00:00:00
توقيت بغداد
2026مايو24
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: محمد أيوب - خبير في العلاقات الدولية بجامعة ولاية ميشيغان

لماذا نشرت باكستان قواتها في السعودية؟

لا يمكن لباكستان أن تنحاز بالكامل إلى جانب المملكة العربية السعودية ضد إيران، لكن استئناف الأعمال العدائية سيضيق خياراتها.

إن الموقع الإقليمي لباكستان بين جنوب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط يعني أنه يتعين عليها موازنة الضغوط الخارجية المتنافسة باستمرار. ولا تظهر عملية التوازن هذه بشكل أكثر وضوحاً مما هي عليه في علاقاتها مع إيران والسعودية. والسؤال الرئيسي هنا هو: كيف يمكن لإسلام آباد أن تحافظ على علاقات استراتيجية وثيقة مع الرياض، وفي الوقت نفسه تبقي على علاقة عمل قابلة للتطبيق مع طهران، وتقدم نفسها كوسيط بين طهران وواشنطن؟

أعادت التقارير الأخيرة المتعلقة بنشر باكستان لـ 8,000 جندي، وطائرات مقاتلة، ومنظومات دفاع جوي في السعودية بموجب ترتيب دفاعي ثنائي، إحياء تساؤلات قديمة حول التوجه الإقليمي لإسلام آباد. وفسر بعض المراقبين هذه التحركات على الفور بأنها دليل على أن باكستان قد اختارت أخيراً الرياض على حساب طهران. ومع ذلك، تبدو هذه الاستنتاجات سابقة لأوانها؛ فسلوك باكستان لا يعكس التزاماً بتحالف صريح بقدر ما يعكس محاولة مدروسة بعناية لتجنب الانجرار إلى استقطاب إقليمي ثنائي.

إن معضلة باكستان ليست بالجديدة؛ فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، تعين على الحكومات المتعاقبة في إسلام آباد المناورة بين علاقتين مهمتين ولكن متنافستين. تاريخياً، كانت المملكة العربية السعودية الداعم الاقتصادي الرئيسي لباكستان، وفي المقابل، لا تمثل إيران مجرد دولة إقليمية أخرى، بل هي جارة مباشرة.

ترتكز العلاقات السعودية الباكستانية على عدة ركائز؛ وتشكل الروابط الاقتصادية الركيزة الأولى، حيث يعمل ملايين العمال الباكستانيين في السعودية وممالك الخليج الأخرى، وتشكل تحويلاتهم المالية مصدراً مهماً للنقد الأجنبي لاقتصاد يعاني بشكل متكرر من أزمات الديون وميزان المدفوعات. ولطالما شكل الدعم المالي السعودي آلية استقرار خلال الأزمات الاقتصادية المتكررة في باكستان.

أما الركيزة الثانية فهي التعاون العسكري؛ إذ يقوم أفراد عسكريون باكستانيون بتدريب القوات السعودية منذ عقود، كما أن التعاون العسكري بين البلدين يسبق الاتفاقية الدفاعية الأخيرة. وتنظر السعودية تقليدياً إلى باكستان على أنها تمتلك مؤسسة عسكرية ضخمة وقادرة يمكنها تعزيز أمنها ومتطلبات الأمن لحلفائها في الخليج. كما أن باكستان هي الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تمتلك قدرات نووية، وبالتالي، ترى الرياض في إسلام آباد شريكاً استراتيجياً مفيداً وسط حالة عدم اليقين بشأن الالتزامات الأمنية الأمريكية طويلة الأجل في الخليج.

وإذا كانت المملكة العربية السعودية تمثل ضرورة اقتصادية واستراتيجية، فإن إيران تمثل حتمية جيوسياسية؛ إذ لا يمكن لباكستان ببساطة أن تتجاهل جارتها الغربية التي تشترك معها في حدود تمتد لـ 1,000 كيلومتر (621 ميلاً). كما تشترك الدولتان في مخاوف أمنية متداخلة؛ فعدم الاستقرار في إقليم بلوشستان يؤثر على كلا الدولتين، وقد أدت الأنشطة المسلحة العابرة للحدود والتوترات الطائفية إلى تعقيد العلاقات بشكل دوري، ومع ذلك، تدرك الحكومتان المخاطر التي يشكلها الصدام المستمر وتراجعتا عن الصراع المفتوح.

هناك أيضاً بُعد داخلي؛ حيث تضم باكستان مجتمعاً شيعياً كبيراً (حوالي 15% من السكان)، والانحياز العلني ضد طهران يهدد بإشعال الانقسامات الطائفية داخل باكستان نفسها. لذلك، سعت الحكومات الباكستانية المتعاقبة إلى تجنب الانخراط في المنافسات السنية الشيعية الأوسع، والتي غالباً ما أججتها السعودية لتعزيز أهدافها الإقليمية.

وهذا يفسر تردد باكستان المتكرر في المشاركة عسكرياً في الحملات الإقليمية التي تقودها السعودية. وخلال حرب اليمن، على سبيل المثال، قاوم البرلمان الباكستاني المشاركة رغم التوقعات السعودية القوية. ولم يكن هدف إسلام آباد النأي بنفسها عن الرياض، بل تجنب إحداث قطيعة لا يمكن إصلاحها مع طهران.

لذلك، لا ينبغي بالضرورة تفسير نشر القوات الأخير على أنه تحول استراتيجي جوهري؛ فهو يبنى على علاقة عسكرية قائمة بين الرياض وإسلام آباد تمتد لعقود. ويبدو أن باكستان تحاول فصل التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية عن المواجهات الإقليمية الأوسع التي تشمل إيران.

ومع ذلك، يصبح الحفاظ على مثل هذه التمييزات أمراً صعباً عندما تشتد الأزمات الإقليمية؛ فالقوات المنتشرة لأغراض دفاعية وتدريبية قد تجد نفسها في نهاية المطاف متورطة في حملات عسكرية أوسع خارج نطاق سيطرة إسلام آباد. وقد ينشأ هذا الاحتمال عاجلاً وليس آجلاً، حيث تشير التقارير إلى أن السعودية شنت ضربات سرية على إيران في أواخر مارس. وإذا استؤنف القتال، فقد تتورط السعودية بشكل مباشر في الحرب ضد إيران.

ويصبح التحدي أكثر تعقيداً لأن باكستان حاولت في الوقت نفسه تقديم نفسها كوسيط بين إيران والولايات المتحدة، ونقل المقترحات وتسهيل الحوار بين طهران وواشنطن. وهناك أسباب عملية وراء هذه المبادرة الدبلوماسية:

أولاً: لباكستان مصلحة اقتصادية مباشرة في منع أي مواجهة مطولة تشمل إيران؛ فالتصعيد يهدد إمدادات الطاقة وممرات الشحن التي تعتمد عليها باكستان. وتؤثر الاضطرابات في الخليج فوراً على الاقتصاد الباكستاني الهش بالفعل من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف الاستيراد، وانخفاض تحويلات المغتربين الباكستانيين في دول الخليج الغنية بالطاقة.

ثانياً: تعزز الوساطة مكانة باكستان الدولية؛ فقد أمضت إسلام آباد معظم العقد الماضي في مواجهة العزلة الدبلوماسية والصعوبات الاقتصادية. وتقديم نفسها كوسط دبلوماسي يمنحها فرصة للظهور كلاعب إقليمي مسؤول، بدلاً من مجرد متلقٍ للمساعدات الخارجية.

ثالثاً: تتيح الوساطة لباكستان تجنب اتخاذ خيارات قاسية. ومن خلال وضع نفسها كجسر بين الأطراف المتنازعة، تسعى إسلام آباد إلى تحويل الغموض الاستراتيجي إلى منفعة دبلوماسية.

ومع ذلك، تنطوي الوساطة نفسها على مخاطر؛ إذ يصبح الحياد صعباً عندما يكون الطرف شريكاً أمنياً لأحد الجانبين في الوقت نفسه. وقد تتساءل طهران في النهاية عما إذا كان بإمكان باكستان التصرف بصدق كوسيط محايد بينما تتقرب من الولايات المتحدة وتوسع تعاونها العسكري مع السعودية. وفي الوقت نفسه، قد تقدر واشنطن قنوات اتصال باكستان مع طهران، لكنها غير متأكدة من النوايا الاستراتيجية الأوسع لإسلام آباد، وتحديداً بسبب جهودها للبقاء في الجانب الجيد مع طهران.

الخطر يكمن في أن أدوار باكستان المتعددة قد تصبح متناقضة فيما بينها؛ فالبلاد تسعى إلى أن تكون شريكاً عسكرياً للسعودية، وجاراً صالحاً لإيران، ووسيطاً دبلوماسياً لواشنطن في آن واحد. وكل دور من هذه الأدوار يمكن إدارته بمفرده، ولكن السعي وراء الثلاتة معاً يصبح صعباً بشكل متزايد خلال فترات الاضطراب الإقليمي.

إن نجاح مثل هذه اللعبة التوازنية الدقيقة سيعتمد إلى حد كبير على تطورات خارجة عن سيطرة باكستان. فإذا ظلت المنافسة السعودية الإيرانية تحت السيطرة وتراجعت حدة التوترات الأمريكية الإيرانية، فقد تستمر استراتيجية إسلام آباد في العمل بنجاح. أما إذا اشتدت المواجهات على الجبهتين، فقد تكتشف باكستان أن الجغرافيا والتحالفات تضع حدوداً للغموض الاستراتيجي ومثل هذه المناورات التوازنية عالية الخطورة.

نبذة عن الكاتب: محمد أيوب

محمد أيوب هو أستاذ متميز فخري في العلاقات الدولية بجامعة ولاية ميشيغان. وتضم مؤلفاته كتباً عدة منها: "الأوجه المتعددة للإسلام السياسي" (مطبعة جامعة ميشيغان، 2008)، و*"هل ينفجر الشرق الأوسط؟"* (2014)، ومؤخراً "من الأمن الإقليمي إلى العلاقات الدولية العالمية: رحلة فكرية" (2024). كما شغل منصب محرر كتاب "تقييم الحرب على الإرهاب" (2013).

Comments