أ.م.د. عباس فاضل علوان - جامعة الكوفة – كلية العلوم السياسية
استراتيجية الردع المتكامل الأمريكية المتغيرة في النظام الدولي المتعدد الأقطاب خلال ولاية ترامب الثانية
مقدمة
تعد استراتيجية الردع القومي لأي قوة عظمى هي المرآة العاكسة لإدراكها لذاتها ولمكانتها في هيكل النظام الدولي، وفي ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية نجد أنفسنا أمام انعطافة تاريخية كبرى تتجاوز مجرد التغيير في الإدارة السياسية لتصل إلى إعادة صياغة جذرية لعقيدة القوة الأمريكية.
لم يعد العالم الذي تواجهه واشنطن اليوم هو ذلك النظام الأحادي القطب الذي ساد بعد الحرب الباردة، بل هو نظام معقد يتسم بتعدد الأقطاب وبروز قوى مراجعة تسعى لتحدي الهيمنة الغربية، وسط هذا الضجيج الجيوسياسي تحولت أمريكا من فلسفة (إدارة العالم) إلى فلسفة (حماية الذات وتحصين السيادة)، كما إن الانتقال من مفهوم الردع الذي صاغته الإدارات السابقة إلى النموذج الحالي يعكس وعياً أمريكياً متأخراً بأن فائض القوة لم يعد يضمن فائض السيطرة، وأن الاستمرار في تقديم الضمانات الأمنية المجانية للآخرين أصبح عبئاً استراتيجياً يستنزف المركز لصالح الأطراف، وإن استعادة الهيبة الأمريكية في عهد ترامب الثاني لم تعد تمر عبر بوابات المنظمات الدولية بل عبر فوهات المدافع والقدرات التكنولوجية المتفوقة التي تضمن الانتصار الحاسم في أي صراع محتمل حيث يتم صهر الاقتصاد والتكنولوجيا والعسكرة في بوتقة واحدة تهدف لفرض واقع دولي يخدم المصلحة الأمريكية أولاً وأخيراً .
سنتناول فيما يلي تشريحاً لبنية هذا الردع الأمريكي المتغير، عبر استقصاء تحولاته في المسارح الجيوسياسية والأبعاد التكنولوجية والاقتصادية وفق المحاور التحليلية التالية:
أولاً: الانقلاب المفاهيمي من الردع الشامل إلى الحسم الجراحي
تستند هذه الاستراتيجية الامريكية المتغيرة في جوهرها الى قطيعة قطيعة فكرية واضحة مع ما كان يعرف بـ (الردع المتكامل - (Integrated Deterrence الذي اعتمد على دمج الحلفاء والأدوات الدبلوماسية والاقتصادية في شبكة واحدة، ليحل محله مفهوم أكثر قسوة ووضوحاً وهو السلام من خلال القوة (Peace through Strength) هذا التحول ليس لغوياً فحسب بل هو إعادة تعريف لدور القوة العسكرية حيث تخلت واشنطن عن المصطلحات المجردة لصالح واقعية مرنة تركز على النتائج المادية الملموسة وتجلى هذا التغيير في إجراء رمزي وعملي بالغ الدلالة، وهو إعادة إحياء مسمى وزارة الحرب (Department of War) كعنوان ثانوي مفضل لوزارة الدفاع في رسالة مشفرة للعالم بأن المهمة الأساسية للجيش ليست بناء الأمم أو نشر الديمقراطية بل هي الفتك والانتصار الحاسم في النزاعات.
تقوم العقيدة الجديدة على استعادة ما يسمى روح المحارب (Warrior Ethos) داخل المؤسسة العسكرية وتطهيرها من الاعتبارات البيروقراطية والأيديولوجية التي يرى المخططون الجدد أنها أضعفت هيبة الردع الأمريكي في السنوات الماضية، مما يجعل الضربة الأمريكية القادمة في أي صراع محتمل ضربة (قاضية) لا تترك مجالاً لأنصاف الحلول، هذه الفلسفة تفترض أن الردع الحقيقي لا ينبع من الكلمات أو المعاهدات بل من العزم القابل للملاحظة على استخدام القوة لإنهاء التهديدات بشكل نهائي.
ثانياً: استنتاج ترامب لمبدأ مونرو وإعادة مركزية نصف الكرة الغربي
ربما يكون التحول الأكثر إثارة في ولاية ترامب الثانية هو الارتفاع المفاجئ لمكانة (الوطن) ونصف الكرة الغربي كأولوية قصوى تتقدم حتى على النزاعات الكبرى في أوراسيا، من خلال ما بات يعرف بـ استنتاج ترامب لمبدأ مونرو (Trump Corollary to the Monroe Doctrine) حيث أعلنت واشنطن صراحة أنها لن تتحمل وجود أي نفوذ لقوى أجنبية معادية مثل الصين أو روسيا في محيطها الجغرافي معتبرة أن الدفاع عن السيادة يبدأ من تأمين (الفناء الخلفي).
يتحقق هذا الردع الإقليمي الشامل عبر تجاوز التحذيرات السياسية التقليدية الى تنفيذ عمليات عسكرية حركية كبرى، حيث انتقلت مكافحة تهريب المخدرات وما يوصف بـ (الإرهاب النرجسي) إلى مهام قتالية أساسية للجيش الأمريكي، لقد أثبتت العمليات التي استهدفت شبكات التهريب في الكاريبي وصولاً إلى التدخل المباشر في يناير 2026 في فنزويلا ضمن عملية العزم المطلق (Operation Absolute Resolve) والتي أدت للقبض على (نيكولاس مادورو)، أن أمريكا في عهدها الجديد مستعدة لاستخدام القوة العارية لتأمين حدودها وضمان وصولها العسكري والتجاري إلى تضاريس مفتاحية مثل قناة بنما وجرينلاند، هذا المنطق يرى أن الدفاع عن السيادة لا قيمة له إذا كانت حدود الوطن مخترقة مما يعيد رسم خارطة الانتشار العسكري الأمريكي ليكون أكثر تركيزاً وتحصيناً في المحيط القريب، محولاً المنطقة إلى حصن منيع يضمن الاكتفاء الذاتي من الطاقة والموارد ويمنع المنافسين من خلق بؤر توتر قريبة من الأراضي الأمريكية وهو ما يمثل عودة للتفكير الجيوبوليتيكي الكلاسيكي حيث تقاس القوة بالسيطرة على الممرات والعقد الاستراتيجية والقدرة على المنع المادي للخصوم من الوصول إليها .
ثالثاً: ردع الصين بالمنع لا بالمواجهة (توازن القوى الحاد في الإندوباسيفيك)
بينما تظل الصين هي (التحدي العاجل) الأكبر في الحسابات الأمريكية، إلا أن استراتيجية الردع تجاهها في الولاية الثانية لترامب اتسمت بمزيج معقد من العداء التجاري والتهدئة الجيوسياسية المدروسة، الهدف هنا ليس تدمير الصين أو تغيير نظامها السياسي بل منعها من الهيمنة على منطقة المحيطين الهندي والهادئ وهو ما يعرف بـ (الدفاع بالمنع- (Denial Defense كما وردت في وثيقة استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 اذ تركز واشنطن على بناء سد دفاعي منيع على طول سلسلة الجزر الأولى (First Island Chain) مع تشجيع الحلفاء الإقليميين على تحمل العبء الأكبر من المواجهة التقليدية.
تتبنى واشنطن على سبيل المثال تجاه تايوان، نهجا تبادليا قاسيا، حيث ينظر إلى الالتزام الأمني الأمريكي كنوع من (قسط تأمين) يجب على الجزيرة دفعه بالكامل من خلال استثمارات ضخمة في الداخل الأمريكي وشراء مكثف للأسلحة، هذا الردع المتغير يسعى لإقناع بكين بأن أي مغامرة عسكرية لتغيير الوضع القائم ستكون مكلفة مادياً وغير قابلة للتحقق عملياً، مع إبقاء قنوات الاتصال العسكرية مفتوحة لتفادي سوء التقدير الذي قد يؤدي لصدام مدمر لا يرغب فيه الطرفان في ظل اعتمادهما الاقتصادي المتبادل.
تدرك واشنطن أن الصعود الصيني لا يمكن وقفه بالكامل لذا تتحول الاستراتيجية نحو إدارة هذا الصعود ومنع تحوله إلى هيمنة عالمية تطيح بالمركز الأمريكي، وذلك عبر خلق حالة من التوازن القاسي المعتمد على القوة الصلبة كضمانة وحيدة لاستقرار (السلام المشروط) بين القوتين.
رابعاً: نهاية الضمانات المجانية وإعادة هندسة التحالفات
شهدت إدارة الحلفاء في عهد ترامب الثاني تحولاً جذرياً من القيادة التعاونية إلى الإدارة التبادلية حيث أصبح الأمن الأمريكي سلعة مشروطة بالأداء وليست حقاً مكتسباً، في أوروبا كان المطلب الأمريكي واضحاً وصارماً، بمعنى على الحلفاء في حلف الناتو رفع إنفاقهم الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة لتولي المسؤولية الأساسية عن دفاعهم التقليدي ضد روسيا، مع اعتبار أن القوة الاقتصادية والديموغرافية لأوروبا تفوق روسيا بمراحل، وبالتالي لا يوجد مبرر منطقي لاستمرار الاتكال الكامل على المظلة الأمريكية التي أصبحت توصف بأنها (عملية ابتزاز) من جانب الحلفاء.
هذا النهج أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته بالردع المشروط حيث تمنح الولايات المتحدة الأولوية في التعاون التقني والاستخباري لمن يوصفون بـ (الحلفاء النموذجيين) الذين يشاركون بفعالية في تقاسم الأعباء، إن التلويح بسحب القوات أو تقليص الالتزامات ليس مجرد مناورة سياسية بل هو جزء من عملية فرز استراتيجية تهدف لتقليل الالتزامات الأمريكية غير الحيوية وتركيز الموارد في مناطق الحسم، مما يجبر الحلفاء على تطوير قدرات ذاتية تعيد التوازن لنظام التحالفات الدولي المتهالك وتحولهم من (تابعين) إلى (شركاء وظيفيين) يتحملون كلفة بقاء المظلة الأمنية فوق رؤوسهم.
خامساً: عصر الحرب الذكية ودرع القبة الذهبية
تقنياً انتقلت أمريكا من مرحلة التجريب المحدود للذكاء الاصطناعي إلى جعله العمود الفقري لمنظومة الردع الحديثة فيما يعرف بـ الحرب الذكية (Smart War) اذ تهدف الاستراتيجية الجديدة إلى تحويل الولايات المتحدة إلى القوة القتالية الأولى عالمياً التي تعتمد على (الذكاء الاصطناعي أولاً) في اتخاذ القرار القتالي مما يقلص الفجوة بين جمع المعلومات وتنفيذ الضربة إلى بضع دقائق.
يبرز مشروع القبة الذهبية (Golden Dome) كحجر زاوية تقني لهذا العصر، وهو نظام دفاع صاروخي فضائي متعدد الطبقات مصمم لحماية كامل التراب الأمريكي من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، هذا الردع التكنولوجي لا يسعى فقط للتفوق العددي، بل لامتلاك ميزة الردع الحسابي (Calculative Deterrence) الذي يحلل تحركات الخصوم في الوقت الفعلي ويقترح ردود فعل تضمن بقاءهم تحت الضغط المستمر، ومن خلال ربط القاعدة الصناعية الدفاعية بالشركات الناشئة والمبتكرين في القطاع الخاص تسعى واشنطن لتجاوز البيروقراطية التقليدية وتسريع إنتاج أنظمة غير مأهولة قادرة على تحييد أنظمة الاعتراض عبر الكثافة الهجومية، إن دمج التكنولوجيا المتقدمة في صلب الردع يهدف إلى خلق حالة من اللايقين لدى الخصم حول كلفة أي هجوم مما يمنعهم من التفكير في اختبار العزيمة الأمريكية في أي ساحة معركة رقمية أو مادية، ويحول التفوق التقني إلى أداة إكراه سياسي لا تقبل الجدل.
سادساً: تصفية التهديد الإيراني وإدارة الخطر الروسي
تجاه إيران انتقل الردع الأمريكي من سياسة (الاحتواء) إلى استراتيجية (التفكيك الجراحي) معتبرة أن النظام في طهران لا يستجيب إلا للغة القوة المفرطة، حيث أثبتت العمليات العسكرية مثل مطرقة منتصف الليل (Midnight Hammer) في 2025 وحملة الغضب الملحمي (Epic Fury) في 2026 أن واشنطن لم تعد تخشى (الحروب الأبدية) إذا كانت الضربة قوية وقصيرة وتهدف لتدمير القدرة على التهديد النووي والتقليدي بدلاً من تغيير النظام واحتلال الأرض.
أما بالنسبة لروسيا فقد أعادت الاستراتيجية تصنيفها كـ (تهديد يمكن إدارته) وليس كخطر وجودي يتطلب استنزاف القوة الأمريكية حيث يتم الضغط باتجاه التفاوض القسري وتجميد الصراعات المفتوحة في أوكرانيا للتفرغ للمنافسة الأهم مع الصين، هذا الردع المتغير يعتمد على (الانتقاء الاستراتيجي) حيث يتم التعامل مع كل عدو وفق ميزان دقيق للكلفة والعائد مما يمنح صانع القرار مرونة عملياتية هائلة في عالم مضطرب لا يعترف إلا بالقوة الصلبة والحسم السريع.
سابعاً: الاقتصاد أداة ردع سيادية
تحت مظلة النظام الدولي المتعدد الأقطاب لم تعد الرسوم الجمركية مجرد أداة لحماية التجارة بل أصبحت (رأس الحربة) في استراتيجية الردع الأمريكية الجديدة، فيما يعرف بـ حرفة الدولة الاقتصادية (Economic Statecraft) تم استخدام التعريفات الجمركية كبديل للعقوبات لملاحقة أهداف جيوسياسية متنوعة من الضغط على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى إجبار الخصوم على إعادة توطين الصناعات الحيوية داخل الولايات المتحدة .
ترى إدارة ترامب أن الاقتصاد الأمريكي هو (ترسانة) لا يمكن للخصوم مجاراتها في حرب استنزاف طويلة، وأن القدرة على إغلاق الأسواق أو فرض ضرائب عقابية تمثل سلاحاً لا يقل فتكاً عن الصواريخ، هذا النوع من (الردع التوطيني) يسعى لتأمين سلاسل الإمداد الأمريكية وضمان استمرارية التفوق الصناعي، محولاً التبادل التجاري من منطق العولمة الحرة إلى منطق الأمن القومي الصارم الذي يربط بين التدفقات المالية والولاء الاستراتيجي.
خاتمة
ختاماً تجسد استراتيجية الردع الأمريكية في ولاية ترامب الثانية قطيعة نهائية مع مثالية ما بعد الحرب الباردة مدشنة عصراً جديداً من الواقعية المرنة (Flexible Realism) التي تضع السيادة القومية فوق أي اعتبار، اذ إن التحول الجذري من (الردع المتكامل) إلى عقيدة (السلام من خلال القوة) لم يكن مجرد تغيير في المصطلحات بل إعادة هندسة شاملة للقوة حول (الوطن) ونصف الكرة الغربي عبر استنتاج ترامب لمبدأ مونرو .
لقد نجحت واشنطن في فرض توازن قوى قسري محولة الاقتصاد والتكنولوجيا خاصة في مشروع (القبة الذهبية) إلى أسلحة ردع سيادية لا تقبل المساومة، ومع تبني (الدفاع بالمنع) كركيزة لضبط الطموح الصيني، وإنهاء عصر الضمانات الأمنية المجانية للحلفاء انتقلت أمريكا من دور شرطي العالم إلى دور (الفاعل الانتقائي) الذي يدير مصالحه بميزان الكلفة والعائد، يبقى التحدي الأكبر في مدى استدامة هذا العصر الذهبي الجديد وسط نظام دولي متعدد الأقطاب، فبينما أعادت (وزارة الحرب) هيبة الحسم الجراحي فإن العالم يقف اليوم أمام توازن قلق يعتمد على الردع الحسابي (Calculative Deterrence) حيث لم يعد السلام نتاجاً للدبلوماسية الورقية، بل ثمرةً للاستعداد المطلق للنزاع والقدرة المادية على فرضه، إن أمريكا اليوم تختار القوة كطريق وحيد لاستدامة السلم.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments