودي رمزيًا في معظمه، إذ اقتصر على حشد جميع الدول الإسلامية الكبرى لإدانة التحرك الإسرائيلي.

ولأن الشرق الأوسط لا يخضع لهيمنة دولة واحدة، فإن التحالفات الإقليمية تشهد تحولات وتغيرات. وإذا استمر محور الإمارات وإسرائيل في حملته التدخلية، فسيكون من الصعب للغاية على السعودية الحفاظ على نهجها الجديد "الخالي من الصراع".

 

Comments