بقلم: إدوارد ليمون وبرادلي جاردين - ترجمة المعهد العراقي للحوار
إعادة ترتيب آسيا الوسطى: التسلسل الهرمي الاقتصادي الناشئ للصين
مقدمة
طوال معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، صُنفت آسيا الوسطى كمنطقة تنسيق صيني-روسي، تم تأطيرها مؤسسياً عبر منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، وبدعم من تقسيم ضمني للعمل: حيث قدمت روسيا الأمن، ووفرت الصين رأس المال المتبادل المنفعة. ومع ذلك، فإن هذا التقسيم، الذي كان تبسيطاً مفرطاً لأدوارهما، بدأ يتلاشى بسرعة منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022.
ومنذ ذلك الحين، سرعت بكين استراتيجيتها للتوحيد الاقتصادي والتكنولوجي التي تهمش موسكو بشكل متزايد—ليس من خلال المواجهة، ولكن عبر خلق "وفرة هيكلية". وبدلاً من الإدارة المشتركة للمنطقة مع روسيا، تعمل الصين الآن على بناء ممرات موازية، وتبعيات تكنولوجية، وهياكل تجارية تجعل آسيا الوسطى أقل اعتماداً تدريجياً على موسكو.
يمكن فهم المصالح الاقتصادية الأساسية للصين في آسيا الوسطى على أنها جهد متعدد الطبقات لتأمين الربط البري، والوصول إلى الموارد الحيوية، وإعادة تشكيل الهياكل الاقتصادية الإقليمية لدعم مسارها الاستراتيجي الأوسع. وتعمل المنطقة كممر حيوي يربط المقاطعات الغربية للصين، وخاصة شينجيانغ، بالأسواق في أوروبا والشرق الأوسط، مما يقلل الاعتماد على الطرق البحرية الضعيفة.
وفي الوقت نفسه، توفر آسيا الوسطى مصادر هامة للطاقة والمعادن الحيوية، حيث تلعب خطوط الأنابيب من كازاخستان وتركمانستان دوراً رئيسياً في تنويع واردات الصين من الهيدروكربونات. وبالإضافة إلى العبور والاستخراج، سعت بكين لترسيخ نفسها داخل الاقتصادات المحلية من خلال تمويل البنية التحتية، ونقل الصناعات، والربط الرقمي. والنتيجة هي نمط متزايد من التكامل الاقتصادي الذي يعيد تشكيل ميزان النفوذ عبر آسيا الوسطى.
سيبدأ التقرير بتقييم مدى التراجع الاقتصادي النسبي لروسيا في آسيا الوسطى وفحص العوامل الهيكلية التي قد تحد من أي انتعاش ذي معنى. وبينما تحتفظ موسكو بروابط تاريخية وأمنية وثقافية مهمة، فإن بصمتها الاقتصادية قد ضعفت مقارنة بالصين. وتسلط التحليلات الضوء على كيف قلل رأس المال المحدود والقيود التكنولوجية من قدرة روسيا على المنافسة.
الصعود الاقتصادي للصين في آسيا الوسطى
بعد عام 1991، احتكرت روسيا التجارة مع الجمهوريات السوفيتية السابقة، ولكن بمرور الوقت تآكل هذا الاحتكار؛ فبحلول عام 2015، انخفضت التجارة مع روسيا إلى 16% من الإجمالي الإقليمي. ورغم وصول التجارة مع روسيا إلى 51 مليار دولار في عام 2025 (19% من التجارة الخارجية للمنطقة)، إلا أن هذا الارتفاع مرتبطة بظروف الحرب في أوكرانيا، ومن المتوقع أن ينخفض بحدة حال رفع العقوبات.
في المقابل، سجلت التجارة بين آسيا الوسطى والصين في عام 2025 مستوى قياسياً بلغ 106.3 مليار دولار. وتعد كازاخستان الشريك الأكبر لبكين بـ 48.7 مليار دولار. والصين هي الشريك التجاري الأول لكل من الجمهوريات الخمس في المنطقة. وتبرز تباينات بين الأرقام الرسمية، خاصة في قرغيزستان، حيث يُعتقد أن الأرقام تحاول التغطية على عمليات تهريب واسعة للبضائع الصينية إلى روسيا عبر أراضيها للالتفاف على العقوبات. ففي عام 2022 وحده، شهدت قرغيزستان زيادة في صادرات "المفاعلات النووية والآلات" بنسبة 41,105%.
وعلى صعيد الاستثمار، تعمل أكثر من 11,000 مؤسسة برأس مال صيني في المنطقة بإجمالي استثمارات يبلغ 36 مليار دولار. وتستحوذ كازاخستان على 11.4 مليار دولار منها. كما ارتفع الاستثمار الصيني في أوزبكستان ليصل إلى 10.7 مليار دولار في عام 2025، مشكلاً 40% من إجمالي التمويل الخارجي للبلاد. ومع ذلك، ارتفعت الديون بشكل مقلق؛ إذ تدين قرغيزستان بـ 30% من ديونها الخارجية لبنك "إكسيم" الصيني، وأكثر من الربع في حالة طاجيكستان.
السيطرة على المنابع والتكامل الصناعي
تعد آسيا الوسطى من أغنى مناطق العالم بالمعادن الحيوية، وتسعى بكين لتأمين مدخلات سلاسل التوريد لصناعاتها وانتقال الطاقة. كازاخستان هي القوة العالمية في هذا المجال بـ 5,000 من الرواسب المعدنية بقيمة 46 تريليون دولار. وفي قطاع اليورانيوم، تسيطر الصين الآن على ما يقرب من 60% من الإنتاج الكازاخستاني المستقبلي، متجاوزة الهيمنة الروسية التاريخية.
تمتلك دول أخرى ثروات هامة: تسيطر الصين على 75% من إنتاج الذهب في طاجيكستان، وتعمل أكثر من 100 شركة بمشاركة صينية في قطاع التعدين في قرغيزستان. كما أعلنت أوزبكستان في مارس 2025 عن مبادرة بقيمة 2.6 مليار دولار لتطوير مواردها المعدنية.
من الاستخراج إلى الإنتاج
تتحول علاقة الصين مع المنطقة إلى الإنتاج المحلي والتكامل الصناعي. يظهر ذلك في قطاع السيارات الكهربائية؛ حيث بدأ الإنتاج في مصنع بقيمة 160 مليون دولار لشركة BYD في أوزبكستان. كما تستثمر الصين في رأس المال البشري عبر "ورش لوبان" لتدريب العمال المحليين في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة وصيانة السيارات الكهربائية، مما يساعد المنطقة على الارتقاء في سلسلة القيمة ويعزز الاعتماد على المعايير التكنولوجية الصينية.
التكامل المالي
تسعى الصين لتوسيع استخدام الرنمينبي (اليوان) لتقليل الاعتماد على الدولار. وفي كازاخستان، أصدرت شركة "كاز موناي غاز" قروضاً بقيمة 1.25 مليار يوان في عام 2025. كما يخطط بنك التنمية الكازاخستاني لإصدار سندات "باندا" بقيمة 500 مليون دولار في عام 2026. ورغم هذا النمو، لا يزال اليوان يمثل 5% فقط من مبيعات العملات الأجنبية في كازاخستان مقارنة بـ 75% للدولار.
الطاقة والبنية التحتية
تعكس مشاركة الصين في قطاع الطاقة جهداً مستداماً لإعادة توجيه تدفقات الموارد شرقاً. بدأ هذا بخط أنابيب النفط (2009) وخط أنابيب الغاز الذي جعل تركمانستان من أكبر موردي الغاز لبكين بسعة 85 مليار متر مكعب سنوياً. كانت روسيا المشتري الأول للغاز التركماني حتى عام 2010، عندما أدى افتتاح خط الأنابيب الصيني وانفجار فني في الخط الروسي إلى تحول المركز التجاري للغاز بشكل نهائي نحو الصين.
الخلاصة: إن آسيا الوسطى تشهد إعادة تنظيم هيكلية تجعل من الصين القوة المركزية والمحرك الاقتصادي الأول، محولةً نفوذ روسيا إلى دور ثانوي وتاريخي.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments