00:00:00
توقيت بغداد
2026أبريل15
الأربعاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ترجمة: فيصل عبد اللطيف – المعهد العراقي للحوار

هل يُمكن لاتفاقية العراق وتركيا أن تُساهم في تعزيز الأمن المائي العراقي؟

الكاتب: ويني تشنغ - المديرة المساعدة لبرنامج العراق في معهد دول الخليج العربي
الناشر: مؤسسة دول الخليج العربي في واشنطن
تاريخ النشر: ١٠ نيسان ٢٠٢٦

يواجه العراق أزمة نقص حاد في المياه، حيث يُتوقع نفاد الاحتياطيات بحلول أغسطس/آب. هذه الأزمة، التي تسببت سابقًا في نزوح أعداد كبيرة من سكان جنوب العراق والأهوار، والعاملين في القطاع الزراعي، والأسر الريفية ذات الدخل المحدود، باتت تُنذر بعواقب وخيمة على جميع العراقيين، حتى النخبة السياسية.

في أبريل/نيسان 2024، وقّع رئيس الوزراء العراقي محمد السوداني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان إطار عمل التعاون المائي بين العراق وتركيا. هذه المذكرة التفاهمية، القابلة للتمديد لعشر سنوات، كانت أول إطار عمل شامل ورسمي لتقاسم المياه بين البلدين منذ عقود، حيث حدّدت مشاريع إدارة المياه طويلة الأجل، وفرق التخطيط المشتركة، والاستخدام المنسق للمياه. على الرغم من أن العراق وتركيا قد توصلا سابقًا إلى اتفاقيات محدودة وتفاهمات غير رسمية بشأن قضايا المياه، إلا أنها افتقرت إلى آليات مشتركة للمراقبة والتنفيذ، مما أدى إلى مزيد من الخلافات وفشلها في نهاية المطاف.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، التقى وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان لتوقيع مذكرة تفاهم ثانية، تُفصّل آليات تنفيذية شاملة للبناء على مذكرة 2024. ونظرًا لأن الحكومة العراقية لا تزال قيد التشكيل، لم يُقرّ مجلس الوزراء العراقي المذكرة الثانية بعد. وقد انتهت ولاية البرلمان السابق، وتقتصر صلاحيات حكومة تصريف الأعمال الحالية على إدارة "الشؤون اليومية" للدولة، ولا يمكنها اتخاذ قرارات سياسية طويلة الأجل.

مع اقتراب موعد نضوب المياه في العراق في أغسطس/آب، ومواجهته لتحديات تغير المناخ، وسياسات المياه، ونموذجه الاقتصادي المعتمد على النفط، هل يُمكن تطبيق هذا الإطار قبل الموعد النهائي الوشيك للمساعدة في ضمان مستقبل المياه في العراق؟ أم أن التأخيرات والتحديات الهيكلية ستُقوّض قدرته على تجنب الأزمة؟

داخل أزمة المياه

ينبع انعدام الأمن المائي في العراق جزئيًا من سياسات المياه وتغير المناخ. أحدث مشروع جنوب شرق الأناضول التركي، وهو نظام ضخم من السدود ومشاريع الريّ تم تطويره على مدى عقود، تغييرًا جذريًا في مجاري نهري دجلة والفرات. فمن خلال منشآت ضخمة، كسد أتاتورك على نهر الفرات وسد إليسو على نهر دجلة، ساهم المشروع في نقص حاد في المياه في العراق منذ مطلع الألفية الثانية على الأقل، حيث انخفضت كمية المياه المتدفقة بنسبة تُقدّر بـ 56%. وإلى الشرق، شيدت إيران سدي داريان وسردشت، ما حدّ من تدفق الروافد إلى حوض نهر دجلة. وإلى الغرب، يُنظّم سد الطبقة السوري تدفق الفرات قبل وصوله إلى الأراضي العراقية. ومما يزيد من هشاشة الوضع في العراق، أن تركيا وإيران وسوريا تواجه كل منها أزمة مياه متفاقمة، نتيجة عقود من الاستخراج المفرط وسوء الإدارة وتفاقم ضغوط تغير المناخ.

لا يزال العراق يستخدم نسخةً من نظام الريّ البابلي القديم، وهو نظام ريّ بالجاذبية يعود لقرون مضت، حيث تُحوّل مياه الأنهار لغمر الحقول، مما يؤدي إلى هدر كبير للمياه بسبب التبخر والتسرب وضعف التحكم في التدفق. ولم تعد كميات المياه المتضائلة التي يتلقاها العراق من نهري دجلة والفرات، اللذين بُنيت عليهما سدود كثيرة، قادرةً على دعم هذا النظام غير الفعال. تاريخيًا، اعتمدت الزراعة في العراق على فيضانات نهري دجلة والفرات. إلا أن العراق لم يشهد فيضانات مستمرة منذ عام ١٩٨٨. ورغم أن هطول الأمطار في مطلع هذا العام ساهم في رفع مستويات الخزانات، إلا أنها لا تزال دون طاقتها الاستيعابية، ولا يزال خطر الجفاف قائمًا. إضافةً إلى ذلك، فإن تباطؤ تدفق المياه من السدود الواقعة في أعالي النهر، إلى جانب ضعف الصرف في أنظمة الريّ التقليدية، يُسبب ركودًا في المياه. وقد أدى هذا، إلى جانب التبخر الناتج عن الحرارة الشديدة، إلى تكوّن أراضٍ شديدة الملوحة، مما يُعيق الزراعة ويُهجّر العديد من العراقيين.

مما يزيد من تفاقم أزمة المياه في العراق هيكل اقتصاده السياسي الريعي. فمنذ تأميم النفط في سبعينيات القرن الماضي، ولا سيما منذ عام 2003، اعتمد العراق على عائدات النفط بدلاً من الضرائب. حالياً، يُستمد 90% من إيرادات الحكومة من صادرات النفط، والتي تُعاد توزيعها على المواطنين من خلال وظائف القطاع العام، فضلاً عن دعم الوقود والكهرباء والمياه. وقد أدى ذلك إلى نشوء عقد اجتماعي قائم على العلاقة بين إيرادات الدولة وإنتاج البلاد. فالدعم يُعتبر حقاً مكتسباً، بينما يُنظر إلى ترشيد استهلاك المياه على أنه خرق لهذا العقد. ومع النمو السكاني المتسارع في العراق - المتوقع أن يصل إلى 48.9 مليون نسمة بحلول عام 2028 - يتزايد أيضاً الاستهلاك المفرط للمياه.
تفاصيل الاتفاق

تهدف مذكرة الآلية التنفيذية لشهر نوفمبر 2025 إلى تعزيز الأمن المائي في العراق، واستصلاح الأراضي الزراعية، وتحسين إدارة المياه والموارد. وتتناول آلياتها بشكل مباشر التقييمات المتنازع عليها منذ فترة طويلة بين الطرفين، وتوفر تدابير تمويلية.

وقد انتقدت الحكومة التركية بشدة استهلاك العراق للمياه وأنظمة الري القديمة، ولذا، وكجزء من الاتفاق، وافقت تركيا على المساعدة في إصلاح وتحديث أنظمة إدارة المياه في العراق. وسيتم التعاقد مع شركات تركية معتمدة من السلطات العراقية لتطوير مشاريع مائية وتقنيات ري حديثة. وسيمول العراق هذه الشركات، إما من خلال ميزانيته السنوية أو من خلال صندوق عراقي-تركي مشترك. وسيودع العراق عائدات بيع النفط الخام للمشترين الأتراك في هذا الصندوق، وسيتم دفع مستحقات المقاولين الأتراك منه.

ويحاكي هذا النموذج الشراكة العراقية الصينية؛ إلا أن الصندوق العراقي-الصيني يتطلب حدًا أدنى ثابتًا قدره 100 ألف برميل من النفط يوميًا لتمويل الحساب. في المقابل، سيبيع الصندوق العراقي التركي كمية متغيرة من براميل النفط، ما يعني عائدات نفطية متغيرة. هذا الأمر مقصود، إذ يسمح للبلدين بتعديل حجم المشروع بما يتناسب مع الإيرادات المتاحة، ويتجنب إلزام العراق بحصة تصدير ثابتة، ويعكس حقيقة أن تدفقات النفط إلى تركيا قد تتغير نتيجةً للتوترات الجيوسياسية ومعوقات البنية التحتية. إضافةً إلى ذلك، إذا أُعيد تصدير النفط العراقي من تركيا إلى الأسواق الأوروبية، سيحصل العراق على 65% من الأرباح الناتجة عن تجاوز السعر المرجعي العالمي السائد. وستشرف لجنة مشتركة تمثل البلدين على تنفيذ المشروع، بينما تتولى وزارة المالية العراقية إدارة تمويله.
علاوةً على ذلك، واستجابةً للانتقادات العراقية بأن السدود التركية قد حدّت من تدفق المياه، والاتهامات الموجهة لتركيا بعدم التزامها بمذكرة التفاهم لعام 2014 التي تضمن للعراق "حصة عادلة ومنصفة من المياه"، وافقت تركيا على إطلاق مليار متر مكعب من المياه إلى العراق.

ليس اتفاق "نفط مقابل ماء"

تُصوّر العديد من التقارير الإعلامية، بشكل غير دقيق، اتفاقية تقاسم المياه هذه على أنها اتفاق "نفط مقابل ماء". يجب أن تُقرّ الاتفاقيات من قبل البرلمان العراقي، بينما تُقرّ مذكرات التفاهم من قبل مجلس الوزراء. كما يوحي مصطلح "نفط مقابل ماء" بأن العراق يستبدل نفطه الخام بالوصول إلى المياه التركية. لكن البلدين على خلاف منذ زمن طويل: إذ تؤكد تركيا أن المياه عابرة للحدود وتُشدّد على موقعها في أعالي النهر كوسيلة للسيطرة، بينما يُصرّ العراق على أن المياه دولية ويجب تقاسمها بشكل عادل بين جميع الدول المطلة عليها. ولم تناقش مكاتب التفاوض هذه النقطة الخلافية أثناء صياغة مذكرة التفاهم.
كما يُهدّد اقتصاد العراق المتقلب بطبيعته، والمعتمد على النفط، تنفيذ الاتفاق وأمن البلاد المائي. إن اعتماد العراق على عائدات النفط يعني أنه في حال عجزه عن إيداع الأموال في صندوق العراق-تركيا الخاص بالمشروع، فسيواجه صعوبة في تمويل أنظمة البنية التحتية للمياه المتعاقد عليها مع تركيا. تُعدّ احتياطيات النفط المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد، وأي نقص فيها، كعدم كفاية الإنتاج أو انخفاض أسعار النفط أو تأخير تحصيل الإيرادات، يُهدد بشكل مباشر استدامة هذه الأنظمة. ورغم أن مذكرة التفاهم الأخيرة مع تركيا تُعتبر مكسبًا استراتيجيًا على الورق، إلا أنها لم تُفعّل بعد، واحتياطيات النفط العراقية محدودة.
لقد بلغت أزمة المياه في العراق مستوى حالة الطوارئ الوطنية، مما يستدعي اتخاذ إجراءات سياسية فورية ومنسقة. يوفر إطار التعاون المائي بين العراق وتركيا فرصة حاسمة لتحقيق استقرار مستقبل المياه في البلاد، لكن نجاحه يتوقف على تشكيل حكومة في الوقت المناسب ونموذج اقتصادي مستقر. على المدى القريب، يجب على المسؤولين الإسراع في الموافقة على الاتفاقية، والشروع في إصلاحات مُوجّهة لقطاع الري في المناطق الأكثر معاناة من شح المياه، وخفض دعم المياه المرتبط بالإفراط في الاستهلاك. على المدى المتوسط ​​إلى الطويل، يتعين على العراق العمل على تنويع اقتصاده.
ومع اقتراب شهر أغسطس، فإن أي تأخير يزيد من خطر حدوث نقص حاد في المياه. وبدون اتخاذ إجراءات سريعة، من المرجح أن يواجه العراق استنزافًا خطيرًا لمخزونه المائي، مما سيؤدي إلى عواقب اقتصادية واجتماعية وخيمة.

Comments