ميليا إسبير من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي
سوريا على حافة أزمة شح المياه: تغيّر المناخ، الجفاف، وتهديد الأمن الغذائي
في السنوات الأخيرة، دخلت سوريا مرحلة من الإجهاد البيئي الحاد، حيث أصبح الجفاف ليس مجرد ظاهرة موسمية، بل قوة حاسمة ومزعزعة للاستقرار تُشكّل الحياة اليومية في البلاد. لقد حوّلت مواسم الهطول المطري في عامي 2024 و2025 الجفاف من مشكلة مناخية متكررة إلى أزمة مركزية وعاجلة تهدد أسس الحياة في جميع أنحاء البلاد.
أدى الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، إلى جانب الانخفاض الكبير في الأمطار والثلوج، إلى استنزاف حاد في الموارد المائية، مع انعكاسات مباشرة على الزراعة وإنتاج الثروة الحيوانية وإمكانية الوصول إلى مياه الشرب الآمنة. بالإضافة إلى ذلك، وصلت العديد من السدود إلى ما يصفه الخبراء بمستويات “التخزين الميت” في محافظات مثل درعا ودير الزور. وفي الوقت نفسه، أدى الجفاف غير المسبوق لنهر العاصي إلى تحذيرات عاجلة من أزمة مياه وطنية وشيكة.
يطرح هذا الوضع سؤالاً تحليلياً أساسياً: هل تعكس الأزمة الحالية في سوريا مجرد نقص في معدل الهطول المطري، أم أنها تشير إلى تحول أعمق في العلاقة بين النظم المناخية والموارد الطبيعية والأمن الغذائي؟
تشير الأدلة الحالية إلى أن الأزمة لا يمكن فهمها كاستثناء أو تقلب مؤقت. فقد أدت ثلاث موجات جفاف كبرى بين 2006 و2021 إلى استنزاف نحو 60% من احتياطيات المياه الجوفية في شمال شرق سوريا، في حين توسعت ظاهرة التصحر لتشمل نحو 73% من مساحة البلاد. ومع استمرار تراجع الغطاء النباتي وازدياد حرائق الغابات نتيجة الجفاف الطويل، تبدو سوريا في طور تحول بيئي واقتصادي عميق قد يعيد تشكيل النظم الزراعية ويزيد من هشاشة المجتمعات الريفية.
يمثل الجفاف تقاطع ثلاث ديناميكيات مترابطة: التغير المناخي، واستنزاف الموارد، والقدرة المؤسسية المحدودة على الإدارة الفعالة.
يبحث هذا المقال في كيفية تجلّي تغيّر المناخ في سوريا من خلال مجموعة من العمليات المترابطة، بدءاً من انخفاض وهشاشة أنماط الهطول المطري، وتدهور موارد المياه السطحية في السدود، واستنزاف المياه الجوفية. وقد أدت هذه التطورات إلى اضطرابات شديدة في القطاع الزراعي، وخاصة في إنتاج القمح، الذي يُعد ركيزة استراتيجية للأمن الغذائي الوطني. كما يتناول التحليل تصاعد حرائق الغابات، وتقلص الغطاء الحرجي، وتوسع التصحر في مساحات واسعة من البلاد، وتأثير ذلك على جودة التربة والمراعي وإنتاج الثروة الحيوانية. كما يقيم الآثار الأوسع لهذه الديناميكيات — بوصفها امتداداً لأزمة المناخ المستمرة — على الأمن الإنساني في سوريا.
بدلاً من التعامل مع هذه التطورات كقائمة من “آثار المناخ”، يعتمد المقال إطاراً تحليلياً يعتبرها مكونات لنظام ذاتي التعزيز. ضمن هذا النظام، يؤدي شح المياه إلى تسريع تدهور التربة؛ والتربة المتدهورة تقلل الإنتاج الزراعي؛ وانخفاض الإنتاج بدوره يزيد الضغط على الموارد الطبيعية المحدودة، مما يعمّق الأزمة ويعيد إنتاجها.
من المهم أيضاً وضع هذه الأزمة البيئية في سياقها السياسي والاجتماعي الأوسع. فقد أدت الحرب الممتدة منذ عام 2011 إلى تدمير البنية التحتية للمياه والزراعة بشكل كبير، كما قيدت قدرة الدولة على الاستجابة الفعالة وتنفيذ حلول مستدامة وتعزيز إدارة الموارد. ضمن هذا الإطار، يناقش المقال دور المؤسسات السورية والمنظمات الدولية ذات الصلة في التعامل مع الأزمة، ومدى كفاية السياسات الحالية لمنع تحول سوريا تدريجياً من بلد يتمتع بالاكتفاء النسبي إلى بلد يعتمد بشكل متزايد على الاستيراد ويصبح أقل قدرة على تأمين احتياجاته من المياه والغذاء.
أنماط الأمطار في سوريا: من الانتظام الموسمي إلى التذبذب المتزايد والندرة:
صرّح حسن جرادي، خبير الأرصاد الجوية في الهيئة العامة للأرصاد الجوية السورية، في مقابلة مع مجلة سَدى، أن تغيّر المناخ لعب دوراً مهماً في تغيير التوزيع الزماني والمكاني لأنماط الأمطار في سوريا، مما أثر على مستويات الهطول، ووسّع المناطق الجافة، وزاد من شح المياه وارتفاع درجات الحرارة. وأشار إلى أن موسم 2024–2025 يُعد من أشد المواسم في السنوات الأخيرة، حيث انخفضت الأمطار بنحو 60% تحت المعدل السنوي.
لم تعد الأمطار تتوزع ضمن دورة موسمية مستقرة وقابلة للتنبؤ، بل أصبحت غير منتظمة ومتقطعة، مما أعاد تشكيل مفهوم “الموسم المطري” في سوريا.
كما أكد جرادي أن التغيرات في أنماط الأمطار — بما في ذلك انخفاض العواصف الشتوية ذات المنشأ القطبي وزيادة الفترات الانتقالية بين الفصول — تُعد مثيرة للقلق بشكل خاص. وشدد على أن تركز الهطول الغزير في فترات زمنية قصيرة يمثل أحد أكثر أنماط الأمطار إشكالية.
ذلك لأنه يحول المطر من “عنصر بيئي مستقر” إلى عامل ضغط إضافي. إن الخلل الزمني المتزايد في الهطول يعني أن سطح الأرض لم يعد قادراً على امتصاص المياه تدريجياً والاحتفاظ بها، بل يتعرض لدفعات مطرية قصيرة وشديدة تولد جرياناً سطحياً بدلاً من التغذية الجوفية.
ينتج عن هذا التحول سلسلة من الآثار البيئية، بما في ذلك زيادة تآكل التربة، وتراجع خصوبتها، وارتفاع معدلات الفيضانات، وانتشار الأمراض المرتبطة بالتربة، واختناق الجذور بسبب التشبع المفرط بالمياه. كما يساهم في تدهور جودة المياه الجوفية نتيجة انتقال الملوثات السطحية إلى الطبقات الجوفية خلال الجريان السطحي.
وأضاف جرادي أن الغطاء الثلجي في جبال الشيخ يتراجع بمعدل 0.7% سنوياً. وأوضح أن نقص الثلوج يزيد الضغط على الموارد الجوفية التي تعد مصدراً أساسياً لتغذية أحواض دمشق واليرموك.
السدود وإدارة أزمة المياه: عجز هيكلي وجهود التكيف:
في تصريح خاص لمجلة سَدى، قال أحمد كوان، مدير الهيئة العامة للموارد المائية السورية، إن تغير المناخ وتراجع الأمطار والثلوج أثرا سلباً على خزانات السدود في جميع المحافظات، وخاصة في الجنوب. وأشار إلى أن هذه الضغوط طالت منظومة السدود التي تضم 164 سداً، منها 161 سداً تُدار من قبل الهيئة، بسعة تخزين إجمالية تبلغ نحو 2.9 مليار متر مكعب.
لكن هذه الأرقام لا تعكس مجرد انخفاض في السعة التخزينية، بل تشير إلى اضطراب أساسي في الدور الوظيفي للسدود داخل النظام المائي الوطني. فبدلاً من أن تكون بنية تحتية لتنظيم الفائض الموسمي، أصبحت مؤشراً على فشل مزمن في إعادة تغذية النظام المائي.
وأوضح كوان أن مستويات التخزين انخفضت إلى نسب حرجة في عدة محافظات، منها دمشق (1%)، درعا (0%)، السويداء (13%)، القنيطرة (4%)، حمص (20%)، حماة (10%)، إدلب (2%)، حلب (37%)، الحسكة (10%)، الرقة (0%)، دير الزور (0%)، طرطوس (27%)، اللاذقية (32%).
تشير هذه التباينات إلى أن الأزمة لم تعد موحدة، بل أصبحت جغرافيا غير متساوية من الشح، حيث تحولت بعض المناطق إلى مناطق استنزاف شبه كامل، بينما تعاني أخرى من انخفاض تدريجي ومستمر.
كما أوضح كوان أن القطاع الزراعي يستهلك نحو 88% من الموارد المائية، مقابل 9% لمياه الشرب، و3% لبقية القطاعات، ما يجعل أي خلل في المياه ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي.
على حافة الأزمة: شح المياه والتخطيط الاستراتيجي:
حذّر أحمد درويش، المدير العام للمؤسسة العامة للمياه، من أن سوريا قد تواجه أزمة مياه حادة إذا استمرت معدلات الهطول في الانخفاض. وأشار إلى أن المؤسسة تعمل مع وزارة الطاقة على خطة استراتيجية لتأمين مصادر مياه مستدامة، تشمل تحلية مياه البحر.
وأوضح أن المشروع يتطلب خمس سنوات للتنفيذ وتكلفة تتجاوز خمسة مليارات دولار، نظراً لتعقيداته.
وأضاف أن دمشق وريفها يحتاجان إلى مليون متر مكعب من مياه الشرب يومياً، بينما لا يتم توفير سوى 60% من هذه الكمية.
وأشار إلى أن التغير المناخي وفقدان مصادر المياه خلال سنوات الحرب هما أبرز التحديات.
كما لفت إلى إمكانية توفير كميات كبيرة من المياه عبر ترشيد الاستهلاك، موضحاً أنه إذا وفّر كل مشترك في المؤسسة لتر ماء واحد يومياً، يمكن توفير 1.2 مليون لتر يومياً.
استنزاف المياه الجوفية والتصحر:
قال الدكتور يونس إدريس إن شمال وشرق سوريا شهدا انخفاضاً في الأمطار بنسبة 40% خلال العقدين الماضيين، مع ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية.
وانخفضت المياه الجوفية بنسبة 60%، وجفّ نحو 50% من الآبار التقليدية في ريف حلب والحسكة. كما تقلصت الغابات بنسبة 20%، وارتفعت نسبة التصحر إلى نحو 80% من مساحة البلاد.
وقد أدى ذلك إلى خروج 400 ألف هكتار من الإنتاج، وانخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 40% في دير الزور والرقة، ونزوح نحو مليوني شخص من الريف إلى المدن.
كما تدهورت خصوبة التربة، وارتفعت الملوحة بنسبة 25%، وانخفضت المادة العضوية، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 30%.
وحذر من احتمال ارتفاع الحرارة بمقدار درجتين إضافيتين بحلول 2050، ما قد يؤدي إلى فقدان نصف الأراضي الزراعية المتبقية.
التصحر كأزمة هيكلية:
أكد الدكتور نصر الدين العبيد أن سوريا من أكثر الدول العربية عرضة للتصحر، حيث تتراوح نسبة الأراضي المتأثرة بين 55% و60%.
وأشار إلى أن المساحة الكلية لسوريا تبلغ 185,180 كم²، وأن نحو 73% من الأراضي متأثرة بدرجات مختلفة من التصحر.
كما أوضح أن التصحر يهدد الأمن الغذائي عبر تقليص الإنتاج الزراعي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، ويزيد الضغط على المياه والتربة والغطاء النباتي.
القمح والأمن الغذائي:
تواجه سوريا عجزاً قدره 2.7 مليون طن من القمح بسبب الجفاف في 2024–2025.
القمح ليس مجرد محصول، بل عنصر أساسي في الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
كما انخفض إنتاج القمح بنسبة 20% خلال 30 عاماً، وتراجعت زراعة الزيتون بنسبة 50% خلال 20 عاماً.
الأمن الإنساني:
يمتد تأثير الأزمة إلى المياه والصحة والهجرة الداخلية. فقد أدى نقص المياه إلى تدهور الإمدادات المنزلية وزيادة الملوحة والتلوث.
كما أدى تدهور الإنتاج الزراعي إلى زيادة الهجرة من الريف إلى المدن، ما يفاقم الضغط على الخدمات الحضرية.
الخاتمة:
تؤكد الأدلة أن تغير المناخ في سوريا ليس ظاهرة موسمية، بل عامل بنيوي يعيد تشكيل الموارد الطبيعية والقطاعات الحيوية، وخاصة المياه والزراعة.
ويتطلب ذلك استراتيجية وطنية متكاملة تشمل إدارة المياه، تحسين كفاءة الري، التوسع في إعادة استخدام المياه، مكافحة التصحر، وتطوير الزراعة المقاومة للجفاف، إلى جانب التعاون الإقليمي.
بدون ذلك، قد يتحول الجفاف من أزمة متكررة إلى حالة دائمة تعيد تشكيل الاقتصاد السوري والبنية السكانية.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments