00:00:00
توقيت بغداد
2026مايو12
الثلاثاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

الكاتب: نيل كويليام زميل مشارك بالمعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)

كيف غيرت الحرب على ايران شكل الاستراتيجية السعودية: من هرمز والحوثيين إلى خروج الإمارات من منظمة أوبك

الناشر: المعهد الملكي للشؤون الدولية - تاريخ النشر: ١ أيار ٢٠٢٦

ترجمة: فيصل عبد اللطيف - المعهد العراقي للحوار

شكّلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تحديات جمّة للمملكة العربية السعودية، من بينها إغلاق مضيق هرمز، وتفاقم الخلاف مع الإمارات العربية المتحدة، وخروج الأخيرة من منظمة أوبك. كما دفعت هذه الحرب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى إعادة النظر في سياساته.

قبل عهد محمد بن سلمان، كانت السياسة السعودية بطيئة وتعتمد على التوافق، وكانت قابلة للتنبؤ إلى حد كبير. وقد حفّز ولي العهد البيئة الداخلية، وانتهج سياسة خارجية أكثر حزمًا، بل وغير متوقعة في بعض الأحيان، مما أدخل المملكة في مأزق.

إلا أن الحرب الإيرانية أبطأت مجددًا عملية صنع القرار في المملكة، حيث تعيد القيادة تقييم استراتيجيتها طويلة الأمد. وهي تدرك تمامًا أن نتيجة هذا الصراع، مهما كانت، ستحدد مستقبل المنطقة لعقدين على الأقل.

من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر

ليس من المستغرب أن يتركز تقييم المملكة العربية السعودية الآن على مضيق هرمز، الذي يمر عبره معظم صادراتها النفطية وغيرها من البضائع. على الرغم من إدراك المملكة منذ زمن طويل لمدى تعرضها للاضطرابات عند هذا الممر المائي الحيوي، إلا أن إغلاقه لفترة طويلة كان يُعتبر تاريخياً أمراً مستبعداً للغاية. وقد كشف هذا الإغلاق عن نقطة ضعف رئيسية، ليس فقط بالنسبة للتجارة، بل أيضاً لنجاح استراتيجية رؤية المملكة 2030.

والآن، بعد إغلاق مضيق هرمز مرة واحدة، سيبقى خطر تكرار ذلك قائماً. وهذا يُشكل تهديداً طويل الأمد لتدفقات التجارة السعودية وخطط التحول الاقتصادي. فالاضطرابات المتكررة أو المطولة ستؤثر سلباً على الإيرادات وثقة المستثمرين، وعلى قدرة المملكة على ترسيخ مكانتها كمركز مستقر للتجارة والخدمات اللوجستية والتمويل. وتعتمد طموحات رؤية 2030 والأطر اللاحقة لها على تدفقات طاقة وإيرادات يمكن التنبؤ بها، وعلى بيئة بحرية آمنة.

لذا، بدأت المملكة في إعادة تقييم جغرافيتها الاقتصادية، وتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، وإعادة توجيه سياستها نحو البحر الأحمر. وستصبح المشاريع على طول الساحل الغربي للمملكة، بما في ذلك الموانئ والمناطق الصناعية والتطويرات السياحية، من الأولويات الرئيسية. يمنح موقع المملكة على ساحلين المملكة ميزة جغرافية هامة على جيرانها، ستسعى المملكة إلى استغلالها لتمييز نفسها، لا سيما عن الإمارات العربية المتحدة، كمركز رئيسي للتصدير والخدمات اللوجستية في المنطقة.

ويعني توجهها غربًا أن شركة النفط الوطنية السعودية، أرامكو، ستحتاج إلى إعادة توجيه صادراتها من النفط الخام إلى البحر الأحمر، أو على الأقل بناء قدرة على نقل 7 ملايين برميل يوميًا، بما يتماشى مع مستويات ما قبل الحرب. وتقوم الشركة حاليًا بنقل حوالي 4 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام عبر خط أنابيب من الشرق إلى الغرب، وتصديرها عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر. ورغم انخفاض الصادرات الحالية، إلا أن المملكة العربية السعودية تتمتع بوضع أقوى من العديد من جيرانها في الخليج، الذين لا تزال صادراتهم محصورة في دول الخليج. ومع وصول أسعار النفط إلى حوالي 120 دولارًا للبرميل، أي ما يقارب ضعف مستويات ما قبل الحرب، تحتفظ الرياض بقدر من المرونة المالية.

ومع ذلك، ستكون هناك حاجة إلى استثمارات طويلة الأجل وكبيرة في البنية التحتية التي تسمح بنقل البضائع، وخاصة النفط، بين البحر الأحمر والمراكز الحضرية الرئيسية في جميع أنحاء الخليج، إذا ما أرادت المملكة العربية السعودية ترسيخ مكانتها كمركز تجاري إقليمي. لا مفر من فترات زمنية أطول وتكاليف أعلى، لكن الطبيعة الهيكلية لمشكلة مضيق هرمز لا تترك للسعودية خيارات كثيرة.

إلا أن تغيير مسار الملاحة بعيدًا عن هرمز لن يزيل المخاطر، بل سينقلها فقط. وتُظهر الهجمات التي شنّها الحوثيون المدعومون من إيران على سفن البحر الأحمر أن انعدام الأمن البحري سيصبح عائقًا رئيسيًا أمام توجه السعودية غربًا، وليس مجرد أمر ثانوي.

حرب ايران واحياء الانقسام مع الامارات

يُفسر التهديد الذي يُشكله انعدام الأمن البحري على طموحات السعودية في البحر الأحمر ترددها في الانخراط المباشر في الحرب ضد إيران، وسعيها الحثيث لمنع أي تصعيد إضافي. تُدرك القيادة السعودية أن الرد العسكري على الضربات الإيرانية لن يزيد فقط من المخاطر التي تُهدد أصولها في قطاع الطاقة وبنيتها التحتية الحيوية، بل قد يُجرّ الحوثيين أيضاً إلى الصراع بشكل مباشر. وهذا بدوره سيُهدد طرق التصدير البديلة للسعودية، مُقوّضاً بذلك تنويعها الاقتصادي الأساسي بعيداً عن مضيق هرمز.

يُفسر هذا أيضاً اختلاف مواقف السعودية والإمارات تجاه الحرب، وتصاعد التوترات بينهما. فقد اتخذت أبوظبي موقفاً حازماً ضد إيران، أقرب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل منه إلى جيرانها في الخليج. وانتقد مسؤولون إماراتيون رفيعو المستوى القيادة الإيرانية لاستهدافها مواقع على الأراضي الإماراتية، كما انتقدوا الشركاء الإقليميين لتقاعسهم عن الرد بقوة أكبر أو تقديم دعم أوسع.

أصبحت السعودية تنظر إلى إسرائيل وأفعالها كتهديد للأمن الإقليمي، ولذلك تنظر إلى تحالف الإمارات معها نظرة سلبية. نتيجةً لذلك، بات موقف الإمارات مصدر إحباط متزايد للرياض. ويُعدّ قرار أبوظبي بالانسحاب من منظمة أوبك، وإن لم يكن مفاجئًا تمامًا، ضربةً أخرى للمملكة. فرغم أن السعودية ستظل اللاعب المهيمن في أوبك، إلا أنها ستكون المنتج الرئيسي الوحيد الذي يمتلك طاقة إنتاجية فائضة كبيرة، وقد تُضطر إلى خفض إنتاجها وصادراتها مستقبلًا لتعويض الزيادات التي ستُجريها الإمارات.

والأهم من ذلك، أن التنافس على النفوذ في البحر الأحمر مُرشّحٌ للاشتداد. وسيُصبح التحكم في الوصول إلى الممرات المائية وأمنها محورًا أساسيًا في حسابات السعودية الاقتصادية والاستراتيجية. في الوقت نفسه، تُنشئ الإمارات شبكةً استراتيجيةً من الموانئ والقواعد العسكرية عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي لتأمين طرق التجارة العالمية وبسط نفوذها الاقتصادي.

إعادة نظر استراتيجية

تستغل القيادة السعودية الحرب لإعادة ترتيب أولويات إنفاقها تحت غطاء الأزمة. وكانت إعادة تقييم مشاريعها الضخمة جارية بالفعل قبل النزاع، وتوفر الحرب مع إيران مبرراً لإجراء تغييرات جوهرية إضافية على استراتيجيتها الاستثمارية، دون المخاطرة بتلقي اتهامات بالفشل.

هناك تركيز متجدد على الصناعات المحلية الأساسية للتنمية الوطنية والأمن الاقتصادي. وقد بدأ صندوق الاستثمارات العامة السعودي بتقليص التزاماته الخارجية البارزة، بما في ذلك نادي LIV Golf ورعايته وشراكاته المرتبطة بدار الأوبرا المتروبوليتان في نيويورك. كما وافق على بيع جزئي لحصة كبيرة في نادي الهلال، أحد أبرز أندية كرة القدم في المملكة. وثلاثة أندية أخرى - النصر والأهلي والاتحاد - هي التالية في قائمة البيع. يشير هذا إلى توجه نحو إنفاق أكثر حذراً وانضباطاً أكبر في إدارة رأس المال، والابتعاد عن المشاريع التافهة.

وقد استخلص ولي العهد السعودي محمد بن سلمان درسين قاسيين من التدخل السعودي في اليمن: أولهما، أن للقرارات المتسرعة ثمناً باهظاً؛ ثانيًا، لا وجود لحرب سريعة. قد يفسر هذا تردده في المشاركة في الحرب ضد إيران أو حتى تأييدها. بدلًا من ذلك، عادت السعودية تقريبًا إلى نهجها المعتاد، مفضلةً الحذر والصبر والتخطيط طويل الأمد على المكاسب قصيرة الأجل.

Comments