ترجمة وتحليل: المعهد العراقي للحوار- نصر محمد علي
ينبغي ألّا يتحول العراق قاعدة لشن الحرب ضد إيران
الكاتبان: مرسين الشمري وحمزة حداد
الناشر: معهد بروكنجز
يجد العراق نفسه عالقاً في مرمى نيران الضربات (الإسرائيلية) والأمريكية الموجهة ضد إيران على عكس دول الخليج العربي، فان العراق هدف للهجمات من كلا الجانبين، الأمر الذي يضع ضغوطاً على قدرته على البقاء محايداً ومقاومة الضغوط المتزايدة من الجماعات شبه العسكرية الموالية لإيران في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وكلما طالت هذه الحرب وتزايدت وتيرة استهداف العراق، ازداد خطر انزلاقه إلى اتون الفوضى. ويمكن لجماعات مسلحة متعددة داخل البلاد - بما في ذلك الجماعات شبه العسكرية الشيعية الموالية لإيران وجماعات المعارضة الكوردية الإيرانية - أن تُفاقم خطوط الصدع التي من شأنها اشعال فتيل حرب أهلية. وفي الوقت نفسه، أدت الحرب الإقليمية إلى تعطيل صادرات النفط وواردات الكهرباء، مما يُهدد بدفع السكان المُنهكين أصلاً نحو اضطرابات مفتوحة.
تحدى العراق كل التوقعات، منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فعلى الرغم من الضغوط الخارجية الهائلة والضعف الشديد الذي تعاني من الدولة، نجحت الحكومة العراقية في إبقاء البلاد بمنأى عن الحروب الإقليمية. التزم القادة السياسيون والدينيون في العراق، بمن فيهم المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى علي السيستاني، بحماية الاستقرار الذي حققه العراق بشق الأنفس.
لطالما حاول العراق الموازنة بين واشنطن وطهران، غير أن الأسابيع المقبلة ستختبر عزيمته وقدراته على نحو لم يسبق له مثيل. ويخاطر الفشل بإشعال فتيل صراع أهلي- وهو ما يُعدّ نتيجة مدمرة للولايات المتحدة التي أنفقت تريليونات الدولارات وضحّت بآلاف الجنود على مدى عقدين من الزمن لتحقيق الاستقرار في العراق.
الوقوع ضحية للطرفين
تتفاقم هشاشة العراق بسبب سوء التوقيت: فالبلاد في خضم مرحلة انتقالية، حيث يجري تشكيل حكومة جديدة بينما تعمل الحكومة السابقة بصلاحيات مؤقتة محدودة. ويشغل ثلث المناصب الوزارية حالياً مناصب شاغرة، إذ انتقل شاغلوها إلى عضوية البرلمان الجديد. ونتيجة لذلك، يتولى رئيس الوزراء حالياً إدارة مؤسسات هامة كوزارة الدفاع بالوكالة.
سعت الحكومة العراقية، ورغم هذه القيود، إلى التعامل بحزم مع الفصائل المسلحة، والحدّ من مشاركتها المباشرة في الصراع. تحركت السلطات بسرعة لمنع المتظاهرين الموالين لإيران، والذين ينتمي كثير منهم إلى هذه الجماعات المسلحة، من دخول المنطقة الخضراء ومهاجمة السفارة الأمريكية داخلها. ولا يقتصر رد فعل العراقيين على الهجمات على إيران فحسب، بل يتعداه إلى الهجمات على أراضيهم. فقد قصفت الولايات المتحدة عدة قواعد لقوات الحشد الشعبي في العراق، ما أسفر عن مقتل أربعة عناصر على الأقل من عناصرها.
شنت إيران، من جانبها، هجمات على الوجود الأمريكي في كوردستان العراق، مستهدفةً بالدرجة الأولى مطار أربيل الدولي، الذي كان يضم آخر قاعدة عسكرية أمريكية في العراق. وتُعد كردستان العراق منطقة حساسة، إذ تضم أيضاً العديد من جماعات المعارضة الكوردية الإيرانية. ومع ذلك، وكما هو الحال مع الشيعة في العراق، سيكون من الخطأ التعامل مع الأكراد بوصفهم كتلةً متجانسة، سواء على الصعيد الإقليمي أو داخل كردستان العراق نفسها. قد يتوقع الكورد الإيرانيون تغيير النظام في طهران، بيد أن الكورد العراقيين قد لا يكونون مستعدين للتضحية بالمكاسب السياسية التي حققوها منذ عام 1991. ويُعدّ دورهم في السياق السوري خير دليل على ذلك: فقد ساعدوا في التوسط بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق، لكنهم لم يتبنوا القضية الكردية السورية. وفي الشهر الماضي فقط، أعلن رئيس وزراء كردستان العراق، مسرور بارزاني، في دبي، حياد العراق ونيته النأي بنفسه عن الصراع الأمريكي الإيراني. ومن المرجح أن يظل هذا الموقف قائماً، حتى تحت وطأة الضغط الأمريكي لاستخدام كردستان العراق منطلقاً لتمرد كوردي داخل إيران.
يدرك الكورد، شأنهم شأن العديد من العراقيين، أنهم عالقون في حرب لا يرغبون في المشاركة فيها. وقد صرّح وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين - وهو كوردي - مؤخراً بوضوح: فبينما العراق "ليس طرفاً في الحرب... إلا أن موقعه الجغرافي يجعله متأثراً بشكل مباشر بتداعياتها والعمليات العسكرية المرتبطة بها".
الشيعة العراقيون وعلاقاتهم المعقدة مع إيران
تتمتع الطائفة الشيعية في العراق – سواء أكانوا سياسيين أم قادة الدينيين أم مواطنين عاديين - علاقة معقدة بإيران، علاقة تتحدى أسطورة "الهلال الشيعي". استقبل العديد من الزعماء الشيعة نبأ اغتيال خامنئي بالتعازي والحداد، بما في ذلك إعلان الحداد العام لمدة ثلاثة أيام. إلا أن هذا كان حساباً سياسياً يهدف إلى تهدئة الانقسام الشيعي في العراق، وليس تعبيراً صادقاً عن الحزن. فعلى مدى عقود، اختلف الشيعة العراقيون اختلافاً حاداً حول كيفية النظر إلى الجمهورية الإسلامية: هل هي حليف أم متدخل في الشؤون العراقية؟
وتؤكد استطلاعات الرأي العام العراقي هذه الصورة. إذ يتشارك العراقيون عمومًا مشاعر سلبية مماثلة حيال إيران والولايات المتحدة، وينظرون إليهما على أنهما متدخلان أجنبيان. ومن خلال إصدار بيانات حداد عامة مع رفض التدخل العسكري، تحاول الحكومة العراقية استرضاء الطرفين في آن واحد.
ولعل أفضل مثال على الضغط الواقع على قادة الشيعة العراقيين هو سلوك مقتدى الصدر، الذي يُنظر إليه منذ مدة طويلة على أنه أبرز قوة موازنة للنفوذ الإيراني في أوساط شيعة العراق.
كان الصدر أول من أصدر بيان تعزية وأعلن الحداد ثلاثة أيام على خامنئي، سابقاً بذلك الدولة العراقية. وإذا كان الصدر يدرس خطواته بعناية، فمن المرجح أن يكون الضغط على الشخصيات الأقل استقلالية أكبر بكثير.
فهم بيان السيستاني
أدى اغتيال خامنئي إلى تغيير تسلسل السلطة الدينية الشيعية في العالم، تاركاً المرجع الديني الأعلى السيستاني في النجف بوصفه أقدم مرجع ديني بلا منازع. فالسيستاني والمراجع الدينيين الشيعية في العراق ، على خلاف خامنئي، لا يتبنون المذهب السياسي الثيوقراطي لولاية الفقيه - وهو مبدأ يقضي بأن يحكم رجال الدين الدولة مباشرة – الذي يؤيده نظراؤهم في إيران. كان رد فعل السيستاني على اغتيال خامنئي متزناً: فقد أصدر بيان تعزية مقتضباً، معترفًا بخامنئي عالم دين وقائد سياسي مرموق، وحثّ الشعب الإيراني على الحفاظ على وحدته. أعقب ذلك بيانٌ أطول يدين فيه العدوان على إيران، ويدعو المجتمع الدولي إلى السعي نحو حل سلمي وعادل لبرنامجها النووي.
أثارت لهجة السيستاني المتحفظة قلق بعض أطياف المجتمع الشيعي، حيث فسّرها البعض على أنها تخلّ عنهم. بيد أن رد السيستاني لا ينبغي أن يُفاجئ أحداً، إذ لطالما أولت المؤسسة الدينية الشيعية العراقية الاستقرار أولويةً قصوى. زد على ذلك، لطالما عكست تصريحات السيستاني واقعيته السياسية، فهو يعمل ضمن إطار الدول القومية، ويتواصل مع الجهات الفاعلة الدولية حيثما يعتقد أنها قادرة على إحداث تغيير. تُعدّ تصريحات السيستاني قوة مرسخة للاستقرار، تُجرّد فعليا الشرعية عن أي شخص أو جماعة تسعى إلى استغلال الدين للتحريض على العنف الانتقامي.
أهمية استقرار العراق
إن الحفاظ على استقرار العراق ليس مسعىً مُكلفاً للولايات المتحدة، وستجد واشنطن العديد من القادة السياسيين والدينيين العراقيين المُستعدين للتعاون في هذا الهدف. في الشهر الماضي، تعاونت الولايات المتحدة مباشرةً مع السلطات العراقية لنقل أكثر من 5000 معتقل من تنظيم داعش (معظمهم ليسوا عراقيين) من شرق سوريا إلى العراق لمحاكمتهم وإمكانية إعادتهم إلى بلادهم. وقد تكللت هذه العملية بالنجاح لأن العراق كان شريكاً مستقراً وموثوقاً به في الحرب ضد تنظيم داعش. ولا يجوز للولايات المتحدة أن تعد هذا الاستقرار أمراً مسلّماً به. وينبغي على الولايات المتحدة تجنب شنّ ضربات استباقية على أهداف صغيرة في العراق، لما في ذلك من تأجيج للخلافات القائمة، وزيادة صعوبة الحفاظ على النظام والحياد أمام القادة السياسيين والدينيين.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments