00:00:00
توقيت بغداد
2026مايو12
الثلاثاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

زياد داود - زميل أول في مبادرة الشرق الأوسط (MEI)

نظرية كل شيء للاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط

يقدم زياد داود هو زميل أول غير مقيم في مبادرة الشرق الأوسط التابعة لمركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية في كلية هارفارد كينيدي. ويشغل حالياً منصب كبير الاقتصاديين للأسواق الناشئة في Bloomberg، تحليلاً شاملاً لظاهرة "الريع" في الشرق الأوسط، موثقاً كيف أن الاقتصادات القائمة على الريع تعد سمة مشتركة بين الدول الغنية بالموارد والفقيرة بها على حد سواء، ويستكشف التداعيات التي تحملها هذه النظرية الموحدة على المستقبل السياسي والتحولات في المنطقة.

مقدمة

هناك سمة توحد الاقتصادات التي تبدو متباينة في مجلس التعاون الخليجي، والعراق، ومصر، والأردن، وربما دول أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ جميعها تعتمد على "الريع" (Rents) – وهو الدخل المُكتسب بجهد ضئيل نسبياً. وهذه المكاسب المفاجئة لا تشكل العلاقات الاقتصادية فحسب، بل تصيغ الأنظمة السياسية أيضاً.

يتخذ الريع في المنطقة خمسة أشكال: صادرات النفط والغاز هي الأكثر وضوحاً، لكنها ليست المثال الوحيد. وتشمل الأشكال الأخرى: الدخل من صناديق الثروة السيادية، إيرادات طرق التجارة مثل قناة السويس، المساعدات الخارجية، ومبيعات الأراضي.

غالباً ما تُروى قصة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كحكاية لمنطقتين؛ من جهة، هناك دول غنية بالموارد (خاصة في الخليج) تفيض بالبترودولارات وصناديق الثروة السيادية، ومن جهة أخرى، هناك دول فقيرة الموارد مثل مصر والأردن، تكافح لتلبية احتياجات سكانها الضخمة. لكن "الريع" يقدم ثيمة موحدة – "نظرية كل شيء" – لهذه القصص المتفاوتة.

هذه النظرية الموحدة للريع ليست مجرد جمالية فكرية، بل تحمل مضامين تنبؤية:

أولاً: تحلم العديد من دول المنطقة بمستقبل "ما بعد الريعية" – مستقبل تقود فيه الإنتاجية والابتكار عملية النمو. لكن هذه الطموحات غالباً ما تتجاهل الحقائق السياسية؛ فالريع يخلق شبكة من المحسوبية والامتيازات التي تقاوم التغيير. لذا، فإن محاولات الانتقال إلى اقتصاد منتج عبر سياسات تقنية فقط، دون معالجة الهياكل السياسية الكامنة، من غير المرجح أن تنجح.

ثانياً: التنبؤات القاتمة بانهيار المنطقة إذا تحول العالم بعيداً عن الوقود الأحفوري مبالغ فيها على الأرجح. لقد أثبت الشرق الأوسط أنه "مبتكر" عندما يتعلق الأمر بتوليد مصادر جديدة للريع، تاريخياً وحاضراً. ورغم أن الانتقال إلى اقتصاد منتج لا يزال حلماً بعيد المنال، إلا أن قدرة المنطقة على البقاء، حتى في شكلها الحالي، لا ينبغي الاستهانة بها.

من المهد إلى المتوسط: الريع في كل مكان

ما هو الريع أصلاً؟ هو دخل يستوفي ثلاثة شروط: أولاً، المصدر خارجي. ثانياً، لا يتطلب عملاً كبيراً لتوليده. ثالثاً، الحكومة هي المتلقي الرئيسي لهذا الدخل. ويعد الاقتصادي حازم الببلاوي (الذي شغل لاحقاً منصب رئيس وزراء مصر) شخصية محورية في فهم الاقتصادات الريعية.

المثال الكلاسيكي في ورقة الببلاوي "الدولة الريعية في العالم العربي" كان ريع النفط والغاز، خاصة في الخليج. وفي ورقة أحدث، جادل الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله بأن هذه الاقتصادات أصبحت الآن في مرحلة "ما بعد النفط وما بعد الريعية". أما فرضيتي هنا فهي أن النموذج الريعي ليس حياً وبصحة جيدة في الخليج فحسب، بل هو قوة قوية تشكل الشرق الأوسط الأوسع، ويتجاوز بكثير الوقود الأحفوري.

لنبدأ بالعراق – دولة ريعية نموذجية تعتمد بشكل شبه كامل على النفط، حيث يمثل النفط الخام 97% من صادراتها، و90% من دخل الدولة. ولا توظف عمليات استخراج النفط سوى نسبة ضئيلة من القوة العاملة العراقية. أما توزيع النفط فقصة أخرى؛ حيث توظف الحكومة حوالي 40% من القوة العاملة في القطاع العام وتدفع لهم ضعف ما يتقاضاه القطاع الخاص، وهذا ليس مقابل عمل منتج، بل يعمل كوسيلة فجة وغير فعالة لتوزيع دخل النفط، مما يشوه الاقتصاد الأكبر.

هل الخليج في مرحلة "ما بعد النفط وما بعد الريع"؟

قدم عبد الخالق عبد الله ادعاءً جريئاً بأن دول مجلس التعاون الخليجي تجاوزت الريعية، مستنداً إلى أن النفط لم يعد محورياً، وأنها أدخلت الضرائب، وتمتلك أكبر صناديق ثروة سيادية. لنحلل هذه الحجج:

أولاً: تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن "سعر التعادل الخارجي للنفط" (السعر اللازم لتمويل الواردات والتحويلات) قد ارتفع في السعودية والإمارات والكويت منذ عام 2016، مما يشير إلى اعتماد "أكبر" لا أقل على النفط. وفي المجمل، تحتاج حكومات الخليج اليوم إلى سعر نفط أعلى لموازنة ميزانياتها مقارنة بعام 2016.

ثانياً: حول الضرائب؛ رغم إدخال ضريبة القيمة المضافة وضرائب الشركات، إلا أن حجمها يظل متواضعاً (أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي)، مقارنة بـ 25% في الاقتصادات المتقدمة. كما أن الضرائب لا تزال حساسة سياسياً، ويتم تسويقها كطريقة لإعادة تدوير الثروة من الأجانب إلى المواطنين، وليس كـ "تفكيك لدولة الرفاهية".

ثالثاً: صناديق الثروة السيادية ليست علامة على مستقبل ما بعد ريعي، بل هي أداة للحفاظ على النموذج للأجيال القادمة. كما أوضح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الهدف هو جعل "الاستثمارات هي مصدر دخل الحكومة"، وهو ما يتماشى تماماً مع خصائص الريع: دخل خارجي، عمالة محلية ضئيلة، وسيطرة حكومية.

الأردن والمساعدات الخارجية كريع

لم يواجه الأردن أزمة عملة مؤخراً مثل مصر أو لبنان، رغم أن عجزه التجاري (الفجوة بين الصادرات والواردات) أسوأ من مصر. السر يكمن في "المساعدات الخارجية"، وهي دعم يستوفي شروط الريع (خارجي، تسيطر عليه الحكومة، جهد أدنى). يتلقى الأردن دعماً مستمراً من صندوق النقد الدولي، ومن دول الخليج (حوالي 9 مليار دولار بين 2011-2022)، ومن الولايات المتحدة التي تعهدت بـ 1.45 مليار دولار سنوياً حتى 2029. هذا "الريع السياسي" هو شريان الحياة الذي جعل وكالات التصنيف الائتماني ترفع تصنيف الأردن رغم التوترات الجيوسياسية.

رحلة مصر المتعثرة مع الريعية

وصف الاقتصادي الراحل سامر سليمان مصر بأنها "دولة شبه ريعية". تنقلت مصر بين أنواع مختلفة من الريع: من تصدير النفط (الذي انتهى عام 2010)، إلى الغاز الطبيعي (الذي تذبذب بين التصدير والاستيراد)، وصولاً إلى قناة السويس التي تضررت إيراداتها بنسبة 70% بسبب النزاعات الإقليمية في 2023-2024.

أمام تراجع المصادر التقليدية، وجد النظام مصدراً جديداً: "مبيعات الأراضي". صفقة "رأس الحكمة" مع أبوظبي بقيمة 35 مليار دولار هي ريع خالص (مصدر خارجي، جهد إداري أدنى، تدفق مباشر للحكومة). وقد يتبع ذلك صفقات أخرى مثل "رأس جميلة".

البحرين: ريع استصلاح الأراضي

البحرين تقدم نموذجاً فريداً؛ فمع تراجع ريع النفط، توسعت مساحة الجزيرة بنسبة 14% منذ عام 1991 عبر استصلاح الأراضي من البحر وبيعها لمطورين أجانب، محولة "الجغرافيا" إلى مصدر ريع مستمر يعوض نقص الموارد الطبيعية.

معضلات الريع

تواجه الاقتصادات الريعية ثلاث مشكلات جوهرية:

التقلب: الارتباط المباشر بأسواق الطاقة والظروف الجيوسياسية.

انخفاض الإنتاجية: حيث يُستخدم الريع لشراء الولاء السياسي عبر وظائف حكومية غير منتجة، مما جعل الدول العربية الأسوأ عالمياً في نمو الإنتاجية.

السلطوية: "لا تمثيل بدون ضرائب"؛ فعندما لا تحتاج الحكومة لضرائب المواطنين، تتقلص المساءلة السياسية.

خاتمة وتوقعات

تتعدد "الرؤى" الاقتصادية في المنطقة (2030، 2035، إلخ)، لكن نجاحها مرهون بمعالجة الديناميكيات السياسية الكامنة، وليس فقط الحلول التقنية.

المنطقة أثبتت قدرة فائقة على "الابتكار الريعي" (صناديق سيادية، ممرات تجارية مثل طريق التنمية، مبيعات أراضي) لإطالة عمر الأنظمة وتأجيل الانفتاح الديمقراطي. إن عقلية "تطلع الحكومات إلى السماء آملة أن تمطر ذهباً" لا تزال قائمة، والابتكار في خلق الريع يسبق دائماً الرغبة في تقاسم السلطة.

Comments