ترجمة المعهد العراقي للحوار
من هو علي لاريجاني؟ مسيرة أحد أبرز مهندسي القرار الأمني والسياسي في إيران
باستشهاد علي لاريجاني، تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد فقدت واحداً من أكثر رجالاتها نفوذاً وتأثيراً في صياغة سياساتها الداخلية والخارجية، وشخصية لعبت على مدى عقود دوراً محورياً في بناء البنية السياسية والأمنية للنظام، وفي إدارة الملفات الأكثر حساسية، من الإعلام والدعاية، إلى الأمن القومي والملف النووي والعلاقات الإقليمية.
وأكد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، مساء الثلاثاء 17 مارس/آذار 2026، استشهاد أمينه علي لاريجاني في هجوم إسرائيلي، لينتهي بذلك مسار سياسي وأمني طويل لرجل وُصف بأنه أحد أبرز الشخصيات في إيران بعد الثورة. واستشهد لاريجاني، بحسب الرواية الواردة في النص، عن عمر ناهز 68 عاماً، إلى جانب نجله مرتضى وعدد من مرافقيه، في عملية اغتيال وُصفت بأنها "موجهة".
رجل الدولة
لم يكن علي لاريجاني مجرد مسؤول حكومي تقلد عدداً من المناصب، بل كان من صناع "القرار" في الجمهورية الإسلامية، ومن الشخصيات التي جمعت بين النفوذ المؤسساتي والقدرة على التكيف مع التحولات السياسية داخل النظام. ففي سنواته الأخيرة، اكتسب صورة السياسي "العملي" أو "البراغماتي"، لكن هذه البراغماتية، وفق النص، لم تكن منفصلة عن التزامه الصارم بجوهر مبادئ النظام، سواء في الدفاع عن سياساته الأساسية أو في إدارة أدواته الدعائية والأمنية.
وقد امتد تأثيره إلى مجموعة واسعة من الملفات الاستراتيجية، شملت البرنامج النووي الإيراني، والعلاقات مع روسيا والصين، وإدارة الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران في المنطقة، فضلاً عن دوره في سن القوانين في الداخل.
من عائلة نافذة إلى قلب السلطة
وُلد علي لاريجاني عام 1957 في النجف بالعراق، ونشأ في أسرة ذات نفوذ ديني وسياسي واسع في إيران ما بعد الثورة. وهو ابن ميرزا جواد هاشمي الآملي، كما يرتبط بعائلة المفكر الإسلامي البارز مرتضى مطهري. وكان محاطاً بإخوة شغلوا بدورهم مواقع مؤثرة في الدولة، من بينهم محمد جواد لاريجاني، وصادق آملي لاريجاني، وباقر لاريجاني، وفاضل لاريجاني، ما جعل العائلة واحدة من أبرز العائلات الحاضرة في مفاصل الدولة.
تلقى تعليمه في قم، ثم حصل عام 1979 على شهادة الماجستير في علوم الحاسوب من جامعة شريف الصناعية، قبل أن ينال الدكتوراه في الفلسفة من جامعة طهران، وكانت أطروحته حول "المنهج الرياضي في فلسفة كانط".
وتأثر لاريجاني فكرياً بأحمد فرديد، صاحب نظرية "الاغتراب عن الذات"، كما تأثر بمرتضى مطهري، الذي سعى إلى بناء خطاب إسلامي مضاد للفكر السياسي الغربي، وخصوصاً الماركسية.
البداية من الإعلام ثم الانتقال إلى الحرس
دخل لاريجاني مبكراً إلى مؤسسات النظام بعد الثورة، حين التحق بالإذاعة والتلفزيون الإيرانيين بتوصية من مرتضى مطهري، وعمل مديراً عاماً للإعلام الخارجي ووحدة الأخبار المركزية، ثم تولى رئاسة وحدة الأخبار بين عامي 1981 و1982. وتذكر الرواية الواردة في النص أن الإعلام الرسمي الإيراني نسب إليه، في تلك المرحلة، دوراً محورياً في مواجهة معارض النظام، ومنهم منظمة "مجاهدي خلق" وأبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية بعد الثورة.
وفي عام 1982، انضم إلى الحرس الثوري، بالتوازي مع دخوله العمل الحكومي. وشغل مناصب متعددة، بينها معاون برلماني لوزير العمل، ثم معاون قانوني وبرلماني في وزارة البريد والاتصالات، قبل أن يتولى بين عامي 1986 و1989 منصب معاون الشؤون القانونية والبرلمانية في وزارة الحرس الثوري، ثم نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة للحرس بين عامي 1989 و1992.
وجه مؤثر في ماكينة الدعاية الرسمية
مع تولي علي أكبر هاشمي رفسنجاني الرئاسة، شغل لاريجاني منصب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي بين عامي 1992 و1993، خلفاً لمحمد خاتمي الذي استقال من المنصب. ويشير النص إلى أن تعيينه جاء بإصرار من قائد الثورة الإسلامية الراحل آية الله السيد علي خامنئي، وضمن توجه لإغلاق الهامش الثقافي النسبي الذي كان قائماً آنذاك.
لكن أبرز أدواره في المجال الإعلامي والدعائي تجلت خلال رئاسته الطويلة لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية بين عامي 1993 و2004. ففي عهده تحولت المؤسسة إلى جهاز إعلامي ضخم، إذ توسعت من شبكتين تلفزيونيتين وإذاعتين إلى منظومة واسعة تضم قنوات وطنية ومحلية ودولية متعددة. كما أُطلقت في تلك الحقبة شبكات موجهة إلى الخارج مثل "جام جم" و"سحر" و"العالم"، بهدف نشر الرواية السياسية والدينية للجمهورية الإسلامية خارج حدودها.
وخلال تلك المرحلة، ارتبط اسمه أيضاً ببرنامج "هويت" الشهير، الذي استخدم كمنصة إعلامية لمهاجمة المثقفين والكتاب والباحثين الإيرانيين المعارضين أو المستقلين، الذي كانوا كأدوات لـ"الغزو الثقافي".
من الإعلام إلى الأمن القومي
في يونيو/حزيران 2004، عُين لاريجاني ممثلاً للمرشد علي خامنئي في المجلس الأعلى للأمن القومي، ثم أميناً للمجلس، لينتقل بذلك من إدارة الخطاب الإعلامي للنظام إلى قلب منظومة صنع القرار الاستراتيجي. وجاء صعوده إلى هذا المنصب في لحظة حساسة، بعد توقيع "بيان سعد آباد" الذي قبلت إيران بموجبه تعليقاً طوعياً لأنشطة تخصيب اليورانيوم، وهو ما أثار اعتراض التيار المحافظ.
وفي هذا السياق، سعى لاريجاني إلى ترسيخ صورته بوصفه أحد رجال السيد الخامنئي الموثوقين، فانتقد الاتفاق النووي آنذاك، وقدم نفسه كمدافع عن نهج "الواقعية والعملية". وخاض انتخابات الرئاسة عام 2005، مهاجماً التفاهمات النووية السابقة، ومعتبراً أن إيران "قدمت درة ثمينة وأخذت حلوى"، في إشارة إلى أن طهران قدمت تنازلات كبيرة مقابل مكاسب محدودة. إلا أنه حل سادساً بين سبعة مرشحين، وفشل في الوصول إلى الرئاسة.
ومع تولي محمود أحمدي نجاد الحكم، شدد لاريجاني على أن خروج إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ليس في مصلحة البلاد، لكن خلافاته مع أحمدي نجاد سرعان ما تفاقمت، وانتهت باستقالته من أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي في أكتوبر/تشرين الأول 2007.
رئيس البرلمان الأطول بقاءً
عاد لاريجاني إلى الواجهة عبر البوابة البرلمانية، حين ترشح في انتخابات مجلس الشورى عام 2008 عن مدينة قم، ونجح في الفوز بمقعدها، قبل أن يتولى رئاسة البرلمان. واستمر في هذا الموقع لثلاث دورات متتالية، ليصبح صاحب أطول فترة رئاسة لمجلس الشورى في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
وخلال سنوات رئاسته، واجه صدامات حادة مع الرئيس أحمدي نجاد، لا سيما في ظل التوترات المتكررة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وبلغ هذا الخلاف ذروته في قضية التسجيل المصور الذي عرضه أحمدي نجاد خلال استجواب أحد وزرائه، واتهم فيه فاضل لاريجاني، شقيق علي، بالسعي إلى استغلال نفوذ العائلة لتسهيل مصالح رجل الأعمال بابك زنجاني.
وفي المقابل، كانت علاقته أكثر انسجاماً مع الرئيس حسن روحاني، وظهر ذلك بوضوح خلال تمرير الاتفاق النووي لعام 2015 "برجام" داخل البرلمان بسرعة قياسية، إذ دافع لاريجاني عن الاتفاق وكان من مؤيدي تنفيذه. غير أن هذا الموقف أضعف مكانته داخل الأوساط الأصولية، رغم أن الاتفاق كان يحظى آنذاك بتأييد السيد الخامنئي.
أفول سياسي
بعد انتهاء رئاسته للبرلمان عام 2020، بدا أن لاريجاني بدأ يفقد موقعه داخل المشهد السياسي. ورغم استمراره في مواقع استشارية، بصفته مستشاراً للمرشد وعضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام والمجلس الأعلى للثورة الثقافية، فإنه تعرض لتهميش متزايد.
وكانت الضربة الأبرز لهذا المسار حين رفض مجلس صيانة الدستور أهليته للترشح للانتخابات الرئاسية عام 2021، قبل أن يُستبعد مجدداً من السباق الرئاسي عام 2024. ووفق ما أورده النص، برر مجلس صيانة الدستور هذا الإقصاء بأسباب تتعلق بمواقف سياسية وببعض أفراد عائلته.
هذا الاستبعاد أظهر بوضوح تراجع مكانته داخل التوازنات الداخلية للنظام، كما مثّل، في نظر كثيرين، نوعاً من الإهانة السياسية لشخصية كانت يوماً من أقرب المقربين إلى دوائر الحكم العليا.
العودة في زمن الأزمات
لكن تراجع لاريجاني لم يكن نهائياً. فمع صعود مسعود بزشكيان وتصاعد التوترات الإقليمية والدولية، عاد الرجل تدريجياً إلى الواجهة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أُوفد مبعوثاً خاصاً لعلي خامنئي إلى سوريا ولبنان، وطرح خلال تلك المرحلة خطاباً يجمع بين التشدد السياسي والاستعداد المشروط للتفاهم مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي.
وبعد الحرب التي دارت بين إسرائيل وإيران في عام 2025، عاد اسمه ليتصدر المشهد مجدداً، ولا سيما بعد زيارته غير المعلنة إلى موسكو ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ثم، في أغسطس/آب 2025، أُعيد تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة عكست استعادة ثقله داخل "النواة الصلبة" للنظام.
وفي أولى جولاته الخارجية بعد عودته إلى هذا المنصب، زار العراق ولبنان، في وقت كانت فيه أزمة سلاح حزب الله تتفاقم، ما دفع بيروت إلى اتهام طهران بالتدخل غير المقبول في شؤونها الداخلية. وبحسب ما أورده النص، رأت أطراف مقربة من حزب الله أن لاريجاني كان يعمل على "توحيد الجبهة الشيعية" والحفاظ على بقاء "محور المقاومة".
"الزعيم غير الرسمي" في زمن الحرب
في الأسابيع الأخيرة من حياته، ومع شن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، برز علي لاريجاني بوصفه أحد أبرز وجوه السلطة الإيرانية. فقد تعزز هذا الدور خصوصاً بعد اغتيال السيد علي خامنئي في بداية الحرب، حيث تحدثت وسائل إعلام أجنبية عن لاريجاني باعتباره الرجل الذي بات يدير شؤون البلاد فعلياً بانتظار حسم مسألة القيادة الجديدة.
وخلال تلك الفترة، حرص على إظهار أن اغتيال المرشد لم يغيّر شيئاً في ثوابت النظام، وواصل إطلاق تهديدات حادة ضد الولايات المتحدة. ومن بين أبرز تصريحاته ما نشره باللغة العربية على منصة "إكس"، حين هدد بأن أي استهداف لشبكة الكهرباء الإيرانية سيؤدي خلال نصف ساعة إلى انقطاع الكهرباء في المنطقة بأكملها، مضيفاً أن الظلام سيكون فرصة مناسبة لـ"اصطياد الجنود الأمريكيين الفارين".
كما رد قبل أسبوع من مقتله على تهديد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مضيق هرمز، قائلاً: "احذروا أنتم من أن تزولوا".
وفي خضم الحرب الجارية، عرضت الولايات المتحدة مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، بينهم علي لاريجاني. وبعد الإعلان عن مقتله، نُقل عن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قوله، في إشارة إلى المكافأة الأمريكية: "لقد فعلنا ذلك مجاناً".
نهاية رجل من صميم النظام
يجسد مسار علي لاريجاني قصة رجل تدرج في كل مفاصل الجمهورية الإسلامية تقريباً: من الإعلام الرسمي إلى الحرس الثوري، ومن وزارة الثقافة إلى الملف النووي، ومن رئاسة البرلمان إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي. وكان في كل محطة من تلك المحطات يعكس قدرة عالية على التحرك داخل النظام، والتكيف مع موازين القوى المتغيرة، مع بقائه جزءاً أصيلاً من بنية الحكم الصلبة.
وباستشهاده، لا تخسر إيران مجرد مسؤول بارز، بل أحد أكثر رجالاتها خبرة في الجمع بين الأمن والسياسة، وأحد الذين أسهموا، بدرجات متفاوتة، في صياغة خطاب الجمهورية الإسلامية وآلياتها وتحالفاتها الإقليمية، وفي إدارة أزماتها الكبرى خلال العقود الأخيرة.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments