أ.م.د. عباس فاضل علوان - جامعة الكوفة – كلية العلوم السياسية
جيوسياسية الارتهان النقدي وأثر القيود المالية الأمريكية على السيادة العراقية


المقدمة
يمثل المشهد الاقتصادي العراقي المعاصر حالة استثنائية في العلاقات المالية الدولية، حيث ترسم التوازنات بين السيادة الوطنية والوصاية المالية الخارجية ملامح مستقبل البلاد، اذ منذ عام 2003 لم تكن الأموال العراقية مجرد أرقام في حسابات مصرفية بل تحولت إلى شريان حياة يمر عبر مصفاة بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، حيث إن مبيعات (الذهب الأسود) التي تنطلق من أرصفة البصرة لا تنتهي عوائدها في خزائن بغداد بل تستقر في قلب مانهاتن لتخضع هناك لرقابة مشددة وإجراءات لا تترك مجالاً كبيراً للمناورة السياسية أو الاقتصادية، هذا الترتيب المالي الذي ولد من رحم قرارات مجلس الأمن والأوامر التنفيذية الأمريكية منح المؤسسات الاستثمارية والمالية العالمية نفوذاً طاغياً في توجيه مسارات الاقتصاد العراقي مما جعل (حلم السيادة المالية) رهيناً لتوافقات المصالح الجيوسياسية وإملاءات المؤسسات النقدية الكبرى .
تسعى هذه الورقة إلى تحليل أبعاد هذا الارتهان، وكيف تساهم الهيمنة البنيوية للفيدرالي الأمريكي، مدعومة بسياسات صندوق النقد والبنك الدوليين، في هندسة المسار المالي للعراق وتحديد خياراته التنموية.
أولاً: الجذور البنيوية للوصاية المالية ومنطق الحماية المقيدة
لا يمكن قراءة واقع الأموال العراقية اليوم دون العودة إلى لحظة التأسيس في عام 2003، حين رسم قرار مجلس الأمن رقم 1483 الملامح الأولى لنظام الإيداع الإلزامي، لقد أوجب هذا القرار إيداع كافة عائدات تصدير النفط والغاز في حساب خاص يسمى (صندوق تنمية العراق) لدى المصرف الفيدرالي الأمريكي، وكان الغرض المعلن هو حماية هذه الأموال من مطالبات التعويضات الناتجة عن سياسات النظام السابق، حيث تلا ذلك صدور الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 13303 الذي اصدره الرئيس الامريكي الاسبق (جورج دبليو بوش) والذي منح هذه الأموال حصانة قانونية شاملة ضد أي حجز أو مصادرة في المحاكم الأمريكية، وهو إجراء ظل يجدد سنوياً من قبل الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين وصولاً إلى الوقت الراهن، ورغم أن هذا النظام وفر للعراق (درعاً قانونياً) في مرحلة حرجة، إلا أنه أسس لحالة من التبعية المالية المطلقة فالحصانة التي بدأت كحماية تحولت بمرور الوقت إلى أداة للسيطرة، حيث أصبحت الولايات المتحدة عبر الفيدرالي تمتلك مفاتيح السيولة النقدية للدولة العراقية وتتحكم في حجم وتوقيت تحويل الأموال إلى البنك المركزي العراقي، اذ إن بقاء الأموال في مانهاتن يعني أن المورد المالي الأساسي للبلاد الذي يشكل أكثر من 90% من الموازنة يقع تحت مجهر الرقابة الخارجية المستمرة، مما يمنح الإدارة الأمريكية والمنظمات الدولية قدرة فائقة على توجيه القرار السياسي العراقي عبر البوابة المالية.
ثانياً: هندسة الاقتصاد العراقي عبر إملاءات الصندوق والبنك الدوليين
تجاوز نفوذ الولايات المتحدة الامريكية حدود الرقابة التقنية ليصل إلى (هندسة) هيكلية الاقتصاد الوطني العراقي، فمنذ عام 2004 أُلزم العراق بالانخراط في سلسلة من الاتفاقيات مع صندوق النقد والبنك الدوليين مثل (اتفاقية المساندة) وبرامج (المساعدات ما بعد النزاعات)، اذ كانت هذه الاتفاقيات تمثل (الوصفة الجاهزة) لإعادة تشكيل الاقتصاد العراقي وفق المنظور الليبرالي الرأسمالي، لقد اشترطت هذه المؤسسات تنفيذ إصلاحات قاسية مقابل جدولة الديون الخارجية ضمن نادي باريس، حيث شملت رفع الدعم عن المنتجات النفطية وتقليص الإنفاق الحكومي وخصخصة مؤسسات القطاع العام، وتعديل قوانين الاستثمار لتلائم مصالح الاحتكارات المالية الكبرى.
هذا النفوذ السياسي - الاقتصادي حول العراق إلى ساحة لتطبيق نظريات السوق المفتوح دون مراعاة لخصوصية البيئة المحلية المنهكة بالحروب، وبدلاً من توجيه الأموال العراقية المودعة في الخارج نحو بناء قاعدة إنتاجية وطنية في الصناعة والزراعة تم توظيف القرار المالي لتعزيز ثقة الدائنين الدوليين، مما عمق من أزمة الاقتصاد الريعي الأحادي وجعل الموازنة العراقية رهينة لتوصيات هؤلاء اللاعبين الدوليين الذين يضعون استقرار النظام المالي العالمي فوق اعتبارات التنمية المحلية.
ثالثاً: ديناميكيات التحكم الجيوسياسي وتوظيف الدولار كسلاح ناعم
يتجلى أثر نفوذ وزارة الخزانة الأمريكية والفيدرالي في القدرة على توظيف تدفقات العملة الصعبة كأداة مباشرة للضغط الجيوسياسي، حيث إن مسار الأموال من نيويورك إلى بغداد يمر عبر مصفاة دقيقة تهدف إلى تقنين وصول العراق إلى أرصدته النقدية بذريعة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، هذا النفوذ ظهر بوضوح في الإجراءات التي شملت فرض عقوبات على عشرات المصارف العراقية وإنهاء نظام مزاد العملة التقليدي واستبداله بالمنصة الإلكترونية، هذه المنصة لم تكن مجرد إجراء تنظيمي بل كانت أداة لضمان عدم وصول الدولار إلى دول الجوار الخاضعة للعقوبات مثل إيران وسوريا، إن التحكم في مسارات الأموال يهدف إلى مزاحمة النفوذ الاقتصادي الإقليمي وضمان بقاء العراق ضمن المدار الأمني والسياسي الأمريكي، فأي تأخير في الموافقة على شحنات الدولار النقدي التي تصل جواً بمتوسط 250 إلى 500 مليون دولار لكل شحنة قد يؤدي إلى عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه ملايين الموظفين، مما يضع الاستقرار الاجتماعي والأمني في خطر دائم، وبذلك تحولت الأموال العراقية لدى الفيدرالي إلى آلية لتوجيه المواقف السياسية العراقية، مما يجعل استقلال القرار المالي العراقي حلماً يصطدم بواقع الهيمنة الأمريكية على نظام (سويفت) والتدفقات النقدية العالمية.
رابعاً: نفوذ شركات إدارة الأصول العالمية وأثر التلاعب بأسواق المال
لا يمكن فهم توجيه مسارات الأموال العراقية دون إدراك دور شركات إدارة الأصول العالمية التي تسيطر على الأسواق المالية الدولية، هذه المؤسسات العملاقة التي تدير سيولة تقدر بالتريليونات، تؤثر بشكل غير مباشر في قرارات الفيدرالي والمنظمات الدولية، عندما تستثمر احتياطيات العراق التي تجاوزت حاجز الـ 100 مليار دولار في سندات الخزانة الأمريكية أو أصول دولية أخرى فإنها تصبح جزءاً من كتلة السيولة العالمية التي تحركها هذه الشركات، اذ إن التوزيع الجغرافي والنوعي للاحتياطيات العراقية يتأثر بتوصيات تلك المؤسسات مما يعرض الثروة الوطنية لتقلبات الأسواق العالمية ومخاطر العقوبات الاقتصادية، حيث إن التحول التدريجي منذ عام 2016 نحو تنويع أماكن الإيداع في فرنسا وبريطانيا والصين، حيث بلغت النسبة خارج الولايات المتحدة نحو 64%، يمثل محاولة عراقية للهروب من المركزية الأمريكية لكنه في الوقت ذاته يزيد من حساسية العراق تجاه أي إجراءات عقابية قد تعزله عن النظام المالي العالمي، اذ إن شركات إدارة الأصول تساهم في تثبيت مركزية الدولار في تجارة النفط مما يجهض أي محاولة عراقية للتعامل بالعملات المحلية، ويبقي المسارات المالية تحت الرقابة اللصيقة لعمالقة المال في وول ستريت .
خامساً: بيئة الاستثمار المشوهة وفجوة الثقة في النظام المصرفي
ساهم نفوذ المؤسسات العالمية في خلق بيئة استثمارية مشوهة في العراق، حيث تنظر الشركات الدولية بحذر شديد إلى نظام مصرفي يقع تحت مقصلة العقوبات المستمرة، حيث إن حصر معظم الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط الاستخراجي هو نتيجة لسياسات المؤسسات الدولية التي ركزت على تحويل العراق إلى خزان للطاقة ومستهلك للسلع العالمية، اذ ان الأموال العراقية المودعة في الفيدرالي تظل معطلة عن أداء دورها التنموي حيث تستثمر في سندات بفوائد ضئيلة تخدم الاقتصاد الأمريكي أكثر مما تخدم العراق، في الوقت ذاته يواجه القطاع الخاص المحلي ما يعرف بـ (التزاحم المالي) حيث تؤدي السياسات المالية المفروضة والاعتماد الكلي على الدولار القادم من نيويورك إلى إضعاف قدرة المصارف المحلية على تمويل المشاريع الإنتاجية، إن هذا التناقض بين الخطاب الدولي الداعي للانفتاح والممارسات التي تقيد حرية التصرف في الأموال خلق فجوة كبيرة جعلت العراق ساحة للمقاولات قصيرة الأجل بدلاً من الاستثمارات الاستراتيجية طويلة الأمد، مما يعيق انتقال البلاد نحو اقتصاد السوق الحقيقي .
سادساً: التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للتبعية المالية
يلاحظ إن توجيه مسارات الأموال من الخارج له انعكاسات مباشرة وكارثية على حياة المواطن العراقي، فالاعتماد المطلق على الموافقة الأمريكية لإطلاق السيولة النقدية يضع الأمن الغذائي والدوائي تحت رحمة القرارات الخارجية، فعندما تفرض المؤسسات الدولية سياسات تقشفية لضمان سداد الديون فإن الفئات الهشة هي التي تدفع الثمن من خلال تآكل القوة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، اذ إن تقلبات سعر صرف الدينار المرتبطة بإجراءات الفيدرالي والخزانة الأمريكية أدت إلى صدمات تضخمية متلاحقة مما عمق الفقر والبطالة، وبذلك يتحول نفوذ المؤسسات العالمية من إطار (المساندة الفنية) إلى عبء اجتماعي يرهن ثروات البلاد ومستقبل أجيالها لخدمة استقرار نظام مالي عالمي لا يرى في العراق سوى مصدر رخيص للطاقة وحساب مصرفي ضخم، حيث إن غياب الإرادة السياسية الموحدة واستشراء الفساد في الداخل منح هذه المؤسسات الدولية المسوغ القانوني للاستمرار في فرض الوصاية تحت ذريعة حماية الأموال من الهدر أو التهريب .
سابعاً: تنويع الاحتياطات النقدية (إستراتيجية للمناورة والتحرر)
بدأ العراق في السنوات الأخيرة يدرك خطورة الارتهان الكلي للمصرف الفيدرالي الامريكي، مما دفعه إلى السعي لتبني سياسة تنويع الاحتياطات النقدية، حيث إن توزيع الأرصدة بين اليورو والذهب والعملات الأخرى وإيداعها في بنوك مركزية متعددة خارج الولايات المتحدة يمثل خطوة نحو تقليل المخاطر المرتبطة بالدولار، ومع ذلك فإن هذه المناورة تظل محدودة الأثر طالما أن عائدات النفط تُسعر وتُباع بالدولار حصراً، إن التحرر الحقيقي يتطلب بناء توافق وطني حول أولوية الاستقلال المالي وتشكيل تحالفات اقتصادية بديلة مع قوى صاعدة مثل الصين والاتحاد الأوروبي، حيث إن استخدام المنصات الدولية للمطالبة بإنهاء الوصاية المالية، خاصة بعد تسديد كامل تعويضات الكويت وخروج العراق من طائلة احكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة أصبح ضرورة ملحة، لكن السيادة لا تُمنح بقرارات ورقية بل تبنى من خلال تقوية المؤسسات المالية المحلية واعتماد تكنولوجيا الرقابة الحديثة لمكافحة الفساد لقطع الطريق على الحجج الدولية التي تُبرر استمرار الوصاية .
الخاتمة
ختاماً، إن أثر الارتهان والنفوذ السياسي – الاقتصادي للولايات المتحدة الامريكية في توجيه مسارات الأموال العراقية يمثل التحدي الأكبر لاستقلال الدولة في عصرنا الحالي، لقد تحولت الحماية الدولية إلى نظام وصاية بنيوي يمتد من أروقة الأمم المتحدة إلى حسابات الفيدرالي في نيويورك، مروراً ببرامج صندوق النقد والبنك الدوليين، اذ إن استعادة السيادة المالية تتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً يبدأ من إصلاح الداخل عبر كسر حلقة الاقتصاد الريعي المفرغة وأتمتة النظام المصرفي وإنشاء صندوق سيادي حقيقي يستثمر الفوائض النفطية في مشاريع تنموية استراتيجية بعيداً عن تقلبات السياسة الأمريكية، حيث إن الاختبار الحقيقي للدولة العراقية يكمن في مدى قدرتها على موازنة حاجتها للحماية القانونية الدولية مع رغبتها في استعادة قرارها المالي السيادي، اذ ان السيادة تبدأ من امتلاك الثروة وتكتمل بحرية التصرف بها لصالح الشعب العراقي، وضمان ألا تبقى مقدرات البلاد مجرد أرقام في دفاتر مانهاتن تُستخدم لتوجيه مسارات الدولة وفق أجندات لا تخدم سوى القوى المهيمنة على النظام المالي العالمي، إن طريق التحرر المالي طويل ومحفوف بالمخاطر، لكنه المسار الوحيد لضمان كرامة العراقيين واستقلال بلادهم الحقيقي .
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments