بقلم نور عيد - باحثة في المجال النووي لدى مركز “Energy for Growth Hub” في واشنطن
من الدرع إلى الهدف: معضلة الأمن في الخليج
بغضّ النظر عن مآلات المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، من المرجّح أن تسارع دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، بما في ذلك فيما بينها، رغم وجود عقبات عديدة لا تزال قائمة.
على مدى عقود، بنت الدول العربية في الخليج سياساتها الدفاعية على أساس التحالف الوثيق مع واشنطن، مستثمرةً بشكل كبير في شراء الأسلحة، واستضافة القواعد العسكرية، والاندماج في نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة يهدف إلى حمايتها من التهديدات الخارجية، ولا سيما من إيران. ومع ذلك، لطالما راودت هذه الدول شكوك بشأن مدى فاعلية الحماية الأمريكية، وما إذا كان وجود القواعد الأمريكية في المنطقة يوفر لها الأمان أم يزيد من تعرضها للمخاطر. وقد سلط الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى الضوء على هذه المخاوف. فبرغم سعي دول مجلس التعاون لتجنب التصعيد، وجدت نفسها عرضة مباشرة لهجمات انتقامية استهدفت بنى تحتية حيوية بصواريخ وطائرات مسيّرة.
وبغض النظر عن نتائج المفاوضات، فإن ما يجري حالياً يمثل نقطة تحوّل تدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في أسس اعتمادها الاستراتيجي. ويؤكد هذا التقييم الحاجة إلى إطار دفاعي خليجي متجدد، رغم أن الديناميكيات القديمة جعلت هذا التنسيق صعباً في السابق. ومن المرجح أن تسعى هذه الدول إلى تسريع تنويع شراكاتها، وهو مسار بدأ بعد انتفاضات الربيع العربي. فعلى سبيل المثال، قد تعزز السعودية تعاونها مع تركيا في نقل التكنولوجيا وتطوير صناعتها الدفاعية المحلية. كما يُتوقع أن تزيد دول الخليج استثماراتها في أنظمة الدفاع الصاروخي، التي أثبتت فعاليتها خلال الحرب، وكذلك في سفن كاسحات الألغام، الضرورية للحد من قدرة إيران على التحكم في مضيق هرمز.
تآكل عقد الأمن
يرتكز الوضع الأمني الراهن لدول الخليج على شراكة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. لكن لحظة مفصلية وقعت في 14 سبتمبر/أيلول 2019، عندما استُهدفت منشآت النفط في بقيق وخريص بالسعودية. ورغم دقة الهجوم وحجمه، اعتُبر الرد الأمريكي ضعيفاً، ما أثار تساؤلات حول مدى استعداد واشنطن للرد الحازم حتى في حالات الصدمات الكبرى. ويبرز الصراع الحالي مع إيران ملامح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، إذ تبدو تحركات واشنطن متأثرة بشكل كبير بأولويات إسرائيل، رغم محاولات دول الخليج المتكررة لتجنب حرب شاملة. وما كان يأمله قادة الخليج من ضبط أمريكي محسوب، خاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، أدى بدلاً من ذلك إلى انخراطهم في الصراع دون تشاور كافٍ أو استعداد مسبق.
نقاط ضعف البنية الدفاعية الخليجية
تأسس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 في ظل حرب إيران والعراق، بهدف تنسيق السياسات السياسية والاقتصادية والأمنية بين الدول الست. وكانت المخاوف الأمنية حاضرة منذ البداية، إذ رأت دول الخليج في طموحات إيران تهديداً وجودياً.
وفي عام 1984، أُنشئت قوة درع الجزيرة كقوة عسكرية مشتركة قوامها 5000 جندي، بهدف حماية الدول الأعضاء. ورغم التدريبات المبكرة، لم تُلبَّ طلبات التدخل، مثل طلب الكويت تأمين حدودها، بسبب غياب التوافق. وكشفت حرب الخليج (1990-1991) المزيد من نقاط الضعف، حيث شاركت الدول الخليجية ضمن تحالف تقوده الولايات المتحدة، وليس ضمن إطار خليجي موحد. وفي 2011، تدخلت القوة في البحرين لمعالجة اضطرابات داخلية. وفي قمة العلا عام 2021، تم تحويلها إلى القيادة العسكرية الموحدة، مع التأكيد على أهمية تعزيز العمل الخليجي المشترك.
ومع ذلك، لم تتحول هذه المبادرات إلى كتلة عسكرية متماسكة قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية، إذ ظلت عملياتها محدودة، وتركّز التعاون غالباً على الأمن الداخلي.
كما أن دول الخليج لم تتفق بشكل كامل على تقييم التهديدات أو الأولويات الاستراتيجية، خاصة بين السعودية والإمارات، حيث تميل الرياض إلى الاستقرار والدبلوماسية، بينما تتبع أبوظبي نهجاً أكثر تدخلاً. وقد خففت الحرب الحالية من هذه التباينات مؤقتاً، لكنها مرشحة للعودة لاحقاً.
التحديات التقنية والاعتماد على الولايات المتحدة
إلى جانب الخلافات السياسية، تواجه دول الخليج تحديات تقنية عميقة، إذ تعتمد بشكل كبير على الأنظمة الدفاعية الأمريكية مثل THAAD وباتريوت وF-35، وهي أنظمة معقدة تتطلب دعماً فنياً مستمراً من الولايات المتحدة. كما أن هذه الأنظمة مرتبطة بشبكات قيادة وتحكم تعتمد على المعايير الأمريكية، ما يحد من قدرة دول الخليج على تشغيلها أو تطويرها بشكل مستقل.
حتى الجهود المحلية لتطوير الصناعات الدفاعية تبقى محدودة بسبب هذا الاعتماد التكنولوجي. فالمشاريع المحلية توفر هامشاً محدوداً من الاستقلال، لكنها لا تعوض عن البنية الكاملة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.
نحو مستقبل متنوع
بعد انتهاء الصراع، يُتوقع أن تسرّع دول الخليج جهود تنويع شراكاتها، بما في ذلك التعاون مع دول مثل كوريا الجنوبية وأوكرانيا. ومع ذلك، ستبقى الولايات المتحدة الشريك الدفاعي الرئيسي.
وقد تتجه دول مثل السعودية وتركيا ومصر، بالتعاون مع قطر وعُمان، إلى تشكيل إطار تعاون دفاعي يركز على تبادل التكنولوجيا والخبرات، وتعزيز الصناعات الدفاعية المحلية. كما يمكن للسعودية مثلاً التعاون مع تركيا في مشاريع متقدمة مثل الطائرة المقاتلة "KAAN".
في الوقت ذاته، ستواصل دول الخليج الاستثمار في قدرات عملية مثل الدفاع الصاروخي وكاسحات الألغام، لحماية نقاط الاختناق الحيوية مثل مضيق هرمز، والتعامل مع التهديدات غير المتكافئة.
في النهاية، لم يعد بالإمكان تجاهل الحاجة إلى إعادة التفكير في النموذج الأمني القائم. فدول الخليج مطالبة باستكشاف بدائل، وتعزيز التعاون الداخلي، وبناء شراكات توفر عمقاً عملياً وقدرة صناعية، بما يضمن لها مرونة أكبر في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
على مدى عقود، بنت الدول العربية في الخليج سياساتها الدفاعية على أساس التحالف الوثيق مع واشنطن، مستثمرةً بشكل كبير في شراء الأسلحة، واستضافة القواعد العسكرية، والاندماج في نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة يهدف إلى حمايتها من التهديدات الخارجية، ولا سيما من إيران. ومع ذلك، لطالما راودت هذه الدول شكوك بشأن مدى فاعلية الحماية الأمريكية، وما إذا كان وجود القواعد الأمريكية في المنطقة يوفر لها الأمان أم يزيد من تعرضها للمخاطر. وقد سلط الصراع الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى الضوء على هذه المخاوف. فبرغم سعي دول مجلس التعاون لتجنب التصعيد، وجدت نفسها عرضة مباشرة لهجمات انتقامية استهدفت بنى تحتية حيوية بصواريخ وطائرات مسيّرة.
وبغض النظر عن نتائج المفاوضات، فإن ما يجري حالياً يمثل نقطة تحوّل تدفع دول الخليج إلى إعادة النظر في أسس اعتمادها الاستراتيجي. ويؤكد هذا التقييم الحاجة إلى إطار دفاعي خليجي متجدد، رغم أن الديناميكيات القديمة جعلت هذا التنسيق صعباً في السابق. ومن المرجح أن تسعى هذه الدول إلى تسريع تنويع شراكاتها، وهو مسار بدأ بعد انتفاضات الربيع العربي. فعلى سبيل المثال، قد تعزز السعودية تعاونها مع تركيا في نقل التكنولوجيا وتطوير صناعتها الدفاعية المحلية. كما يُتوقع أن تزيد دول الخليج استثماراتها في أنظمة الدفاع الصاروخي، التي أثبتت فعاليتها خلال الحرب، وكذلك في سفن كاسحات الألغام، الضرورية للحد من قدرة إيران على التحكم في مضيق هرمز.
تآكل عقد الأمن
يرتكز الوضع الأمني الراهن لدول الخليج على شراكة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. لكن لحظة مفصلية وقعت في 14 سبتمبر/أيلول 2019، عندما استُهدفت منشآت النفط في بقيق وخريص بالسعودية. ورغم دقة الهجوم وحجمه، اعتُبر الرد الأمريكي ضعيفاً، ما أثار تساؤلات حول مدى استعداد واشنطن للرد الحازم حتى في حالات الصدمات الكبرى. ويبرز الصراع الحالي مع إيران ملامح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، إذ تبدو تحركات واشنطن متأثرة بشكل كبير بأولويات إسرائيل، رغم محاولات دول الخليج المتكررة لتجنب حرب شاملة. وما كان يأمله قادة الخليج من ضبط أمريكي محسوب، خاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، أدى بدلاً من ذلك إلى انخراطهم في الصراع دون تشاور كافٍ أو استعداد مسبق.
نقاط ضعف البنية الدفاعية الخليجية
تأسس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 في ظل حرب إيران والعراق، بهدف تنسيق السياسات السياسية والاقتصادية والأمنية بين الدول الست. وكانت المخاوف الأمنية حاضرة منذ البداية، إذ رأت دول الخليج في طموحات إيران تهديداً وجودياً.
وفي عام 1984، أُنشئت قوة درع الجزيرة كقوة عسكرية مشتركة قوامها 5000 جندي، بهدف حماية الدول الأعضاء. ورغم التدريبات المبكرة، لم تُلبَّ طلبات التدخل، مثل طلب الكويت تأمين حدودها، بسبب غياب التوافق. وكشفت حرب الخليج (1990-1991) المزيد من نقاط الضعف، حيث شاركت الدول الخليجية ضمن تحالف تقوده الولايات المتحدة، وليس ضمن إطار خليجي موحد. وفي 2011، تدخلت القوة في البحرين لمعالجة اضطرابات داخلية. وفي قمة العلا عام 2021، تم تحويلها إلى القيادة العسكرية الموحدة، مع التأكيد على أهمية تعزيز العمل الخليجي المشترك.
ومع ذلك، لم تتحول هذه المبادرات إلى كتلة عسكرية متماسكة قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية، إذ ظلت عملياتها محدودة، وتركّز التعاون غالباً على الأمن الداخلي.
كما أن دول الخليج لم تتفق بشكل كامل على تقييم التهديدات أو الأولويات الاستراتيجية، خاصة بين السعودية والإمارات، حيث تميل الرياض إلى الاستقرار والدبلوماسية، بينما تتبع أبوظبي نهجاً أكثر تدخلاً. وقد خففت الحرب الحالية من هذه التباينات مؤقتاً، لكنها مرشحة للعودة لاحقاً.
التحديات التقنية والاعتماد على الولايات المتحدة
إلى جانب الخلافات السياسية، تواجه دول الخليج تحديات تقنية عميقة، إذ تعتمد بشكل كبير على الأنظمة الدفاعية الأمريكية مثل THAAD وباتريوت وF-35، وهي أنظمة معقدة تتطلب دعماً فنياً مستمراً من الولايات المتحدة. كما أن هذه الأنظمة مرتبطة بشبكات قيادة وتحكم تعتمد على المعايير الأمريكية، ما يحد من قدرة دول الخليج على تشغيلها أو تطويرها بشكل مستقل.
حتى الجهود المحلية لتطوير الصناعات الدفاعية تبقى محدودة بسبب هذا الاعتماد التكنولوجي. فالمشاريع المحلية توفر هامشاً محدوداً من الاستقلال، لكنها لا تعوض عن البنية الكاملة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.
نحو مستقبل متنوع
بعد انتهاء الصراع، يُتوقع أن تسرّع دول الخليج جهود تنويع شراكاتها، بما في ذلك التعاون مع دول مثل كوريا الجنوبية وأوكرانيا. ومع ذلك، ستبقى الولايات المتحدة الشريك الدفاعي الرئيسي.
وقد تتجه دول مثل السعودية وتركيا ومصر، بالتعاون مع قطر وعُمان، إلى تشكيل إطار تعاون دفاعي يركز على تبادل التكنولوجيا والخبرات، وتعزيز الصناعات الدفاعية المحلية. كما يمكن للسعودية مثلاً التعاون مع تركيا في مشاريع متقدمة مثل الطائرة المقاتلة "KAAN".
في الوقت ذاته، ستواصل دول الخليج الاستثمار في قدرات عملية مثل الدفاع الصاروخي وكاسحات الألغام، لحماية نقاط الاختناق الحيوية مثل مضيق هرمز، والتعامل مع التهديدات غير المتكافئة.
في النهاية، لم يعد بالإمكان تجاهل الحاجة إلى إعادة التفكير في النموذج الأمني القائم. فدول الخليج مطالبة باستكشاف بدائل، وتعزيز التعاون الداخلي، وبناء شراكات توفر عمقاً عملياً وقدرة صناعية، بما يضمن لها مرونة أكبر في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
الأكثر قراءة
1
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
2
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
3
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
4
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
5
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
6
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
7
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
8
Comments