أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي هذا الأسبوع أن القوات الإسرائيلية تعمل على تطبيق “نموذج رفح وبيت حانون” في جنوب لبنان، ما أثار مخاوف من أن إسرائيل تخطط لتدمير بلدات كاملة في محاولة للقضاء على حزب الله بشكل نهائي.
ومع استعداد إسرائيل لشن اجتياح واسع، بدأت ملامح هذا النهج الجديد الأكثر عنفاً تتضح، رغم انشغال الاهتمام الدولي بالحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران. وقد أسفرت الحرب الإسرائيلية في لبنان حتى الآن عن مقتل أكثر من ألف شخص في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 6 ملايين نسمة، فيما تشير المؤشرات إلى دخول مرحلة أكثر قسوة قد تستمر حتى لو انتهت الحرب مع إيران.
وقبيل أي عملية برية واسعة، فرضت إسرائيل على المدنيين إخلاء مساحات واسعة من جنوب لبنان وبعض أحياء بيروت، التي تعرضت لموجات من الغارات الجوية. وقد استجاب كثير من السكان لهذه الدعوات، ما أدى إلى نزوح نحو 20% من السكان. لكن بعد تدمير الجسور على نهر الليطاني، الذي يفصل الجنوب عن بقية البلاد، لم يعد أمام من تبقى من السكان سوى الاحتماء في أماكنهم.
ويرى محللون أن الاستراتيجية الإسرائيلية، كما حدث مع حركة حماس في غزة، من غير المرجح أن تنجح في القضاء الكامل على حزب الله. بل إن احتلالاً طويلاً، كما تلوّح به إسرائيل، قد يمنح الحزب فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، خاصة بعد تراجع شعبيته في الداخل اللبناني، ما قد يشكل انتكاسة للجهود الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى نزع سلاحه.
ويحذر خبراء من أن استمرار الاحتلال قد يدفع حتى المعارضين لحزب الله داخل لبنان إلى الانضمام إلى المقاومة، مستشهدين بتجارب سابقة في الصراع.
“حرق الأرض” بدل “جز العشب”
تعود جذور حزب الله إلى الاجتياحات الإسرائيلية للبنان في ثمانينيات القرن الماضي، حيث تشكلت مجموعات مسلحة في الجنوب خلال اجتياح عام 1982، قبل أن تتطور إلى قوة سياسية وعسكرية مؤثرة.
ورغم أن الحزب لم يحظَ بدعم أغلبية اللبنانيين، فإنه اكتسب الله نوعاً من الشرعية نتيجة نجاحاته العسكرية، أبرزها إجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان عام 2000 بعد احتلال دام عقدين.
وفي حرب 2006، اعتمدت إسرائيل ما عُرف لاحقاً بـ“عقيدة الضاحية”، التي تقوم على استخدام قوة مفرطة وتدمير البنية التحتية المدنية للضغط على حزب الله وتحريض الرأي العام اللبناني ضده، بما في ذلك تدمير أجزاء واسعة من الضاحية الجنوبية لبيروت.
وعادت إسرائيل إلى تطبيق هذه العقيدة خلال عملياتها في 2024، مستهدفة البنية التحتية والمباني. ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف القتال بعد نحو شهرين، استمرت الغارات الجوية بشكل متقطع.
واليوم، وبعد تصعيد حزب الله بإطلاق صواريخ عقب مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، يبدو أن إسرائيل تتجه إلى تصعيد أكبر، عبر تبني نهج يشبه العمليات في غزة.
ووصف محللون هذه الاستراتيجية بأنها انتقال من “جز العشب” إلى “حرق الأرض”، حيث تستهدف منشآت مدنية مثل محطات الوقود والجسور والمنازل.
وقد أثار هذا النهج انتقادات حتى من داخل إسرائيل، إذ حذر قادة عسكريون من أن التوغل العميق دون أهداف سياسية واضحة قد يعيد إسرائيل إلى “المستنقع اللبناني” دون تحقيق أمن حقيقي.
كما قد يؤدي التصعيد والاحتلال الطويل إلى زعزعة الاستقرار ليس فقط في لبنان، بل أيضاً في سوريا.
وفي الوقت ذاته، تشير تقارير إلى أن حزب الله أعاد تنظيم قواته استعداداً لحرب استنزاف طويلة، عبر هيكلة لامركزية تعتمد على وحدات صغيرة للحفاظ على السرية العملياتية.
تداعيات محتملة وردود دولية
تأتي هذه التطورات في وقت بدأ فيه لبنان اتخاذ خطوات لتقييد حزب الله، بما في ذلك اعتبار جناحه العسكري غير قانوني. غير أن احتلالاً طويلاً قد يمنح الحزب فرصة لاستعادة شعبيته.
كما أثارت تصريحات لوزير المالية الإسرائيلي حول ضم جنوب لبنان لإنشاء “منطقة عازلة” مخاوف إضافية، إلى جانب اتهامات باستخدام أسلحة محرمة دولياً.
في المقابل، أطلق حزب الله أكثر من 3500 صاروخ نحو إسرائيل، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وإجبار السكان في بعض المناطق على الاحتماء بالملاجئ.
وأدت العمليات العسكرية إلى أضرار واسعة في صفوف المدنيين، بما في ذلك استهداف فرق الإسعاف، وفق تقارير منظمات دولية.
وأثارت الحملة الإسرائيلية انتقادات دولية، حيث حذر رئيس الوزراء الإسباني من تكرار “نموذج غزة” في لبنان، فيما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن هذا النموذج “يجب ألا يُكرر”.
أما الولايات المتحدة، فقد التزمت الصمت إلى حد كبير، رغم تقديرات بأن واشنطن منحت ضوءاً أخضر ضمنياً للعمليات الإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا النهج قد يفاقم التوترات الإقليمية ويؤدي إلى تداعيات طويلة الأمد على استقرار المنطقة.
Comments